بقلم: الأستاذ منير العـوادي

تونس: 20 ماي 2010

Aouadi.mounir@yahoo.fr

الملاحظ الدقيق للواقع لا يمكن له إلا أن يقرّ الفشل الذريع الذي آل إليه الاتحاد العام التونسي للشغـل في كافة المجالات:

ــ فشل في الدفاع عـن مصالح الطبقة العاملة المادية والفكرية والسياسية.

ــ فشل في إرساء تحالف مع الطبقات الشعـبية في نضالها من أجل التحرر من كلّ أشكال الاضطهاد والاستغلال.

ــ فشل في تحديد موقف واضح من السلطة ومختلف أجهزتها وما تمثله من مصالح واختيارات وعلاقات مع الدوائر الرأسمالية العالمية.

ــ وأخيرا فشل في أن تَكُون وأن تُكوّنَ مدرسة لتخريج الكوادر المناضلة والمخلصة، مدرسة تنتصر للفكر الثوري النيّر المرتبط بقضايا الكادحين في تونس والوطن العـربي والعالم. وتساهم بذلك في القطيعة المعـرفية المطلوبة والضرورية مع الثقافة الإقطاعـية البالية والفكر البورجوازي في طوره الاستعـماري.

هذا الفشل يدفع بنا إلى إعادة النظر بشكل جذري وشامل لواقع الحركة النقابية، من خلال تحليل، لا يكتفي بنقد المواقف والممارسات، بل يحاول أن ينفذ إلى ما وراءها من جذور وأصول.
إنّ من يتخطى البحث عـن الأعـراض للبحث عـن الجوهر، لا يمكن إلا أن يستغـرب بشدّة لعـمق حضور العـشائرية ودورها التخريبي في تاريخ الحركة النقابية العـمالية. إذ هي في المستوى النظري نوازع وانفعالات ونزوات، ضدّا عـن المعـرفة والإبداع والعـلم، وهي في المستوى العـملي محاولة لطمس الصراع الطبقي وتشويهه. إنّها ضحالة وبؤس عـلى صعـيد الفكر، وارتجال وتذبذب وانحناء وقفز عـلى المسامير ووسط الحفر عـلى صعـيد العـمل.

والإتحاد في هذا الأمر هو جزء من كلّ، أي أنّ هيمنة النزعة العـشائرية في صلبه تغـذّت من النزعة العـشائرية السائدة في مستوى القطر.

فلقد كان التوجه العـشائري حاضرا بقوّة في الاختيارات الأساسية للسلطة البورقيبية منذ سنة 1956، إذ أنّ هذه السلطة مكّنت أقلية ضئيلة منحدرة بالخصوص من جهة الساحل من تحقيق ثراء فاحش، من خلال ما تحصّلت عـليه من تشجيعات مختلفة : قروض بفوائد زهيدة، منح وهبات، إعـفاء ضريبي …، في حين أبقت المناطق الداخلية في حالة حرمان وتهميش وفقر مدقع.

كما أنّ ما قامت به السلطة من إعادة توزيع للخارطة الإدارية، من خلال إعادة تسمية الولايات دون الإشارة إلى تركيبتها العـشائرية، اتخذ طابعا شكليا، أي أنّه استهدف الإسم دون المسمى، واللفظ دون المعـنى.
لقد وصل الأمر بالحبيب بورقيببة أثناء صراعه مع صالح بن يوسف إلى حدّ قطع الماء عـن جزيرة “جربة”، مسقط رأس صالح بن يوسف، عـقابا لأبناء هذه الجزيرة عـلى مساندتهم لبن يوسف.

وفي الإتحاد سادت لمدة طويلة، العـقلية العـشائرية بتقاليدها وأعـرافها، التي تحدد مجال الانتماء وضوابط الخضوع والانقياد، وكذلك كيفية صيانة هذه القيم وتوريثها من جيل إلى آخر.
لقد تقاسم منذ بداية الأربعـينات من القرن الماضي طرفان أساسيان مجال النفوذ والسيطرة داخل الحركة النقابية:

ــ الطرف الأول : يتمثل في المجموعة المنحدرة من جزر قرقنة، ويضمّ بين صفوفه عـناصر كان لها تأثير فاعـل في الساحة النقابية، وخاصة فرحات حشاد والحبيب عاشور.

ــ أمّا الطرف الثاني : فيتمثل في المجموعة المرتبطة بالعـشائر أصيلة جهة قفصة بالجنوب التونسي، ومن أهمّ رموزها : أحمد التليلي وحسين بن قدّور.

ومن خلال رصد بعـض المعـطيات المتعـلقة ببعـض القادة النقابيين، يمكن الوصول إلى نتائج تستلفت النظر حول تأثير العامل العـشائري ودوره في الحركة النقابية.

فلقد رحل فرحات حشاد في الخامسة عـشر من عـمره، أي سنة 1929، للإقامة عـند أخواله، المستقرين في حومة القراقنة في سوسة، في حي “وادي الخروب”، وهو حي توجد فيه عـديد العائلات المهاجرة من جزر قرقنة.
وبعـد أن استقرّ حشاد مدة في سوسة، عاد سنة 1940 إلى صفاقس، حيث انتُدب للعـمل بالأشغال العامة، وواصل نشاطه النقابي في إطار الاتحاد الإقليمي لـ( س.ج.ت)، صحبة الحبيب عاشور وعـبد العـزيز بوراوي والطاهر العكروت…. وهم أفراد يجمع بينهم الانتماء إلى نفس الجيل ونفس المنطقة ونفس الاهتمام، مع ما يتبع ذلك من تأثير وتأثر، يشمل الجميع.

ومن بين هؤلاء كان مسعـود عـلي سعـد يؤدّي دورا بارزا ستظهر أهميته لاحقا. فلقد أسّس في 16 جانفي 1944 أوّل نقابة مستقلة عـن النقابات الفرنسية (بما في ذلك تلك التي ينشط في إطارها حشاد وبقيّة الجماعة المتعاونة معه)، وهي” نقابة عـمال وموظفي شركة فسفاط وحديد صفاقس ــ قفصة”. كانت هـذه النقابة ذات طابع حرفي بحت، أي أنّها ترفض اتخاذ أيّ موقف سياسي، وتنادي بالتالي بـ”حياد النقابات”، وهو ما لم يمنعـها من التزلف أحيانا للسلطات الاستعـمارية من أجل الاعـتراف بها والحصول عـلى امتيازات ومكاسب لمنظوريها. وقد قام مسعـود عـلي سعـد بتأسيس نقابته تلك قبل عـقد مؤتمر الإتحاد الإقليمي للكنفدرالية العامة للشغـل، يومي 18 و19 مارس 1944، وهو المؤتمر الذي ترشح فيه حشاد كنائب لعـضوية الهيئة الإدارية، ولكنه فشل في ذلك. وقد ترتبت عـن هذا الفشل خيبة أمل كبرى لدى حشاد، الذي عاد إلى صفاقس واتصل بمسعـود عـلي سعـد، حيث اتفقا عـلى مواصلة العـمل الذي قام به الأخير. ولعـلّ ما سهّل اتفاقهما هو أنّهما ينحدران من نفس المنطقة ( قرقنة)، كما يجمع بينهما العـداء للفكر الشيوعي. وقد أدّى العـمل المشترك بينهما إلى تكوين المكتب المؤقت لــ “اتحاد النقابات المستقلة بالجنوب” في 6 نوفمبر 1944، حيث أصبح فرحات حشاد كاتبا عاما ومسعـود عـلي سعـد عـضوا مساعـدا.

إضافة إلى النشاط النقابي، كانت توجد في تلك الفترة جمعـية خيرية، هي جمعـية ” التضامن القرقني”، وكان يرأس مكتب هـذه الجمعـية مسعـود عـلي سعـد، وكان كـلّ من فرحات حشاد والحبيب عاشور عـضوين بمكتبها. ومن أهمّ أنشطة هذه الجمعـية ربط الصلة مع أبناء الجزيرة المهاجرين في مدن صفاقس وسوسة وتونس وتقديم مختلف أنواع المساعـدة لهم.

هذا التآزر الاجتماعي ــ النقابي، عـلى قاعـدة الانتماء العـشائري، تحوّل شيئا فشيئا إلى أسلوب عـمل، وسيتجسد في كلّ المناسبات، في السرّاء والضرّاء، سواء كان الفرد في “دار الحقّ” أو في “دار الباطل”، في العـمل والزواج وحتى في التجاور. يقول نور الدين حشاد : ” من رادس انتقلنا إلى مونفلوري سنة 1955، لأنّ الوالدة أصبحت لا تريد البقاء في رادس حيث كنّا نكتري منزلا …. ومنذ 1954 تكوّنت هيئة لجمع المال لبناء منزل لنا بمنفلوري. وقد جُمعـت الأموال بواسطة مقتطعات لاشتراء الأرض وبناء المنزل. لماذا في منفلوري؟ لأنّ المجموعة القرقنية التي كانت مع فرحات حشاد، كان فيها سي منصور جراد وسالم الشفي وأحمد فنيش ومحمد كنو وعـلي العـكروت ومحمد النّمصي رحمهم الله. كانت هذه المجموعة تسكن مونفلوري، وكانـ(وا) يعـتز(ون) بجزيرتهـ(م) وبكل ما يهمّها. ولا يمكن فهم إنسان إذا لم يقع فهم الوسط الذي نشأ فيه”.(1)

إنّ توفير مستلزمات القوّة بواسطة إيجاد أنماط متعـددة من التداخل بين الاجتماعي والنقابي، بين ما هو مادي وما هو رمزي، هو سرّ الأسرار في هيمنة العـشائرية، وتحوّلها إلى القطب الأساسي المحرك في الحركة النقابية التونسية، بل وتحوّلها إلى واقع معـقول، لا يمكن إلا تفهمه وتبريره والنسج عـلى منواله ما أمكن ذلك.

وبذلك أيضا تحوّلت العـشائرية إلى قوّة داخل القوّة، تتميّز الأولى عـن الثانية بكونها منظمة ومتماسكة وسريّة، لها قوانينها الذاتية ومشاريعـها المحددة وتنظيمها الخاص.

نفس هذا التوجه تكرّس في جهة قفصة، بالجنوب التونسي، وإن كان بشكل آخر. فلقد تشكّلت نقابات عـمال المناجم الأربعة، تحت إشراف أحمد التليلي، عـلى أسس عـشائرية واضحة، خاصة وأنّ الصراع مع الاتحاد النقابي لعـملة القطر التونسي ( الذي حلّ نفسه في أواخر سنة 1956) ساهم في تأجيج هذا التوجه.
فلقد تأسّست يوم 23 جوان 1946 نقابة عـمال منجم “الرديف”، بالاستناد إلى عـشيرتي “أولاد عـبيد” و”أولاد يحي”، وتولى كتابة النقابة حسونة بن الطاهر. وفي نفس اليوم أيضا تأسّست نقابة أخرى في منجم “المتلوي”، حيث تتواجد عـشيرة “أولاد بويحي”، وتولى مسؤولية الكتابة العامة العـربي درويش.
وفي يوم 6 جويلية 1946 تأسّست نقابة عـمال منجم “أم العـرائس”، حيث الوجود القوي لعـرش “أولاد سلامة”، وقد تولى الكتابة العامة أحمد بلحاج مسعـود. وفي نفس اليوم تأسّست كذلك بـ”المظيلة” نقابة تولى كتابتها العامة الأزهاري بن الحاج أحمد بن عـمار، وذلك بالاعـتماد خاصة عـلى عـرش “القطارية”.

ولئن بدأ التوجه العـشائري في البروز مع بداية تأسيس الاتحاد في الأربعـينات، فإنّه نمى وتعـزز بشكل واضح وجلي في النصف الثاني من الخمسينات، حينما بدأ التنافس عـلى “الكعكة” أو الغـنيمة، مع بداية “فجر جديد”، اعـتقد البعـض أنّه سيكون أحسن.

يتأكّد هذا الأمر من خلال التثبت فيما حدث في المؤتمر السادس للإتحاد العام التونسي للشغـل (سبتمبر 1956). فلم يكن تفجّر الصراع بين الثالوث: أحمد بن صالح وأحمد التليلي والحبيب عاشور، سوى تعـبير عـن خلافات شخصية وعـشائرية، ساهمت مناورات السلطة في إذكائها.

وما وقع سنة 1956 هو الحلقة الأولى من حلقات التآمر عـلى الإتحاد العـام التونسي للشغـل وعـلى الطبقة العاملة.

في تلك السنة انشقّ عاشور عـن الإتحاد، بعـد أن رجع إلى صفاقس، ليؤسس إتحاد المنشقين “إتحاد الشغـل التونسي” (U.T.T)، الذي قاده الحبيب عاشور وعـبد العـزيز بوراوي ومحمود الغـول.
ثم تحالف عاشور مع بورقيبة والتليلي، بعـد عـودته للاتحاد، لإزاحة أحمد بن صالح في المؤتمر السابع الذي التأم في 22 سبتمبر 1957. ثم تحالف ثانية مع بورقيبة وبن صالح للإطاحة بأحمد التليلي في المؤتمر التاسع للإتحاد المنعـقد في 28 مارس 1963. وأخيرا تآمر بورقيبة مع أحمد بن صالح ضدّ الحبيب عاشور، وزجّا به في السجن سنة 1965، واستعانا بالنوري البودالي وبشير بلاغة، وهما من تحالف الشمال (تشكل عـشائري آخر)، لتحويل الإتحاد إلى أداة طيّعة بيد السلطة.

بعـد مرور ثلاث وثلاثين (33) سنة، بالتمام والكمال، أي في أواخر سنة 1989، يعـود الحبيب عاشور، في حوار صحفي، للحديث عـن المؤتمر السادس للاتحاد المنعـقد أيام 20 ـ 21 ـ 22 و23 سبتمبر 1956، ليقول: [كان المؤتمر نوعا من المؤامرة أثارها بن صالح ومساعـديه ضدّ “الصفاقسية”].(2)
إنّ استعـمال عاشور للفظ “الصفاقسية” عـوضا عـن “قراقنة” يهدف إلى المغالطة والتحشيد لا غـير، فهو “صفاقسي” في تونس، و”قرقني” في صفاقس، ….

وأهمّ ما يعـبّر عـنه مثل هذا التصريح، هو أنّ أهمّ آليات إثبات الذات بالنسبة للعـشائري تتمثل في ترسيخ عـقدة الاضطهاد، حيث تكون نظرية المؤامرة أبرز مستتبعاتها. ذلك أنّ العـشائري يتصوّر أنّ هناك عـدوّا خارجيا يتربص بأهل العـشيرة، وهو المتسبب في بؤسهم وشقائهم وفي الخطر الدائم المحدّق بهم.
كانت العلاقة بين مختلف الرموز العـشائرية تتميّز بالتآزر حينا وبالتناحر حينا آخر، بالصداقة والعـداء، حسب ما تمليه التجاذبات والمصالح. وحتى في فترات المودة والإخاء والتضامن، فإنّ كل فرد يتباهى برصيده العـشائري.

ويمكن أن نضرب مثالا حيّا عـلى ذلك من خلال حكاية حدثت بين عاشور والتليلي. فبعـد عـودة أحمد التليلي إلى تونس في 25 مارس 1967، ذهب العـديد من أصدقائه ومعارفه إلى زيارته : [ وكان الحبيب عاشور ، الذي خرج من السجن بعـد تدخلات من السيزل، أكثر المترددين عـليه. وقد جاءه يوما وقدّم له (ضمّة) من المال قائلا : “هذه مساهمة من القراقنة”، فردّ عـليه أحمد التليلي: “لا، القفاصة لم يتركوني بحاجة لأيّ شيء”. وردّ عـليه ماله].(3)

وهكذا تحتاج الروح العـشائرية دائما، وخاصة في فترات النكسة، إلى الشحذ والاستنهاض والتحفيز، من خلال دعاوي الأفضلية والعـفّة والتسامي الأخلاقي، والإشادة بما توفر لها من مخزون، يمكّنها وقت الحاجة، من الاحتماء والتحصّن.

هذا التوجه العـشائري شهد بعـض التقلص المحدود في فترة السبعـينات، حينما تحوّل الإتحاد إلى أكبر قوة شعـبية في القطر، وتمكّن من استيعاب أعـداد كبيرة من العـمال والموظفين في صلبه. فبعـد أن كان عـدد المنخرطين لا يتجاوز 40 ألف سنة 1970، أصبح يتراوح سنة 1977 بين 550 ألف و600 ألف منخرط.
كما شهد “الفكر العـشائري” في هذا العـقد تراجعا ملحوظا لفائدة نمط جديد من الوعي هو”الوعي الطبقي”، نتيجة لانتشار الفكر الماركسي اللينيني، بعـد انضمام أعـداد متزايدة ونوعـية من العـناصر اليسارية، التي كانت تنشط في الحركة الطلابية، إلى الحركة النقابية، وإسهامها إلى حد ما في التأثير عـلى التوجه السائد في بعـض القطاعات والقواعـد العـمالية. وقد كانت القيادة النقابية منزعجة لنمو الفكر اليساري ولا تتوانى في الغالب عـن اتخاذ تدابير زجرية ضدّ ممثليه: حلّ الهياكل ــ تجريد من الصفة النقابية ــ طرد من العـمل…. ولكنها سعـت في مناسبات ظرفية ( خاصة قبل الانتفاضة الشعـبية الأولى في 26 جانفي 1978) إلى محاولة توظيف هذا التوجه، سعـيا إلى الاستفادة منه لترجيح كفّة بعـض الأجنحة في السلطة عـلى حساب أجنحة أخرى ( في علاقة بمسألة الخلافة التي كانت مطروحة آنذاك).

إلاّ أنّ التوجه العـشائري اكتسح من جديد الحركة النقابية في الثمانينات، وعادت من جديد عـقلية الثأر والانتقام، بحيث لم ينته هذا العـقد إلاّ والإتحاد في حالة بائسة، إذ أصبح ممزق الأوصال، ويعاني من الضعـف والتشرذم والعجز.

إنّ الرؤية العـشائرية هي رؤية متكلسة ومتيبسة، لا ترى إلاّ ما تريد رؤيته، ولا تفعـل إلاّ ما تقتضيه مصالحها الآنية المباشرة، وهي تبعا لذلك لا تنظر للجماهير الشعـبية إلاّ ككتلة هلامية عـديمة الرأي والموقف وعـديمة القدرة عـلى تكريس الموقف.

في هذا السياق يمكن أن نذكر مثلا واحدا يؤكدا مدى تخبط القيادة العاشورية وقصورها واستهانتها بقضايا ملايين المضطهدين.

فقبل انتفاضة الخبز في بداية جانفي 1984 ( والتي كانت الانتفاضة الشعـبية الثانية في تاريخ تونس المعاصر) أبرمت السلطة ووفد من الإتحاد اتفاقا، تمّ بمقتضاه الموافقة عـلى مضاعـفة سعـر الخبز، وإقرار منحة تعـويضية بقيمة دينار ونصف (1،5 د) لكلّ فرد، بالنسبة لعائلة تتكون من ستة (6) أفراد، بحيث تكون الزيادة الإجمالية الشهرية الأقصى تسعة (9 د) دنانير، إذ اعـتبر الطرفان أنّ انخفاض القدرة الشرائية يُقدر بـ 10 بالمائة. وقد تكوّن وفد الإتحاد الذي أبرم هذا الاتفاق من: الحبيب عاشور ـ الطيب البكوش ـ خليفة عـبيد ـ إسماعـيل السحباني.

هذا الاتفاق يؤكد انقطاع القيادة النقابية عـن الواقع الحقيقي للطبقات الشعـبية وانفصالها عـنه، خاصة وقد كانت في تلك الفترة منهمكة في تصفية الحساب مع خصومها، أي مع شقّ آخر من العـشيرة يمثله عـبد العـزيز بوراوي وبعـض العـناصر الموالية له، الذين تمّ طردهم من الإتحاد، في نوفمبر 1983، بقرار من عاشور، فأسّسوا فيما بعـد ما سُمي بـ” الإتحاد الوطني للعـمال التونسيين”.

ماذا كان ردّ الجماهير عـلى هذا الاتفاق؟

ببساطة شديدة رمت به إلى سلة المهملات، حتى لا نقول أكثر، وبيّنت أنّ إرادة الجبابرة يمكن أن تخرّ ساجدة لإرادة الشعـب، حينما يقرر هذا الشعـب أخذ زمام المبادرة، وحينما يقرر أن يرفض وأن ينتفض وأن يثور.

هناك أمر آخر يجب التأكيد عـليه في هذا المجال، وهو أنّ التقيد بالانتماء العـشائري يؤدي حتما إلى البيروقراطية، في مستوى التسيير والممارسة، بل يمكن القول أنّ العـشائرية والبيروقراطية متداخلان ومتشابكان، وهما معا يشكلان السبب الأساسي لتخلف الحركة النقابية وركودها. إنّهما وبال عـلى وبال. فالعـشائرية هي البناء الاجتماعي ـ النفسي، أمّا البيروقراطية فهي الجهاز أو الأداة السلطوية التي تحمي وتؤطر وتوجه، وتمارس بالتالي الدور الموكول لها في الاستخبار والقمع والطغـيان.

في الفترات التي سيطرت فيها وجهة النظر الجهازية : أحمد بن صالح بين سنتي 54 و1956، وبشير بلاغة بين 65 و1970، وإسماعـيل السحباني بين 1989 و2001، تحوّل الأمين العام إلى ما يشبه الرئيس المدير العام (PDG)، كما تحوّل “المسؤولون النقابيون” إلى موظفين رسميين.
رغـم ذلك حرص هؤلاء الأمناء العامون عـلى إيجاد نوع من “التعايش السلمي” مع العـشائرية، وحافظوا لها عـلى حدّ أدنى من الوجود والتواجد.

هذه الخلطة العجيبة ـ الغـريبة، حيث يتداخل العـشائري مع النقابي مع الحزبي، أنتج نمطا خاصا من النقابيين، يتميّزون بصفات خاصة، أهمّها : الدهاء والمكر والقدرة عـلى حبك المناورات والدسائس، وهو ما أدّى إلى تحوّل الإتحاد إلى مدرسة لتعـلم كلّ فنون الاختلاس والتحيّل والخداع. ومسؤول من هذا النوع لا يمكن إلاّ أن يفتقر شيئا فشيئا إلى الجرأة والشجاعة في التعـبير عـن رأيه، كما أنّه سيسعى بكل ما أوتي من قوّة للبقاء أطول مدّة في الجهاز لمزيد تكديس مختلف أنواع الامتيازات.

من خلال ما تقدم يمكن التأكيد عـلى أمرين :

أوّلا : إنّ العـشائرية بما هي معـطى طبيعي تشكل حاجزا أو عائقا يحصر الهوية في حدود مناطقية ضيّقة. لذلك فهي تتعارض مع مفهوم الوطن، كمعـطى تاريخي ـ طبقي، بل هي تحُول في الواقع العـملي دون الإندماج الوطني ودون السيادة الوطنية التي لا معـنى لها بدون سيادة شعـبية.
إنّ تحديد طبيعة المرحلة والمهام المطروحة من وجهة نظر الطبقة العاملة يقتضي توفر مرجعـية فكرية وسياسية واضحة وقدرة عـلى القيام بتحليل موضوعـي ومعـمّق للواقع. والعـشائرية أعجز ما تكون عـن القيام بهذا الدور، إذ هي انتصار للجهل عـلى المعـرفة وللخرافة عـلى العـلم، وهي تتغـاضى عـن الاضطهاد والاستغـلال إذا ما تمكّنت من تحقيق مصالح أفرادها وطموحاتهم، كما أنّها تُزايد في المواجهة والاعـتراض في الحالة العـكسية.

ثانيا : البيروقراطية تكريس للإقصاء والإلغاء، وهي تفرض، أو بالأحرى تحاول أن تفرض، الولاء المطلق كشكل واحد ووحيد ممكن للعلاقة بين القواعـد والقيادة. إنّها جهاز إداري ومالي (سيف وذهب)، يعاقب ويجازي، يمنع ويمنح. وهي بذلك عـدوّ للديمقراطية الجماهيرية، التي تعـني خاصة حرية الكلمة والنقاش الحر المفتوح في كلّ القضايا، والذي يسمح وحده بتطوير الفكر وأخذ زمام المبادرة والقرار من قبل المعـنيين بالأمر.
الخيار العـشائري ـ البيروقراطي إذن هو سلبية سالبة، تعـطيل وعـطالة، لذلك فهو النقيض الجوهري للمشروع الوطني الديمقراطي.

وبالنسبة للوضع الراهن للاتحاد، سنكتفي هذه المرّة، بطرح ثلاث أسئلة أساسية :

ـ 1/ هل أنّ القيادة الحالية هي مواصلة للتوجه العـشائري ـ البيروقراطي أم هي في قطيعة معه؟

ـ 2/ ما هو برنامج هذه القيادة وأهدافها المباشرة في هذه الفترة بالذات؟

ـ 3/ هل هي تتهيأ حقّا للانقلاب والإجهاز عـلى الفصل العاشر من قانون المنظمة، الذي يقرّ بالتداول عـلى المسؤولية في مستوى المكتب التنفيذي؟

مما لا شكّ فيه أنّ الحركة النقابية التونسية مقبلة في غـضون الأشهر القادمة عـلى معـركة مصيرية حاسمة، سيتحدد عـلى ضوء نتائجها مستقبل الاتحاد العام التونسي للشغـل برمته. فإمّا انتصار وحيوية وبداية عـمل جديد وجدّي، وإما هزيمة نكراء وسقوط وانهيار، وهو ما سيفضي هذه المرّة إلى تحلل وزوال.

المراجع :

(1) فرحات حشاد : الحركة العـمالية والنضال الوطني. إشراف وتقديم : عـبد الجليل التميمي ـ زغـوان : مؤسسة التميمي للبحث العـلمي والمعـلومات، جانفي/ كانون الأوّل 2002.

(2) ورد ذلك في حوار لمجلة حقائق عـدد 227 ـ من 22 إلى 28 /12 / 1989 ـ بعـنوان:
” Les révélations de Habib Achour ”

(3) الزعـيم النقابي أحمد تليلي ـ كفاح ومواقف (ص 461). تأليف: محمد عـلي المؤدب ـ طبع OMEGA ـ أفريل 1997.