ltdh

أي رابطيين نكون ؟؟ وأي رابطة نريد؟؟

يدور جدال صاخب هذه الأيام حول ما يعرف بقانون المصالحة ، الذي اقترحه رئيس الجمهورية و صادقت عليه الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب و ماله من انعكاسات على مسار العدالة الإنتقالية ومدى تطابقه أو مخالفته لفصول الدستور

ولمزيد تسليط الضوء على هذا الموضوع رأينا من الضروري البحث في موقف الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بإعتبارها معنية بمسار العدالة الإنتقالية ، و حريصة على نجاحه سواء في رصد الإنتهاكات ، أو حفظ الذاكرة ، و كذلك في بعث مؤسسات الدولة الديمقراطية التي تحترم حقوق الإنسان و تمنع عودة الدولة الإرهابية .

،لا شك أن الموقف الذي عبر عنه رئيس الرابطة على هامش أشغال مجلسها الوطني المنعقد في 12 و13 سبتمبر 2015 ، و المتمثل في ” إستئناف الحوار الوطني في إطار الرباعي (الأعرج هذه المرة) للخروج بمقترح توافقي بديل عن مشروع الباجي ” يدعو إلى التأمل والقراءة ، خاصة وقد ذكر الرئيس بالموقف السابق للرابطة الرافض لقانون المصالحة.

منظمة بحجم الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ، المنظمة الرئيسية في تونس  ، و أول جمعية من نوعها في إفريقيا والشرق العربي، التي تأسست في 7 ماي 1977 و لعبت أدوارا رئيسية في مقاومة القمع والإستبداد، لها من الرصيد النضالي ما يؤهلها إلى مواصلة الريادة في مجال الدفاع عن العدالة و حقوق الإنسان ضمن خيار مستقل .

و نحن على أعتاب المؤتمر السابع للرابطة الذي حدد أيام 19 و 20 ديسمبر 2015 . علينا الإجابة على عدة تساؤلات بجرأة وحرية، تمكن من الوقوف على أخطاء الماضي و التأسيس لبناء منظمة عصرية .

رغم رفع الحصار عنها، و الوضع القانوني الذي توفر لها بعد 14 جانفي 2011 ، إلى جانب السمعة و الرصيد النضالي الذي تتمتع به ، هل نجحت الرابطة في استيعاب التحولات الحاصلة ، و القيام بدورها كأهم جمعية حقوقية في تونس بعد عقد مؤتمرها السادس ، و الترفيع في عدد أعضاء هيئتها المديرة إلى 25 عضوا وإحداث خطة رئيس شرفي ؟

هل جددت الرابطة أساليب عملها ، و حددت مواقفها دون الوقوع في مستنقع السياسة الذي رافق مسيرتها منذ تأسيسها من طرف حركة الإش الد وحلفائهم ؟

أي مستقبل للرابطة في ظل واقع متغير، يفرض عليها إعادة النظر في هيكلتها ، و تنظيمها ، وتعصير نشاطها و طرق تسييرها و تمويلها ، و استعادة ما خسرته من مساحات لحساب هيئات و جمعيات بعثت بعد 14 جانفي، تحوم حول نشاطها وتمويلها شبهات؟

أي علاقة بمنظومة العدالة الإنتقالية ؟ و أي دور يمكن أن تلعبه الرابطة لإنجاح هذا المسار و بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية الضامنة للحقوق السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية للأفراد والمجتمع ؟

تساؤلات عديدة تطرح نفسها بإلحاح على المؤتمر القادم (ديسمبر 2015) ، تتطلب تعميق النقاش حولها و الخروج بإجابات تؤسس لمشروع حقوقي ، يستجيب لإكراهات الواقع ومستلزمات المستقبل ، و يبني منظمة عصرية في هيكلتها وطرق تسييرها.

الرابطة والإنحراف السياسي (الحوار الوطني)

إن انخراط الرابطة كمنظمة حقوقية مستقلة فيما ما يسمى بالرباعي الراعي للحوار الوطني، إلى جانب إتحاد الشغل ( منظمة مهنية)، عمادة المحامين (منظمة قطاعية)، و اتحاد الصناعة والتجارة (منظمة طبقية)، في رسم خارطة طريق سياسية للخروج من أزمة الحكم في 2013 قد عرضها إلى نقد كبير و جعلها تفقد مصداقيتها و استقلاليتها ، ووجه لها العديد تهمة تسيبس المنظمة و الإنخراط في مشروع حكم ضد آخر، و التخلي عن قضايا حقوق الإنسان إلى حد الإهمال .

ولعل تصريح رئيس الرابطة الأخير حول إستئناف الحوار الوطني و بدون شريك الأمس اتحاد الصناعة و التجارة المستفيد الأول من القانون ، يؤكد صحة التهمة السابقة بتسييس المنظمة و تسخيرها لخدمة أطراف بعينها دون أخرى و الإلتفاف على الموقف المعلن من قانون المصالحة . كما يعتبر البعض الآخر أن هذا التصريح بإستئناف الحوار الوطني بثلاثة أطراف ، هو تقسيم المجتمع المدني و هيئاته المتمثلة في التنسيقية المدنية و مقاطعة جلساتها .

إن الإصرار على التمسك برباعي الحوار الوطني، حتى أعرج هذه المرة  ، هو مواصلة للخطأ . و على المؤتمرين مراجعة هذا الإنحراف و تصحيح المسار ،  و تحديد موقع الرابطة المستقل عن نظام .الحكم مهما كانت طبيعته ليبراليا دينيا أو حداثيا ، و أخذ نفس المسافة من جميع الأطراف السياسية  ،على أن تكون قاعدة العلاقة معها هي احترام الحقوق السياسية و الإقتصادية والإجتماعية للمواطن

الرابطة ومسار العدالة الإنتقالية خطان متلازمان

من أهداف مسار العدالة الإنتقالية رصد انتهاكات حقوق الإنسان في العهدين السابقين، و محاسبة الجناة، وإنصاف الضحايا، وحفظ الذاكرة، بغاية منع العودة إلى مثل هذه الممارسات، و الحرص على بناء دولة المؤسسات التي تحترم حقوق الإنسان ، و تحفظ كرامة المواطن . وهذا في انسجام تام مع أهداف الرابطة، المذكورة في الفصل الثاني من قانونها الأساسي و المنصوص عليها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان و المواثيق الدولية ذات الصلة، و خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية . و على هذا الأساس كان من المفروض أن تنحاز الرابطة إلى هذا المشروع في جوهر أهدافه، ومساراته دون اعتبارات أخرى. و القارئ لموقف الرئيس الرافض لقانون المصالحة، يوحي بانسجام الرابطة مع مسار العدالة الإنتقالية. إلا أن الإعلان الأخير عن إستئناف الحوار الوطني ولو بثلاثة أطراف، فيه استجابة لنداء “الباجي ” للخروج من الأزمة السياسية التي وقع فيها بسبب اقتراحه لهذا القانون. وما البحث عن حل توافقي سوى توريط للرابطة و اتحاد الشغل و عمادة المحامين في تمرير القانون المشرع للرشوة والسرقة والفساد، و لا علاقة له بتسريع مسار العدالة الإنتقالية.

إن الانخراط مع طرف سياسي معين في معاداة هيئة الحقيقة والكرامة التي تتمتع بالشخصية المدنية، و التورط في إعادة رسم مسار العدالة الإنتقالية بما يخدم اللصوص و المرتشين من رجال الأعمال، هو أيضا إنحراف سياسي أكثر خطورة مما سبق، مقابل التخلي عن التنسيق مع هيئات المجتمع المدني و العمل على إنجاح مسار العدالة الإنتقالية، و لعب دور المراقب الساهر على إنجاح المسار بقطع النظر عن الأشخاص المعنيين والمشرفين.

الهيكلة والتسيير تقليديان إلى حد الإعاقة

ظلت الرابطة منذ تأسيسها في 1977 منظمة نخبوية محدودة الهياكل و عدد المنخرطين. عاجزة على تمويل نشاطها إلا ما رحم ربك. يخضع الإنتماء إليها إلى مقاييس سياسية، و غربلة مشروعة أحيانا و غير مشروعة أحيانا أخرى، ليس للموافقة على مواثيقها و إحترامها الاهمية، بقدر ماهي للولاءات و العلاقات الشخصية و المحاصصات الحزبية. فقد كانت في مسيرتها واقعة تحت تأثير مجموعات غالبا لا تميز بين حقوق الإنسان و الأهداف السياسية لأحزابهم. فقد بلغ عدد فروعها في أقصى حالاتها 41 فرعا، ثم إنخفض في أزمة الإدماج إلى 24 فرعا، و إستقر أخيرا في 27 فرعا بحساب فرع لكل ولاية تقريبا.

و رغم رفع الحصار عنها بعد 14 جانفي، و توفر المجال للنشاط، فقد بقيت حبيسة هيكلتها القديمة، رغم أنها رفعت في عدد هيئتها المديرة إلى 25 و أحدثت منصب رئيس شرفي و عينت على رأسه “المختار الطريفي” الرئيس السابق للرابطة.

حافظت الرابطة على انغلاقها و تقوقعها على نفسها، و على أسلوبها التقليدي في إدارة شؤونها في ضبط سياسات تدخلها، ولم تنتبه إلى أن مخاوفها القديمة قد زالت، و أن حزب التجمع الذي كان يهددها لم يعد موجودا. كما حافظت على هيكلتها التي لم تعد تستجيب لمتطلبات الواقع الحديث و تعدد الجمعيات المنافسة، و المنظمات المدافعة عن الحقوق السياسية والاقتصادية و الاجتماعية، و ما تتمتع به من قدرات مالية و من دعم خارجي. و حتى تسترجع الرابطة مكانتها و إشعاعها وطنيا و إقليميا و دوليا، أسوق بعض المقترحات للإثراء و النقاش تتعلق بالهيكلة والتسيير منها:

● الترفيع في عدد المنخرطين و الفروع بما يكفل فرعا في كل معتمدية لا يقل عدد منخرطيه عن 200 على قاعدة الإلتزام ببنود الميثاق و مبادئ الرابطة. وتكوين تنسيقيات جهوية تشرف على تأطيرالفروع و تنظيم تدخلها

● تكوين “كتلة ضغط شعبي” قادرة على التعبير عن مواقف الرابطة جهويا ومحليا ومركزيا و تعبئة القوى المدنية في معارك الحقوق والحريات
● اختيار أعضاء الهيئة المديرة على قاعدة الإستقلالية و البرنامج و المشاريع التي يقترحها كل من يرغب في تحمل المسؤولية

● اشتراط عدم ازدواج المسؤولية في الترشح للهيئة وإلغاء المحاصصة السياسية التي رهنت الرابطة و شلت حركتها في العديد من المناسبات

● تحويل الرابطة من منظمة نخبوية إلى منظمة جماهيرية ديمقراطية قادرة على ممارسة الضغط الشعبي لضمان احترام الدستور وبناء مؤسسات تحترم المواطنة وحقوق الإنسان

● تحقيق الاستقلالية المالية و التخلص من ضغوطات الجهات المانحة و ذلك بتوسيع دائرة الإنخراطات ودعم حرية التسيير الذاتي للفروع

● بعث إدارة حديثة و جهاز اعلامي متطور سوف يمكن الرابطة من توسيع دائرة تأثيرها داخليا وخارجيا

● بعث مرصد يشرف عليه ذوي الإختصاص يعنى بانتهاكات حقوق الإنسان محليا و دوليا يعد تقارير دورية تساهم في حفظ الذاكرة وطنيا وعالميا

أي رابطة و رابطيين نريد

ما من شك في أن كل رابطي منخرطا كان او مسؤولا بأحد الهياكل، يؤرقه مصير الرابطة وأداؤها في محيطها الإفريقي والدولي، ويعتبر نفسه معنيا بتجديد أدائها، خاصة وأنها خسرت حيزا كبيرا من مواقعها لفائدة جمعيات و هيئات تقاسمها نفس الأهداف، و تتمتع بإمكانيات مالية كبرى و دعم خارجي من عديد الدوائر الدولية، عليه أن يعمل من موقعه على إثراء النقاش حول هذه القضايا و غيرها ذات .الصلة استعدادا للمؤتمر القادم حتى يكون نقطة تحول نوعية في مصير الرابطة و في تطوير أساليب عملها و الحفاظ على استقلاليتها
الرديف في 21/09/2015
بشير العبيدي
عضو فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمتلوي