essebsi-gharsalli

بقلم شكري بن عيسى،

ان يخرج وزير الداخلية (القاضي) وعلى الملأ يعتبر ان مظاهرات السبت القادم “مخالفة للقانون” باعتبار ان قانون الطوارىء “يمنع التجمهر والتظاهر”، فهذا فعلا عين الفوضى وعين التسلط ودوس القانون وانتهاك الدستور.

اولا قانون الطوارىء (وهو اصلا ليس قانون وانما امر) على عدم دستوريته لا يمنع التظاهر، ولا يتضمن اي فصل صريح يؤكد ما اعلنه وزير الداخلية، هو يمنح سلطات واسعة للسلطة التنفيذية (وزير الداخلية والوالي) ولكن تظل دائما تحت رقابة القضاء.

ثانيا الطوارىء هو حالة استثنائية ولا يمنع تطبيق بقية القواعد القانونية الدستورية وخاصة حق التظاهر والتعبير السلمي، وتحديد الحريات لا يمكن بحال ان يمس بجوهرها، حسب نص الدستور (الفصل 49) ، ونقول ذلك دون الخوض في عدم قانونية اعلان الطوارىء (الاصلي والتمديد).

ثاثا وزير الداخلية، ليس، ولا يمكن بحال ان يكون “مسطرة” القانون، يتحوّز النص القانوني ويعتبر نفسه او وزارته “الامين” عليه في الصدد، والقضاء في نهاية المطاف هو الذي يمارس رقابته على القرارات الادارية ويعتبرها قانونية او غير شرعية.

حدد وزير الداخلية بهذا الكلام حقيقة موقعه في الصراع السياسي القائم، واعلن ولاءه التام للسلطة المباشرة، وانخرط في طريقة تعاطيها الامني في قضية بالاساس سياسية، وهي تمرير مشروع قانون تبييض الفاسدين، محل نزاع بين الحكومة والمعارضة وبقية الشعب.

وهو امر يتجاوز الممارسات الاستبدادية النوفمبرية، اذ ان الامر هذه المرة مغلف بحجة القانون وادعاء الحياد الوهمي، وهي سياسات اشنع من العهد النوفمبري باعتبار ان الهدف اليوم مزدوج، فمن ناحية التضييق في مربع الحريات ومصادرة حقوق استشهد من اجلها المئات وضحى من اجلها الالاف، ومن اخرى هو توظيف دنيء للقوة العامة لتمرير سياسات السلطة، بما يعنيه ذلك من ضرب في العمق للحياد المؤسسة الامنية المفروض بموجب الدستور (الفصل 19) ودوس لمبدأ المساواة المحمولة على الالتزام به وانحراف جسيم عن هدف خدمة الامن والصالح العام.

صحيح أن هناك تهديدات اعلنت عنها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا، ولكن ان يقع غلق شارع بورقيبة بالتوازي مع تاريخ المظاهرة فهذا يصبح امرا مسترابا، وتلبيسا للحق بالباطل، وتحيلا على القانون، للدفع نحو القبضة الامنية، وفرض الغطرسة البوليسية.

وكان من الاجدى التعامل بكل شفافية حتى لا يقع خلط الامور، وحتى لا تتهم الداخلية باستغلال التهديدات لمصادرة الحق السياسي والمدني، وحتى لا يقع توظيف الطوارىء لتكميم الافواه وتمرير القوانين الانقلابية في ظل مشهد سياسي مختل الموازين، لا يمكن ان يصححه سوى الشارع، عبر التظاهر السلمي المشروع.

وغير بعيد كان في ظل حكم الترويكا طوارىء معلنة، وبرغم ذلك تحدى الحزب الحاكم اليوم السلطة انذاك، وتظاهر على انقاض احداث 7 و9 افريل 2012، وايضا في صائفة 2013 اعتصم بجمهور غفير، وتحدى كل التهديدات الارهابية، ولم يكترث لها، واعلن العصيان واطلق حملة انقلاب على الحكومة والرئاسة.

ولا ندري اليوم ما الذي تغير، وبالعكس فقد تم اصدار دستور في 2014 يضمن حق التظاهر، ولا يسمح بتحديد الحقوق والحريات والمساس بجوهرها، ولا يعطي بحال للسلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة، ويبقي على حق الرقابة القضائية لكل قراراتها.

النداء وضع الداخلية في مواجهة المعارضة والشعب، والقمع والمنع والتضييق لن يزيد سوى الاحتقان وسيعمق الانفجار، ويزيد في ضرب مصداقية الداخلية والبوليس المتهالكة اصلا، وسيشعل فتيلا يصعب اطفاؤه، ولو قدرنا كلفة المنع والاعتداءات وما ستخلفه بكلفة السماح للمظاهرات وتأطيرها لوجدنا الفرق عريضا، والحرية التي افتكها الشعب عبر نضالاته اتضح جليا انه غير مستعد للتفريط فيها مهما كانت الكلفة.

اما انخراط الداخلية السياسي، فان كان خطيرا فانه لم يكن غريبا، فبناية شارع بورقيبة لازالت وفية في منظومتها واجهزتها واعوانها لعقلية الاستبداد، واتضح ذلك جليا من خلال الاعتداءات المتكررة والممنهجة الاسابيع الاخيرة، بل انها استفادت من هامش الحرية ودخلت في المعادلة السياسية بقوة، ووظفت ادوات الدولة، من اجل الابتزاز والتحكم المباشر في سير الامور، هذا الجهاز الذي لا يعرف سوى الانتهازية في اغلبه لا يمكن بحال ان يكون سوى في هذا الموقع.

التظاهر والتعبير والنشر حقوق يكفلها الدستور وفيها حقوق لا يمكن اصلا ممارسة رقابة مسبقة عليها. انقلاب على الثورة، وانقلاب على الدستور، وانقلاب على القانون، بماتراك وكريموجان وشتم واعتقلات البوليس، والبلطجية ايضا.

المعركة في قلب استعادة قيم الثورة وتكريس علوية الدستور والدفاع عن الحريات وتطبيق القانون ومنع الافلات من العقاب والتصدي للفساد، ومن يختار المبادىء والقيم سيتمسك بالدفاع عنها والنضال من اجل انفاذها، وبالقانون والسلمية سيسعى لتحقيق الغايات الوطنية الشرعية، ولن تخيفه بحال اساليب البلطجة وكل اشكال الترهيب المعهودة التي ستنهار امام ارادة الحق والعدل.

يتضح حثيثا ان التصميم الشعبي قوي، هذه المرة، والمعارضة بمختلف تلويناتها وفئات عريضة من الشعب واغلب مكونات المجتمع المدني متمسكة بحق التظاهر السلمي في مواجهة الفساد ولكن ايضا لتحدي توظيف السلطة لجهاز الامن لفرض اجندتها السياسية بالقوة، ويوما بعد يوم تسير الاحداث في اتجاه اسقاط مشروع قانون تحصين الفساد وتبييض الفاسدين غير الدستوري!