في ظل صخب إغتيال جهاز مخابرات دولة الإحتلال للشهيد محمد الزواري ضل الصمت المريب للسبسي أمام هذا الحادث الهام لغزا محيرا. فهذه الجريمة ليست خبرا عاديا تسوقه الجرائد التي لا يقرؤها أحد في خانة صدى المحاكم، و هي ليست واقعة شخصية إجتماعية تهم فقط عائلة الشهيد وأقاربه و من تضامن معهم. إنها جريمة سياسية كاملة نفذت عن طريق  الموساد في عملية إغتيال مواطن تونسي كامل الحقوق. أمام رداءة التعاطي الأمني مع جريمة الإغتيال، أود أن أتطرق أيضا إلى رداءة التعاطي السياسي الذي خلفه صمت الشخصية السياسية الأولى في تونس عن التفاعل مع الحدث السياسي الأهم في ختام هذه السنة.

عبر مقاربة تتخذ كائن “الزومبي” كمجاز سياسي هجائي، ما أود تحليله هنا أن هذا الجمود السياسي ليس ضرفيا فمسيرة السبسي السياسية كانت دوما عنوانا لإنعدام قدرته على القيادة و شاهدة على تجرده من الإرادة السياسية وضيق قدرته الشخصية على التفكير العقلاني. إن الصمت و الجمود سيظلان دوما عنوانا لتجربة هذا الرئيس “الزومبي”.

ليلة الموتى الأحياء

يترادف إستعمال مصطلح “الزومبي” أو ” الكسالى” أو “العائدون” في اللغة العربية للإشارة مجازيا للشخص المجرد من الإرادة و الغير القادر على الوعي الذاتي. فهو جثة متحركة قادرة على الفعل البسيط في نطاق ما يخول لها الجسد المجذوم المهترأ. تصدر أصواتا غير مفهومة بين تارة و أخرى للتعبير عن غريزة الوجود وعن دوام خطرها في صورة عدم الإكتراث بها، ولكن يظل الزومبي صامتا أحيانا أخرى عندما يروم مساحات خالية بعيدة عن الناس. يطلق عليه البعض تعريف ” العائدون” فهم توفوا وأحيوا من جديد فيكتسبوا حضورا مبهما مختلفا. إن الرئيس التونسي المنتخب باجي قائد السبسي هو مثال جيد عن الرئيس الزومبي.
فعلى غرار وصف الزومبي بالعائد في رائعة جورج روميرو ” ليلة الموتى الأحياء“(1968)، فإن السبسي عاد بقوة إلى الساحة السياسية التونسية بعد فترة موت سياسي طويل خلال الفترة الأخيرة من حكم بورقيبة وخاصة خلال حكم الدكتاتور السابق بن علي. السبسي تم احيائه عبر علاقات وقوى خارجية ليأخذ مكانا رئيسيا في لعبة المصالح السياسية وخاصة أمام تنامي خطر الغول النهضاوي.

ركز روميرو في بناء تصوره للزومبي على بطء الحركة و الكسل والفجاجة. على نفس المنوال غلبت على تجربة السبسي السياسية نوع من الكسل الفكري الذي تختلط فيه فجاجة القول بالحذر المبالغ. فكلنا نتذكر رفضه المشاركة في نقاش تلفزي ضد خصمه السياسي انذاك المنصف المرزوقي حيث إزدرأ من سؤال محاوره حول إمكانية حدوث المناظرة التلفزية بوصفها على أنها “نطيح أكباش”. إستعمال هذا التعبير الشعبي السوقي في الإشارة إلى مقوم أساسي من مقومات أي سباق إنتخابي في أي دولة ديمقراطية تحترم نفسها هو لحظة مهمة في فهم الخواء الفكري للرئيس الزومبي.
في إحتقار فكرة النقاش دلالة على ضيق أفق سياسي شبيه بالذي شاهدناه مع شخصيات عرف عنها التصلب السياسي أو الغباء الثقافي كدونالد ترامب أو الجنرال بوتفليقة. رفض السبسي النقاش هو تعبير واضح عن عدم تمكنه من أدوات الخطاب السياسي العقلاني و تشبثه بلغة نمطية فقيرة تجمع بين التخشب اللفظي و المنبرية. بقطع النظر عن طعونه في السن (وهو في حد ذاته أمر ثانوي غير مهم)، فإن الحضور السياسي للسبسي الرئيس هو حضور باهت يغلب عليه إستعمال أدوات تخاطب سياسية قديمة وبالية. من جهة أخرى، نتذكر كذلك ردود الفعل الفجة للسبسي في مخاطبته للصحافيين فتارة يلزم رئيس حزب قاطعه بأن يخاطبه بنبرة حادة ب “تاقف غادي” أو أن يخاطب صحافيا ب-” Foutez nous la paix quand même Merde” أمام الرئيس الفرنسي هولاند. هذه الحوادث لا يمكن التقليل من شأنها على أنها زلات لسان و إنما على العكس هي جزء لا يتجزء من فقر عقلانية الشخص و فجاجة تفكيره.

عودة الموتى الأحياء

تحيلنا ماهية الزومبي في الفيلم الأيقوني لدان أوبانون “عودة الموتى الأحياء”(1985) إلى خاصية أكل الزومبي لأدمغة ضحاياه. صفة الاقتتات من أحلام و أهداف الثورة لدى العائد السبسي غلبت على الواقع السياسي التونسي الحالي. لم يكن أحدا يتوقع عودة هذه الشخصية المنتهية التي تنتمي إلى فكر وتصور سياسي ايديولوجي غابر لا علاقة له بجمهورية ثانية فتية تريد أن تؤسس لفعل سياسي جديد. إن الزومبي العائد سيقتات من أحلام الثورة وأهدافها ليلقيها فيما بعد و يرسخ بدلها الفكر المحافض التعسفي الذي نشأ عليه والذي طبع تصوره الرجعي للحريات و لأدوات للعمل السياسي.
إن ماهية الزومبيين في “عودة الموتى الأحياء” أحدثت صدمة لدى المشاهدين أساسا لأنها كائنات شبه بشرية تتشارك مع البشر في الحركة واللباس و الغريزة فهي ليست مخلوقات فضائية أو من عوالم إفتراضية. نفس الشيء تقريبا عاشه ومازال يعيشه الشباب الحالم بواقع مختلف في تونس فقد إصطدم وصدم بحركة وأد بطيئة لكل أماله الثورية تحت حكومة السبسي الذي انتخب عبثا ليساعد على المضي قدما بتجربة وأهداف الثورة فإذ به يعود مجددا للممارسات التعسفية البوليسية آخرها ما يحصل مع حمادي الخليفي. من جهة أخرى اضفى اوبانون في تصوره لماهية الزومبي عبثية محاولة القضاء عليه بإستعمال النار فهذا سيؤدي إلى نزول أمطار حمضية تساعد موتى أحياء جدد مرة أخرى. عبثية النار (وهي ترمز عادة للمعرفة و التنوير) مهمة في فهم تمادي السبسي وحكومته في جمودها و تأسيسها لعودة الإستبداد من جديد. إن محاولة المقاومة السياسية التي شهدتها فترة مابعد الثورة ضد عودة ازلام الحزب المنحل والذين انخرطوا في حزب نداء تونس بتزكية من الرئيس الحالي لم تؤدي إلى نتائج تذكر و بقيت تلك المقاومة كذلك محاولة عبثية. إن مناعة السبسي ضد النقد الذاتي و والإبتكار الفكري و الممارسة التقدمية جالية للجميع فالرجل ليس لديه مشروع سياسي واضح ولايريد الترشح لفترة رئاسية أخرى ولكنه مصّر في الأن نفسه على تكرار نفس أخطاء الأنظمة الدكتاتورية السابقة بالعودة إلى تكرار محاكمات ردعية وإعتباطية ضد شباب الثورة.

الإستفاقة من الغيبوبة

نوع ثالث من الموتى الأحياء روج له فيلم “بعد 28 يوما”(2002) لداني بويل الذي أضاف الغضب والحنق كخصائص جديدة لدى الزومبين إلى جانب قدرتهم الفائقة على الحركة بشكل سريع فالفيروس المسبب لعملية التحول يتمكن في لحظات من كيان المريض فيجعله عدائيا جدا ليتحول بعدها إلى زومبي متعطش للدماء. المتابع للساحة الإعلامية في تونس يرى أن فترة حكم الرئيس الزومبي أدت إلى إنتشار فيروس الرداءة والجمود الفكري لدى مجموعة كبيرة من خبراء تلفزيين يغلب عليهم التشنج والهستيريا والعداء الشديد لمنظمات المجتمع المدني.

لو افترضنا أن أحدنا أفاق من غيبوبة دامت منذ فترة سيء الذكر بن علي إلى يومنا هذا لأجزم قطعا بأن المشهد السياسي الإعلامي الحالي مازالت تحكمه نفس الجوقة الخاوية التي تروج لنفس الأفكار الجامدة في ما يخص الحريات الشخصية والإجتماعية. الأنكى في هذا كله، وعلى غرار سرعة الغضب الغالبة على الحضور العام للسبسي، فإن معشر الخبراء هذا يغلب عليهم عدم القدرة على النقد الذاتي وتقبل الرأي المخالف رغم إعتباطية تحليلهم للواقع السياسي. فعلى غرار القرار الإعتباطي لحكومة السبسي بإقالة والي صفاقس و مدير الأمن بعد عملية إغتيال الزواري في محاولة لإسكات الشارع التونسي المستنكر، فإن إجماع هذه الفئة من المحللين التلفزيين على محاكمة المغتال سياسيا على أساس انتمائه لحركة حماس دليل ضيق وإعتباطية خلفياتهم الأيديولوجية التي أنكرت عن الزواري صفة الشهيد لتنزله لمرتبة “الإرهابي”. الأمثلة عديدة ولا تحصى وما وصفهم للناشط والروائي حمادي الخليفي ب”الإرهابي” هو الأخر إلا دليل سخطهم على الجميع و تقسيمهم للمجتمع إما لموالين أصدقاء أو أعداء ارهابيين.

إن السبسي كمثال على الرئيس الزومبي ليس حالة فريدة. فمثله مثل بوتفليقة أو موغابي هم كسالى فكريا و جامدين سياسيا ولكن خطرهم الأساسي يكمن في الحاشية السياسية التي تتكاثر من حولهم والتي تحول دون التوصل إلى لقاح يداوي العلة أو العلل السياسية المتفاقمة. فتصبح حينها أدوات الإستبداد كعودة القمع السياسي البوليسي و تفاقم الفساد والركود الإجتماعي والإقتصادي أمرا عاديا و مقبولا إجتماعيا من جديد. في الأثناء، وفي غياب اللقاح، فإني أظل متشائما بأن عدوى الموتى الأحياء ستتفاقم و أن حلم الثورة سينطفئ تدريجيا. فبعد رحيل الزومبي الأكبر سيأتي زومبيون جدد أكثر حنقا و أكثر جمودا.