تنشأ الأزمة حين يموت القديم ويستعصي الجديد على الولادة أنطونيو غرامشي

بهذه الكلمات يصف المفكّر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي ما يعرف ”بالمفاصل الفارغة للتاريخ“، حيث تعجز البنى التقليديّة للسيطرة والتوجيه عن استيعاب التغييرات الاجتماعية والثقافية والاقتصاديّة لتبدأ المجتمعات مرحلة خلق آليات حراكها والتعبيرات الخاصّة بحاجياتها وتطلّعاتها وفق بنى وخطابات جديدة.

بغضّ النظر عن المصطلح، بين تبنّي الانتفاضة أو الثورة أو المسار الثوري وغيرها من الجدالات التي ما تزال تحاول تصنيف الأحداث في تونس وفق رؤى محدّدة معزولة في الكثير منها عن باقي العناصر التاريخيّة والمحليّة والإقليميّة للصورة، أثبتت الأحداث في تونس بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، أنّ الدولة ”اليعقوبيّة“ التّي شكّلتها منظومة الحكم في تونس منذ إعلان الجمهورية جويلية في 1957، بلغت منتهاها في القدرة على السيطرة والتسيير. القبضة التي تقمع والعقل الذي يوجّه والهيكل الحزبي الذّي يرصد ويحشد لم يستطع في نهاية المطاف أن يمنع موجة الغضب التّي بدأت نذرها سنوات قبل مغادرة زين العابدين بن علي البلاد مساء 14 جانفي 2011.

ما بعد 14 جانفي 2011: قواعد جديدة لإحكام السيطرة

  • موسم الجني قبل أوانه

الرجّة التي أصابت البلاد خلال تلك الفترة، خلقت أمام المنظومة القائمة ببعدها الأمني والسياسيّ، وتقاطعات المستفيدين منها ببعديها الاجتماعي والاقتصاديّ حاجة ملحّة لإيجاد قواعد جديدة للسيطرة وفاعلين جددا قادرين على ضبط الطموحات الكبرى التي أطلق لها العنان مشهد تهاوي هيبة وزارة الداخليّة أمام جحافل المحتجّين، واحراق مراكز الأمن ومقرّات التجمّع.

البداية كانت في 15 مارس 2011، عندما تشكّلت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي برئاسة عياض بن عاشور لتضمّ12 حزبا سياسيا و19 نقابة ومنظمة من منظمات وجمعيات المجتمع المدني وقطاع الأعمال وعشرات الشخصيات السياسيّة والأساتذة والمعارضين المستقلين وممثّلين عن الجهات وعائلات الشهداء، لتتمخّض أعمال هذه الهيئة التي دامت ثمانية أشهر عن المصادقة على قانون الانتخابات وتكوين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. هذا الوعاء الجديد للحراك الثوري إن صحّ التعبير، بتلك الفسيفساء والتناقضات الرهيبة بين مكوّناتها، بدت أوّل خطوة نحو إعلان انتهاء العمل الثوري والهرولة لقطف ثمار ثورة لم تنضج بعد.

  • صراع القباب ومنظومة الكواليس

انتخابات 23 أكتوبر 2011، التي أفرزت المجلس الوطني التأسيسي المُكلّف بكتابة دستور البلاد الجديد، رسم بعناية أطر الحراك السياسيّ المستقبلي ضمن منظومة جديدة قائمة على تقاسم السلط بين القباب الثلاث (قرطاج –القصبة – باردو) وحدّدت المجال المسموح والمُعترف به لقوى المعارضة كما ينصّ عليه الفصل 60 من الدستور الجديد:

المعارضة مكوّن أساسي في مجلس نواب الشعب، لها حقوقها التي تمكنها من النهوض بمهامها في العمل النيابي وتضمن لها تمثيلية مناسبة وفاعلة في كل هياكل المجلس وأنشطته الداخلية والخارجية…

نصّ رَسَم حدود النشاط السياسي للأحزاب المعارضة للحكومات، وحصرها ضمن العمل النيابي والأطر ”الديمقراطية“ التي حدّدتها الأحزاب. لكن الاتفاق غير المكتوب، تضمّن إفساح المجال لهوامش للحركة والتفاوض في الكواليس والغرفة السوداء للتوافقات (كما تُسمّى في البرلمان البريطاني) .عُرف سارت عليه القوى السياسيّة لاحقا في أزمات عديدة بدءا من الحوار الوطني الذّي أزاح الترويكا الحاكمة وجاء بمهدي جمعة رئيسا للحكومة، لتتمّ التسميات اللاحقة لرأس الجهاز التنفيذي حتّى بعد الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة سنة 2014 وفق هذه الآلية، انتهاء باتفاق قرطاج والتحوير الوزاري الأخير في حكومة يوسف الشاهد.

  • سياسة عدم التسييس والترهيب الإقتصادي

كان تفريغ شحنة ”التسيّس“ المفرطة التي اعترت الشارع التونسي بعد جانفي 2011، أحد اهمّ مرتكزات المشهد السياسي المنشود. نقطة البداية، كانت فسح المجال أمام طفرة إعلاميّة على الصعيدين الكميّ والنوعيّ. فبعد عقود من الكبت والقمع ومصادرة الحريّات، شهدت الساحة الإعلامية تسابقا محموما نحو بعث التلفزات والإذاعات والصحف الورقيّة والمواقع الإخبارية الالكترونيّة. كذلك كان الحال بالنسبة للساحة السياسيّة التي شهدت تأسيس ما يزيد عن 112 حزبا من مختلف المشارب والاتجاهات الفكريّة.

هذا الثراء الهائل كان من المفروض أن يركّز جهوده على تحقيق المطالب الأساسيّة الكبرى التي رُفعت منذ 17 ديسمبر، ولكن ما حدث كان مغايرا تماما، خصوصا بعد اعتصام القصبة 2، حيث بدأت القضايا الرئيسيّة التي طُرحت للنقاش تخبو شيئا فشيئا أمام قضايا جديدة وشطحات تصدّرت المشهد الإعلامي واستأثرت باهتمام النّاس بعد تغييب أسماءٍ بعينها. تتالى الأيام وتغيب عن الصورة شيئا فشيئا حقوق الجرحى والشهداء، يخرج رجال النظام السابق تباعا من سجونهم المريحة، تُغسل الذاكرة الجماعيّة من صور الأسابيع الثلاثة السابقة لهروب بن عليّ، تُشوّه صورة البوعزيزي لتصل حدّ التحقير، تفقد الثورة رمزيّتها، وفي المقابل تختلق قضايا جديدة يزدحم بها المشهد العام، فتصبح تصريحات نكرات حول المطالبة بتعدّد الزوجات، أو إباحة الزواج بقاصر أو مسألة النقاب وعنتريات بعض أعضاء المجلس التأسيسي ومجلس النوّاب وشطحات السياسيّين وغيرها من المشاكل الوهميّة محور اهتمام وسائل الإعلام. يُحاكم شباب الثورة ويعتقل آخرون، ويذوب الخبر أمام زيارة رئيس الحكومة لبيت العجّز أو وجبة لحم مشويّ مع سفير ألمانيا في تونس أو حرب هشّة على الفساد.

بالتزامن مع سحابة الدخان هذه، أُخرجت ورقة الترهيب الإقتصاديّ، فالجوع، دواءه الإرهاب، ليس الإرهاب بمعناه المتداول وبعنفه الماديّ، بل ترهيب وهرسلة نفسيّة ما يزال يخضع لها الشعب التونسيّ منذ سنة 2011. حملة ارتكّزت على الارتدادات السلبيّة لانتفاضته ضدّ حكم بن عليّ من هروب للمستثمرين وتعطّل الإنتاج في أكثر من قطاع حيويّ وتسبّب الإضرابات والحراك الإجتماعي في تدهور الوضع الإقتصاديّ، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة التضخّم وغلاء المعيشة، في مقاربة غريبة تربط الاستقرار بالقمع والذلّ برغد العيش.

تكتيك ”توريط الجميع وجرّ كلّ الايادي إلى العجين“ حسب تعبير الرئيس الباجي قائد السبسي، لم ينجح في احتواء الاحتقان الاجتماعي وتهدئة الشارع. إذ أثبتت الاحداث المتلاحقة أنّ النصّ الدستوري لم يكن يوما محدّدا لإيقاع الحياة السياسية في تونس، فالسياقات وإرث الماضي، وطبيعة التحالفات بين الأحزاب والتموقعات المختلفة، خلقت دائما حراكا موازيا وفتحت الساحة للاعبين جددا كسروا الإطار الكلاسيكي للحياة السياسية في تمظهرات أكثر مباشرة وعنفا وارباكا للسلطة.

17 ديسمبر: عنوان الصراع بين من صنعوها ومن صنعتهم

  • الشارع والقاعة: خطوط التماس الضعيفة

بدأ بملحق المقرّ القديم لبنك الإسكان الذي إحتضن الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، انتهاء بالقاعة الرئيسيّة لمجلس نوّاب الشعب، حاولت المنظومة ”التوافقيّة“ الجديدة رسم الإطار الصارم للعمل السياسيّ في تونس ما بعد درس 14 جانفي 2011. هذا المسار المسيّج بعناية للأحزاب والمنظّمات المدنية لضبط الحركة والأفكار، تحت حماية ترسانة قانونية جديدة معنونة بإسم الشرعية الديمقراطيّة، لم تتمكّن بتعاقب التجارب أن تمنع ”الانحرافات“ من وجهة نظرها مع أوّل اختبار حقيقيّ فيما يُعرف بأحداث الرشّ في سليانة في نوفمبر 2012.

تتالى حالات الانفلات في الكاف، الصخيرة، الفوّار، المكناسي، جمنة، قرقنة، الكامور، مدنين وعشرات المدن والقرى التونسيّة وأخيرا حملة ”مانيش مسامح“ لتكسر المربّع المرسوم بعناية للصراع السياسيّ والإجتماعي في البلاد. تحت عناوين مختلفة، بين العطش أو المطالبة بالتنمية أو الاحتجاج على العنف البوليسيّ ورفض مشاريع قوانين لإعادة رسكلة الماضي والإفلات النهائي من ارتدادات التغيير السياسيّ في سنة 2011، انتفض المواطنون بتعبيرات تراوحت بين الاعتصامات السلمية والمواجهات العنيفة مع قوات الأمن، لتراوغ حسابات السياسيّين وتحطّم الآليات التقليديّة للحراك الشعبي المرتبط بالأوامر والتوجيهات الحزبيّة. في المقابل، وجدت أحزاب المعارضة نفسها تهرول للاصطفاف ومحاولة خلق تماس مع الشارع الذّي راح يرسم خياراته وشعاراته ومطالبه بأسماء محليّة جديدة وديناميكيّة مغايرة لما اعتادت عليه الهياكل القديمة للعمل السياسيّ التي انخرطت بشكل شبه كامل داخل سياج منظومة الانتقال الديمقراطي.

من وراء قضبان أبواب مجلس النوّاب، أو عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر البيانات والمداخلات ”الناريّة“ من تحت قبّة قصر باردو، راحت الكتل المعارضة التي راهنت بكلّ أوراقها على المسار الجديد، تراقب وتحاول اللحاق بشارع أيقن افلاس المنظومة الراهنة بعد سبع سنوات من الانتظار وحملتين انتخابيتين لم تقدّم لهم سوى الوعود. هذه المشاهد أثبتت بلا ريب أنّ الفرز بلغ منتهاه بين من حملوا وصنعوا 17 ديسمبر بشعاراته وسقف مطالبه وخيباته وبين من صَنَعهم وحملهم إلى مواقع لحراسة منظومة تجدّد هياكلها.

  • غول بلا رأس؟

بعد خبوّ موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا فيما يُعرف بانتفاضة الطلبة في ماي 1968، كتب المفكّر الفرنسي روجيه غارودي يصف ما آلت إليه الأمور بعد سيطرة السلطة على الشارع من جديد قائلا:

كانت انتفاضة الطلبة التي التحقت بها أغلب الفئات التي أنهكتها منظومة ما بعد الحرب العالميّة غولا بلا رأس ومن هنا كان من السهل اقتياد هذا الغول الأعمى حيث أرادت السلطة.

تجربة ماي 1968، وان اختلفت الشروط والمطالب والظرفية التاريخيّة والسياسيّة، فهي تلقي بضلالها في كلّ مناسبة على التجربة التونسيّة مع كلّ إحباط يعقب حراكا اجتماعيا أو احتجاجيا يبلغ منتهاه قبل تحقيق مطالبه أو الجنوح إلى ابتلاع جرعة التسويف التي تلجأ إليها السلطة في كلّ محطّة. وتطرح هذه ”الخيبات“ المتكرّرة سؤالا ملحّا حول مستقبل الحراك الشعبي إن صحّ التعبير ومآله مع اتقان الطرف المقابل لعبة المماطلة والاستنزاف والمراهنة على الوقت.

التأمّل في مسارات الانتفاضات التي شهدتها معظم ولايات البلاد خلال السنوات الستّ الفارطة، يكشف آليات الحراك وخطابه واستراتيجيّة السلطة في التعامل معه. من سليانة سنة 2012، مرورا بقرقنة والكامور وجمنة وأخيرا حملة ”مانيش مسامح“، غاب الرأس عن هذه التحرّكات، ولا يُقصد بالرأس هنا المفهوم التقليدي للقيادة أو التوجيه أو القطب الواحد للتفكير والمناورة، بل البصيرة والعقل السياسيّ والقدرة على ردّ الفعل والاجابة على تحرّكات السلطة.

إنّ تشظّي الحراك الاحتجاجي والاجتماعي واكتفائه في حالات عديدة بسقف مطلبي ضيّق أو انكفائه على قواعد جهويّة أو قطاعيّة بعينها، أفقده الكثير من هامش المناورة والتفاوض والاسناد الشعبي. ف17 ديسمبر لم تكن لتكتسح أكثر من 20 ولاية لو اقتصر المتظاهرون الأوائل في سيدي بوزيد على مطالب محدّدة ذات طابع جهويّ أو عائليّ بحت. من هنا تكتسب السلطة القدرة على تحديد معاركها وعزل المربّعات الاحتجاجيّة وإضعاف قدرتها على مقاومة عروضها التي ترتكز في الأغلب على الوعود وإخراج الأصوات العالية من حلبة الصراع.

رغم سوداوية المشهد، فإنّ هذه الحركة الغضّة التي ما تزال تحاول اكتشاف مكامن قوّتها وتشكيل عقلها وبصيرتها الخاصّة، استطاعت رغم ضراوة المواجهة والحصار الإعلاميّ الرسمي ومحاولات التدجين من أحزاب السلطة والمعارضة على حدّة سواء، أن تكسر الطوق الرئيسيّ والمسلك الإجباريّ الذّي رسمه الآخرون للحراك الاجتماعيّ والاحتجاجيّ. والأهمّ تبرهن ”شظايا“ 17 ديسمبر أنّها ما تزال قادرة على إيلام السلطة وأنّ إمكانيّة لملمة الصفوف ما تزال ماثلة وممكنة.


تم دعم هذه الفيديو من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ من خلال الدعم المقدم لها من وزارة التعاون الاقتصادي و التنمية الألمانية.
إن محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية جمعية نواة ولا يعبر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.