أصدرت وزارة الداخلية في فيفري 2017 النسخة الأخيرة لمشروع مجلّة الجماعات المحليّة. إلاّ أنّ هذه النسخة التي كان من المتوقّع إيداعها لدى مجلس نوّاب الشعب في 15 مارس 2017 لم تغادر أروقة الوزارات. وزارة المالية متحفّظة على أقسام من المجلّة، خاصّة الباب المتعلّق بالنظام المالي للجماعات المحليّة. غير أنّ هذا التحفّظ لا يقف عند حدود المطالبة بتنقيح بعض فصول المجلّة وإنّما تحوّل إلى تعطيل غير معلن لمسار اللامركزية الذي يقرّه الباب السابع من الدستور ومن المفروض أن تفعّله المجلّة وتطالب به منظّمات المجتمع المدني مؤكّدة على ضرورة القطع مع قانون 75.

“يهدف هذا القانون إلى ضبط القواعد المتعلقة بتنظيم هياكل السلطة المحلية وصلاحياتها وطرق تسييرها بما يحقق اللامركزية والديمقراطية المحلية في إطار وحدة الدولة.” الفصل الأوّل من مشروع مجلّة الجماعات المحليّة

يتضمّن مشروع مجلّة الجماعات المحليّة ثلاث قوانين أساسية: قانون إطار لللامركزية، والقانون الأساسي للجماعات المحلية والقانون الأساسي للميزانية. وتشمل 386 فصل مقسّمة على 7 أبواب. وقد أصدرت وزارة الداخلية النسخة الأولى من مشروع هذا القانون في أكتوبر 2015، تمّ عرضها على الاستشارة العمومية بين 10 و24 نوفمبر 2015. وعرفت المجلّة تطوّرا بعد عدد من المراجعات وأصدرت النسخة الأخيرة منها في فيفري 2017. أقرّت المجلّة جملة من المبادئ منها مبدأ التدبير الحرّ، الاستقلالية المالية والإدارية، التضامن والتعديل، التعاون اللامركزي، التفريع، الرقابة اللاحقة وحذف كل أنواع الرقابة السابقة. هذا وتلغي مباشرة العمل بالإطار القانوني السابق ويشمل: القانون عدد 33 لسنة 1975 المتعلّق بالبلديات، والقانون عدد 35 لسنة 1975 المتعلق بالقانون الأساسي لميزانية الجماعات المحلية، والقانون عدد 36 لسنة 1975 المتعلق بضبط المال المشترك للجماعات المحلية، والقانون عدد 11 لسنة 1989 المتعلّق بالمجالس الجهوية، والقانون عدد 87 لسنة 1994 المتعلق بإحداث مجالس محلية للتنمية.

تحفّظات وزارة المالية والرجوع إلى الوراء

عبّر رئيس وحدة المالية المحلية لدى وزارة المالية السيّد لزهر مازيغ في حديث أجراه مع نواة أنّ “المجلّة غير جاهزة لإيداعها لدى مجلس نوّاب الشعب، ونحن من جانبنا كنّا قد نظرنا مؤخّرا في النسخة الأخيرة للمجلّة وشدّدنا على بعض التنقيحات التي سيتمّ النظر فيها قبل عرضها على المشرّع”، ثمّ أضاف “ليس لدى وزارة المالية أي نيّة لمعارضة مشروع القانون عكس ما يروّج له، إلاّ أنّه كان من الأجدر تشريك المعنيين المباشرين بإرساء اللامركزية ولنا دور أساسي في الموضوع”. وواصل موضّحا: “المجلّة كانت انفعالية، ربّما كان من الأجدر العمل على قانون وقتي مثلا قانون توجيه اللامركزية” وأشار إلى أنّ اللامركزية تشترط إعادة توزيع الصلاحيات، ولا يجب افتكاك هذه الصلاحيات فلا تكون بذلك عمليّة أخذ القرار أحادية الجانب، وأكّد قائلا: “وجب فتح النقاش، وعلى هذا النقاش أن يكون جادا وطويلا”.

الحديث عن موارد ذاتية للبلديات سابق لأوانه، فمازالت الهياكل المحلية بحاجة إلى مرافقة الدولة وغدا ستطلب البلديات المساعدة، فالدولة وحدها القادرة اليوم على الاستثمار والتنمية.

وفي مقابلة صريحة بين المركزية واللامركزية قال “لم نقم بإصلاح المركز”، ما اعتبره خطأ منهجيا كبيرا أدّى إلى الضبابية حسب قوله، “نحن بحاجة إلى استكمال هياكل الدولة واستقرار النظام السياسي قبل كلّ شيء”، وبأكثر دقّة اعتبر محدّثنا أنّ مشروع مجلّة الجماعات المحليّة لا يحلّ جميع الاشكاليات على مستوى التقسيم، الصلاحيات والتمويل. فقد أقرّ كلّ من الدستور والمجلّة مبدأ التدبير الحرّ ولا تبدّد المجلّة كلّ العقبات، فتتمثّل هذه العقبات في نقطتان الأولى تتعلّق بالتمويل ونقل الصلاحيات والثانية بإحداث الهيئة العليا للمالية المحليّة.

“ليس هناك سلطة محليّة”، هذا ما استغربه الأزهر مازيغ، معتبرا أنّ الدستور كان طموحا في إقرار السلطة المحلية “طالما ليس لها صلاحيات جبائية”. وأضاف “يمكن تصوّر اللامركزية لكن ليس هذا هو واقع الحال، فالعقدة في التمويل، حيث أنّ السلطة المركزية هي من سيموّل السلطة المحلية” متسائلا كيف ستُموّل اللامركزية، مع غياب رؤية متجانسة بين جميع الأطراف. هذا ويستند الإطار القانوني الجديد للبلديات إلى الدستور في بابه السابع الذي نصّ على التعديل والموازنة بين نقل الصلاحيات والموارد، حيث ينصّ الفصل 135: “كلّ إحداث لصلاحيات أو نقل لها من السلطة اللامركزية إلى الجماعات المحليّة يكون مقترنا بما يناسبه من موارد”. وينصّ مشروع المجلّة في نسخته الأخيرة على آليات لدعم الموارد الذاتية للبلديات ليكون لها النصيب الأوفر ضمن موارد الميزانية. فموارد البلديات كان النصيب الأوفر منها موارد محالة من الدولة تشمل مناب المال المشترك، موارد الاستثمار والدعم الموظّف مقابل موارد ذاتية ضعيفة لضعف الموارد الجبائية نظرا لضعف نسبة الاستخلاص التي لا تتجاوز 11 %، والموارد غير الجبائية نظرا لضعف الرصيد العقاري في عدد هامّ من البلديات. ويكفل الإطار القانوني الجديد للبلدية تعزيز مواردها المحالة من جهة ومواردها الذاتية من جهة أخرى من خلال دعم الاستخلاص، ووضع هامش من التصرّف في المعاليم ودعم الرصيد العقاري كما فرض على الدولة تحويل نسبة من الضرائب مخصّصا ماهي هذه الضرائب بالتحديد.

تلتزم الدولة بتحويل محصول الضرائب الموظّفة على انتقال ملكية العقارات لفائدة البلديات الكائنة بدائرتها وجزء من محصول ضرائب أخرى لفائدة مختلف الجماعات المحلية على غرار الأداء على القيمة المضافة ومعاليم التسجيل والجولان والقيمة العقارية الزائدة وفقا لما يضبطه القانون الأساسي للميزانية وقوانين المالية. الفصل 124 من مشروع المجلّة

لكن رئيس وحدة المالية المحلية التابعة لوزارة المالية اعتبر أنّ النصّ القانوني الجديد لم يستند إلى نماذج مقنعة أو تجارب مقارنة في الغرض ما جعله يبدو مسقطا وأشار “يمكن لوزارة المالية أن تكفل حريّة التدبير، لكنها بشكل أوسع مؤتمنة على التوازن العامّ للميزانية. ونحن نمرّ بأزمة اقتصادية، ولذلك لسنا بحاجة لتفكيك قوّة الدولة المالية”. وواصل أنّ “الحديث عن موارد ذاتية للبلديات سابق لأوانه، فمازالت الهياكل المحلية بحاجة إلى مرافقة الدولة وغدا ستطلب البلديات المساعدة”. كما يبدي قلقه فيما يخصّ قدرة البلديات على التنمية، “فالدولة وحدها القادرة اليوم على الاستثمار والتنمية”.

حدّدت المجلّة في القسم العاشر من الباب الأوّل وإلى جانب المجلس الأعلى للجماعات المحليّة، الهيئة العليا للمالية المحليّة وأعطتها سلطة تقريرية في مجال المالية المحليّة (الفصل 54)، إلاّ أنّ رئيس وحدة المالية المحليّة، الأزهر مازيغ يتساءل: “لماذا يتمّ إحداث هيئة جديدة؟” مجيبا، “هذا هيكل غير واضح، ثمّ غير دستوري ويتطلّب أعباء إضافية على الدولة، خاصّة وأنّ الدستور ينصّ وضوحا في الفصل 141 على المجلس الأعلى كهيكل تمثيلي للجماعات المحليّة ويوكل له “النظر في المسائل المتعلّقة بالتنمية والتوازن بين الجهات وإبداء الرأي في المسائل المتعلّقة بالتخطيط والميزانية والمالية المحليّة”.

ضغط المجتمع المدني

هذا واستنكرت عديد منظّمات المجتمع المدني التعطيل الذي تشهده المجلّة معارضين بشدّة كلّ محاولات الرجوع إلى الوراء، باعتبار أنّ عدم المصادقة على مجلّة الجماعات المحليّة ودخولها حيّز التنفيذ مع المجالس البلدية المنتخبة يعني إبقاء العمل على قانون 75 الذي ينصّ عليه الفصل 173 مكرّر من القانون المتعلّق بالانتخابات والاستفتاء.

تحذير المجتمع المدني جاء اثر تململ في صفوف بعض المكوّنات الأخرى أحزاب ومنظّمات والتي عبّرت في سياقات متفرّقة عن عدم ربط المسار الانتخابي بمسار اللامركزية. فقد عبّر شفيق صرصار، رئيس الهيئة العليا المستقلةّ للانتخابات اعتراضه على التعلّل بالمجلّة لتأخير الانتخابات، مصرّحا أنّ المجلّة لن تدخل حيّز التنفيذ مباشرة اثر الانتخابات حتى في صورة المصادقة عليها من قبل المجلس نوّاب الشعب متحجّجا بالتأخير في إصدار الأوامر التطبيقية للمجلّة، وعدم إحداث صندوق دعم اللامركزية والتسوية والتعديل والتضامن والمجلس الأعلى للجماعات المحلية كذلك.

وفي نفس السياق، اقترح رفيق الحلواني، المنسّق العامّ لشبكة مراقبون، عدم عرض مشروع المجلّة كاملا على مجلس النوّاب الشعب والاقتصار على الفصول المتعلّقة بالبلديات وذلك للالتزام بإجراء الانتخابات البلدية في موعدها، مصرّحا أنّ المجلس “بقي 6 أشهر للانتهاء من فصل واحد المتعلّق بتصويت الأمنيين في القانون الانتخابي” وصعوبة مشروع القانون الذي اعتبره “الأصعب بعد الدستور” لما يثيره من خلاف.

شدّدت كلّ من منظّمة البوصلة وعتيد وكلّنا تونس والجمعية التونسية للحوكمة المحليّة في بلاغ جماعي نشر يوم الاثنين 10 أفريل على حتمية المصادقة على المجلّة في كلّيتها قبل إجراء الانتخابات وعدم الاقتصار على القانون الانتخابي معتبرين أنّها “القانون الوحيد المحدّد لماهية الجماعات المحلية واختصاصاتها وصلاحيتها وتكوين مجالسها وتحديد مواردها وكيفية مراقبتها وآليات مراقبتها وفض نزاعاتها”. كما قدّمت هذه المنظّمات في ندوة صحفية يوم الخميس 13 أفريل خطّة لمناقشة مشروع المجلّة صلب مجلس نوّاب الشعب. واقترحت المنظّمات المبادرة تقسيم العمل بين اللجنة المختصّة وكلّ من لجنة التشريع العامّ، والمالية والتخطيط، والحقوق والحريات، والنظام الداخلي، والصناعة والتنمية الجهوية وبالتالي الانتهاء من مناقشة جميع فصولها قبل موعد الانتخابات. وفي الأثناء، لا يحرّك المشرّع ساكنا للمطالبة بإيداع مشروع القانون.

مسار مجلّة الجماعات المحليّة

  • 2015
  • أكتوبر 2015

    أصدرت وزارة الداخلية نسخة 1 من مشروع مجلّة الجماعات المحليّة.
  • من 10 إلى 24 نوفمبر 2015

    نظّمت الإدارة العامّة للجماعات المحليّة 5 استشارات إقليمية بمشاركة إداريين وبلديات وخبراء ومواطنين عرضت خلالها المجلّة في نسختها الأولى على العموم.
  • 2016
  • مارس 2016

    أصدرت وزارة الداخلية نسخة جديدة بعد الاستشارة الوطنية.
  • جوان 2016

    أصدرت وزارة الداخلية نسخة أخرى بعد تشريك المجتمع المدني والأخذ بتوصيات المهتمين بمسار اللامركزية.
  • نوفمبر 2016

    أصدرت وزارة الداخلية نسخة 4 من مشروع مجلّة الجماعات المحليّة.
  • 2017
  • فيفري 2017

    أصدرت وزارة الداخلية نسخة 5 والأخيرة لمشروع المجلّة قبل إيداعها لدى مجلس نوّاب الشعب.
  • مارس 2017

    عرض وتداول مشروع مجلّة الجماعات المحليّة في نسختها الأخيرة في المجلس الوزاري قبل تمريرها للمجلس.
  • 15 مارس 2017

    تاريخ إيداع مشروع المجلّة في نسخته الأخيرة والتي تتضمّن 386 فصل مقسّمة على 7 أبواب لدى مجلس نوّاب الشعب من طرف جهة المبادرة وهي وزارة الشؤون المحليّة والبيئة.
  • 3 أفريل 2017

    الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات تحدّد موعدا نهائيا للانتخابات البلدية في 17 ديسمبر 2017 وانطلاق السباق الانتخابي بمعزل عن مسار اللامركزية الذي بقي معطّلا على مستوى الحكومة ولم يتمّ إيداع مشروع القانون الأساسي الذي سينظّم عمل المجالس البلدية المنتخبة وفق مبادئ دستور جانفي 2014.