صورة: كالوم فرنسيس هوغ

نشاهد في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام ومضة إشهارية طريفة تتطرق للتعديل الحاصل في مجلة الإجراءات الجزائية بطريقة خفيفة الظل وهي تندرج ضمن حملة تقوم بها منظمة محامين بلا حدود بالشراكة مع الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، وتهدف الومضة إلى توعية كل شرائح الشعب بفحوى القانون عدد 5 لسنة 2016 المؤرخ في 16 فيفري 2016 والذي يعدّل مجلة الإجراءات الجزائية لتضمن عدة حقوق أساسية للمواطن المحتفظ به من قبل السلط الأمنية بكل أسلاكها في مرحلة البحث الأولي. تنبع دوافع الحملة من معاينة ميدانية يومية للناشطين في مجال حقوق الإنسان وللمحامين بأن بعض أعوان الأمن يتعمّدون خرق هذه الحقوق وتجاهلها، إضافة إلى أن أغلب المواطنين لا يعلمون أن لديهم حقوق مضمونة قانونيا كالحق في محامي والحق في إعلام أقارب المحتفظ به والحق في العرض على الفحص الطبي، كذلك لا يدركون أن عدم رضوخ الأعوان لهذه الحقوق ينتج عنه بطلان كل إجراءات البحث معهم.

لكن مجلة الإجراءات الجزائية ليست النص القانوني الوحيد الذي يحمي حقوق المحتفظ به، إذ يرتقي هذا الحق ليكون تكريسا دستوريا واضحا، حيث ينص الفصل 29 من دستور 2014 “لا يمكن إيقاف شخص أو الاحتفاظ به إلا في حالة التلبس أو بقرار قضائي، و يُعلم فورا بحقوقه وبالتهمة المنسوبة إليه. و له أن ينيب محاميا. وتحدد مدة الإيقاف والاحتفاظ بقانون “. ونجد مثيل هذا الفصل بصياغة مختلفة وأكثر عمومية في الفصل 12 من دستور 1959. تضرب هذه النصوص طوقا على السلطة التنفيذية بخصوص تعامل باحث البداية مع المحتفظ به. لكن رغم كل هذه الضمانات وغيرها تبقى الممارسات اليومية الأمنية إزاء أغلب المواطنين المحتفظ بهم لا تمت لحقوق الإنسان بصلة، هذا بالطبع إذا كان الاحتفاظ بقرار قضائي في بادئ الأمر حيث أنه في أغلب الحالات يتحصل الأمنيون على إذن بالاحتفاظ بعد إيقاف المحتفظ به بشكل فعلي ، ناهيك عن ممارسات الاعتداء بالعنف دون مبرر أو بغرض اقتلاع اعتراف أو شهادة ما.

هذه الممارسات التي تخرق حقوق الأفراد وحرمة الجسد بشكل صارخ، تدينها كل النصوص القانونية وفي مقدمتها المجلة الجزائية، ويُبَرَّر أغلبها من قبل الأمنيين بضرورات البحث الأمني. تمثل هذه الممارسات تجاوزا لسلطة الموظفين، حيث ينص الفصل 101 من المجلة الجزائية في هذا الغرض  “يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام و بخطية قدرها مائة وعشرون دينار الموظف العمومي  أو شبهه الذي يرتكب بنفسه أو بواسطة الاعتداء بالعنف دون موجب على الناس حال مباشرته لوظيفته أو بمناسبة مباشرتها”. يحدد هذا الفصل معيارين واضحين لتجريم ممارسة العنف من قبل موظف عمومي واعتباره تجاوزا لحد السلطة ليخرج عن ما يبيحه الفصل 42 من المجلة الجزائية “لا عقاب على من ارتكب فعلا بمقتضى نص قانوني او إذن من السلطة التي لها النظر” الذي يعتبر أي فعل بما فيه استعمال العنف بكل درجاته وإن نتج عنه الوفاة فعلا مبررا إن كان تطبيقا لنص قانوني أو خضوعا لأمر السلطة التي لها النظر والتي عادة ما تكون رئيس الموظف العمومي  و نظرا للطبيعة الشبه عسكرية لبعض الأسلاك تنتقل المسؤولية الجزائية في هذه الحالة الى الرئيس المباشر أو السلطة التي أمرت بممارسة الفعل. يتمثل المعياران المشار إليهما سابقا في:

أولا، أن لا يكون العنف  دفاعا عن نفس أو عن الأقارب كما حددهم الفصل 39 من المجلة الجزائية  و هم الفروع و الأصول و الاخوة و الأخوات  و كذلك الزوج و الزوجة، إن كان دفاعا عن غير الأقارب للقاضي أن يجتهد في تحديد مقدار المسؤولية المحمولة على هذا الموظف،

ثانيا، أن يمارس الموظف العنف حال مباشرته لوظيفته أو بمناسبة مباشرتها  ويطرح هذا ظرف استغلال هذا الموظف لصفته ووظيفته وما يتبعها من حماية قانونية ومادية لشخصه وصفته، فهو في ذلك الوقت بالذات ممثل للدولة أو هيبتها.

أما استعمال العنف كوسيلة ضغط لاستخراج معلومات أو اعترافات من مشتبه فيه أو شاهد أو خبير فقد أدانه المشرع الجزائي في الفصل 103 المنقح بمقتضى المرسوم عدد 106 لسنة 2011 المؤرخ في 22 أكتوبر 2011 و الذي ينص “يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام و بخطية قدرها خمسة آلاف دينار الموظف العمومي أو شبهه الذي يعتدي على حرية غيره الذاتية دون موجب قانوني أو يباشر بنفسه أو بواسطة غيره سوء معاملة ضد متهم أو شاهد أو خبير بسبب إدلائه بتصريح أو للحصول منه على إقرار أو تصريح”. و قد أثار المشرع عبر ذكره لعبارة “سوء المعاملة” دون أن نجد لها تعريفا تشريعيا واضحا عديد التساؤلات التي كانت في محلها، حيث أن تعريف المعاملة السيئة حسب تعريف المعاملة الجيدة كان غير ممكن لسبب بسيط وبديهي، وهو وجود معاملة عادية دون أن ترتقي لتكون جيدة أو تسقط في رقعة المعاملة السيئة.

كذلك طُرِح إشكال آخر وهو الفرق بين سوء المعاملة والتعذيب كما عرّفه الفصل 101 مكرر المُنقّح بمقتضى المرسوم عدد 106 لسنة 2011، وينبغي الإشارة إلى أنه قد  طرح نفس الإشكال على مستوى القانون الدولي، في هذا السياق كتبت ميرفت رشماوي، مستشارة متخصصة في حقوق الإنسان في البلدان العربية لمنظمة العفو الدولية “يحاجج المقرر الخاص المعني بمسألة التعذيب بالقول أن عجز الضحية في حالة معينة، هو الذي يجعلها شديدة التأثر بأي شكل من أشكال الضغط الجسدي أو العقلي، و التعذيب الذي يجسد أخطر شكل من أشكال الإخلال بحق الفرد في سلامة شخصه وفي الكرامة يفترض حالة تكون فيها الضحية عاجزة أي تحت السيطرة الكاملة لشخص آخر…وأحد أوجه الاختلاف الرئيسية للتمييز بين التعذيب وغير ذلك من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة تكمن في مسألة عجز الضحية…”.

أما على مستوى التشريع التونسي -وعملا بالفصلين 532 و533 من مجلة الالتزامات والعقود- ونظرا لأن العبارة مطلقة أريد بها الإطلاق، حيث تبيّن أن مراد المشرّع من هذه العبارة أن تكون شمولية فأصبح مفهومها واسع، ويبدأ من منع العلاج عن المصاب أو المريض الأمر الذي تم اعتباره من أوجه سوء المعاملة من قبل فقه القضاء التونسي، وكذلك منع الغذاء والماء والملابس (في وضعيات معينة) وشمل ذلك العنف المباشر بكل درجاته وحتى التعذيب كما عرفه الفصل 101 مكرر. وقد أقرّ المشرع الجزائي عقوبة تصل إلى 5 سنوات لكل موظف عمومي عمَد لاستخدام سوء المعاملة كطريقة ضغط بسبب إقرار أو تصريح أو لغرض استخراج إقرار أو تصريح، و قد أقرت محكمة التعقيب التونسية هذا الموقف بشكل صريح. كما أكدت إبطال كل الإجراءات الناتجة عن أي تصريح أو اعتراف يستخرج عبر ما اعتبره الفصل 103 سوء معاملة.

إن سلطة الموظف العمومي سلطة وظيفية تتأتى من حرص المشرع على فعالية الإدارة وعلى توفير الغطاء التشريعي للسلطة التنفيذية لتؤدي وظائفها بشكل مثالي، كذلك تتأتى من حرص القانون على حماية هيبة الدولة المتمثلة في أعوانها. من هنا يحمي المشرع الموظف العمومي قانونيا ويمنحه سلطة مقيدة، لا يجب أن يسيئ استخدامها أو يتجاوز حد سلطته حتى تتحول لغطاء يسمح له باستباحة الحرمة الجسدية للأشخاص وكرامتهم وحقوقهم المحفوظة بمقتضى نص دستوري واضح .