صورة لأكرم بلعيد

لعل السمة الأساسية للأيام الأولى لشهر ماي/رمضان الجاري هو إستمرار زخم الشارع التونسي، بنفس الوتيرة تقريبا، من خلال تصديه للسياسات التفقيرية والتدميرية للمنظومة الحالية المافيوزية للحكم عبر شن الإعتصامات وإضرابات الجوع المفتوحة وغلق الطرقات تارة والمواجهة مع قوات القمع طورا (منزل بوزيان وجلمة وماجل بلعباس نموذجا)، وذلك بشكل متفرق على طول البلاد وعرضها، بالعاصمة وأقصى الجنوب الشرقي وبإقليم الساحل وبالوسط الغربي، وهي مؤشرات هامة، تذكرنا بعام 2013، الذي شهد، في نفس الظرف غير المواتي عادة للنهوض الشعبي، بداية سقوط منظومة الترويكا، قبل أن يحسم التونسيات والتونسيون الأمر، عقب إنتفاضة الأتاوات الدامية، لغير صالحها، بمناسبة الإنتخابات البرلمانية الفارطة.

المسار الثوري والمخاض الجديد

ورغم أن أغلب المحتجين على الأزمة المعيشية والسياسية الراهنة لم يتجاوزوا بعد سقف المطالب الجزئية والقطاعية والإجتماعية، ولم تحصل لديهم الطفرة الواعية المرجوة، أي القناعة والمطالبة المزدوجة برحيل حكومة الإنتخابات وبإسقاط المنظومة اللاشعبية الحاكمة، وذلك بسبب إستتباعات 8 سنوات كاملة من دعاية تثبيط العزائم والتشكيك الإيديولوجي في الثورة التونسية، علاوة على ضعف إلتحام القوى الثورية، بالشباب والشرائح المنتفضة، فإن روح الإعتزاز بالمسار الثوري لم تنكسر أبدا، لدى عدد من الفئات والجهات، بل وتغذيها موضوعيا المساعي الإستبدادية الواضحة للفريق الحاكم وفضائح مكوناته الحزبية الأغلبية (النهضة- النداء- حزب الشاهد) التي لا تنتهي.

إن رفع شعار “ديقاج” الريادي (ولو بشكل عفوي ومحدود)، والذي ميز الصيت المحلي والعالمي للمسار الثوري التونسي (إبان أشهره الأولى) من جديد، في وجه أعدائه المتغطرسين والمتعطشين لثروات ودماء الشعب، بدءا بالمحامية موسي التي يحاول حزبها عبثا السير بعجلة التاريخ، على عكس خطى قوافل الشهداء الكرام الذين قضوا منذ 17 ديسمبر 2010، وصولا للقياديين النهضاويين لعريض والجلاصي، الذين لم يجل بخاطرهما البتة أن يصر عدد من طلاب منوبة (وبعض نقابييها وأساتذتها) على رفض “التطبيع السائد” مع حزبهما المتصهين والمتخلف والدموي، ومرورا بالسفير الفرنسي، الذي خاب ظنه، إبان زيارته لمدينة قفصة، في “ثورة الياسمين” اللزجة وسهلة المنال، كما كانت -ومازالت- ترتئيها القوى الغربية الإستعمارية الجديدة (إتفاقية الأليكا نموذجا)، يبرهن، في الحقيقة، على اتقاد جذوة المقاومة الشرعية لنظام الحكم التابع والفاسد، لدى نفس الفئات والجهات، التي كانت سباقة، منذ حقبة الدكتاتورية منتهية الصلوحية، لتصدر الصراع الإجتماعي والسياسي ضد جرائم رموزها.

النزول إلى الشوارع: الضمانة الشعبية الوحيدة لإنتخابات حقيقية

إن معضلة النخب الديمقراطية ببلادنا ليست في التعويل الجدي على الإنتخابات العامة القادمة، بل تلك مزيتها في المنظور القريب والبعيد (حتى وإن نجحت الأغلبية البرلمانية الحالية في فرض “قانون العتبة” سيء الصيت)، وإنما تكمن في توهمها بإمكانية تحسين رصيدها الإنتخابي والسياسي، في ظل ميزان القوى الراهن، الذي مازال يرجح الكفة لأحزاب ورموز الرجعية الحاكمة، دون فرض تنازلات أو تراجعات كافية عليها، في الساحة الإجتماعية والشعبية.

إن “سياسة الأمر الواقع”، التي تسلكها حكومة الشاهد (ومن ورائها حركة النهضة) نجحت حتى الآن، في الحكم بالإنتكاس على أية مبادرة سياسية واسعة، تبتغي وضع حد لحكمه الرديء والسائر في إتجاه إعادة بناء النظام النوفمبري الفظيع، و نجحت في رمي القوى الثورية (عبر أبواقها الإعلامية) بالتطرف واللاواقعية، لأنها بلورت موقفا واضحا ومبدئيا من استمرار جثمه على صدور شعبنا ومن مخطط تلاعبه بمؤسسات الدولة وبنتائج الإقتراع القادم.

وتستغل مناورات الحكم، اليوم، الحسابات الإنتخابوية الضيقة للعديد من القوى والشخصيات الديمقراطية والتقدمية، لتلهيتها عن تكتيل أوسع أطيافها في محاور العمل المشترك التي تفرض نفسها على أكثر من واجهة، والتي قد تعصف، في حال استمرارها، بالحد الأدنى من توازن مكوناته (أي الحكم) وبشعبية قائماته ووجوهه الإنتخابية.

إن إهمال فرضية “المقاطعة السلبية” لمعركتي أكتوبر ونوفمبر الإنتخابيتين يعد، لدى البعض، قصورا في الرؤية السياسية ففضلا عن أن هذا السيناريو وارد وحاصل كما هو معلوم، في بلديات ماي الفارط، فهو يعزز من تغول قوى الثورة المضادة المهيمنة، والتي لا ترى حاليا في “القائمات الديمقراطية” (إئتلافات وأحزاب ومستقلين)، ندا أو منافسا جديا لها، ما لم نسدد لها ضربة موجعة، تضعف من إستكلابها على مصالح عموم الناس، بل وتهدد كيانها، الذي لن نجده بأي حال من الأحوال أصلب من بنيان الحكومات المتعاقبة بعد الثورة. كما أن التعبئة السياسية، التي تذود عن الحراك الإجتماعي السلمي، وتصهره في قالب شعبي واحد وترسم له الأفق والهدف المتعلقين بقضية الثورة والحكم، هي وحدها الكفيلة بإحياء الأمل وبعودة الثقة في السياسة، لدى الشباب والطبقات الكادحة، الذين سيقطعون مع اللامبالاة الإنتخابية وسيقتنعون بجدوى التصويت العقابي المأمول، إذا وجدوا السند والبديل، في الأشهر القليلة القادمة، في طليعة وطنية تحترم شعبها.

إن التجرؤ على رؤوس حربة “السيستام” السائد، الذي بات يهدد الحد الأدنى الحياتي لأغلبية التونسيات والتونسيين لا ينبغي النظر له من زاوية حقوقية نظرية (على أهميتها) ستحصره في جدال نخبوي، غالبا ما كان “بيزنطيا”، بقدر ما يستوجب التحليل السياسي الدقيق لنفسية المواطن/الشاب التونسي، الذي قد يستشف، من هول معاناة واقعه اليومي، هوية خصوم الحرية والسيادة الوطنية ورفاق المسار الثوري.