إن الوضع الذي تعشيه تونس هذه الأيام بعد الإطاحة ببن علي وما أفرزته من تحولات جذرية لم يعرفها مجتمعنا منذ الإستقلال من الإستعمار الفرنسي، يجرنا إلى الحديث عن الثورات المماثلة التي عاشتها دول “الكتلة الشرقية” و المرحلة الإنتقالية التي مرّت بها من حكم دكتاتوري شمولي إلى نظام ديمقراطي في العقد الأخير من القرن العشرين.

فالإطاحة بحكم دكتاتوري شمولي حكم الدولة أكثر من خمسة عقود متتالية (الفترة البورقيبية ثم فترة بن علي) يشبه إلى حد كبير فترة الحكم الشمولي في دول الكتلة الشرقية سابقا خلال الفترة ما بين ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حد سقوط جدار برلين في نوفمبر1989 وما أفرزته من تداعيات في أوروبا الشرقية تمثلت في سقوط كلّ الأنظمة الدكتاتورية هناك. وإن إختلفت النظم الإقتصادية والإجتماعية بين تونس وبلدان أوروبا الشرقية، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في وجود نظام حكم إستبدادي فيها يعتمد على القمع المعتمد على جهاز البوليس وأجهزة الشرطة السرية (الإستخبارات) و السيطرة المطلقة للحزب الواحد على المجال العام.

منذ الإطاحة بالدكتاتور بن علي مازال الشارع التونسي ماضيا في ثورته مطالبا بإجتثاث بقية النظام القائم والمتمثل في رموزه السياسية وحزب التجمع الدستوري الدمقراطي, الذي سيطر على الحياة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الأمنية خلال الفترة السابقة. وهذا الحزب بملشياته وشُعبه وودادياته (في الخارج) روّع كلّ الحساسيات السياسية والنقابية والحقوقية التي لا تتفق مع منطقه التسلطي وقام بترهيب كل المخالفين وتخويفهم وتعذيبهم نفسيا وجسديا. وهكذا استطاع أن يسلط نفوذه الفاشي على كل المجتمع طوال العقود التي خلت.

إن ما يجري الآن في تونس يعود بذاكرتنا إلى نفس المرحلة التي عاشتها ألمانيا الشرقية حيث كان الغليان الجماهيري كبيرا إلى درجة أن إنقاذ النظام السياسي الدكتاتوري من الغليان الشعبي لم يكن ممكنا من دون تدخل عسكري سوفييتي. إلا أن ميخائيل غورباتشوف، رئيس روسيا وقتئذ، لم يكن مستعدا لمثل هذا التدخل. فكانت النتيجة انهيارالقيادة الحزبية في شرق برلين أمام صرخات الثورة السلمية التي توّجت بانهيار جدار برلين في نوفمبر1989. سبق انهيار الجدار فرار جماعي لمواطني ألمانيا الشرقية عن طريق براغ, ووارصو وعن طريق الحدود الهنغارية النمساوية التي كانت قد تم فتحها في ذلك الوقت. كما سبق انهيار الجدار تظاهرات كبيرة و خاصة في مدينة لايبزيخ الألمانية الشرقية, إضافة إلى إحتجاجات علنية لشخصيات مرموقة من المثقفين و المفكرين المطالبين بالحريات. و قد حاول الحزب الحاكم أنداك (SED) عبثا السيطرة على الوضع بالقيام ببعض التغييرات في هرم السلطة كإبعاد إريك هونيكر من رئاسة الجمهورية وخلعه من كل مسؤولياته الحزبية ثم فيما بعد مقاضاته، ولكن ذلك لم يجد نفعا. كما أنّ تنصيب إيكون كرينز رئيسا لجمهورية ألمانيا الشرقية لم يستجب له الشارع الألماني مما أجبره على الإنسحاب مع كافة المكتب السياسي للحزب. و قد فتح المجال للقوى المعارضة المنظمة أنذاك تحت “المنتدى الجديد” بالنشاط العلني وفي أحقية المساهمة في الحياة السياسية. حيث وقع تنظيم محادثات واسعة النطاق تحت ما عُبّر عنه بمحادثات “الدائرة المستديرة” وتمّ الإتفاق على القيام بإنتخابات حرة ومستقلة في مارس 1990. ومن أهم القرارات:

– حلّ جهاز الإستخبرات شتازيSTASI , رمز القمع و القهر والإستبداد, ثم حلّ الحزب الإشتراكي الديمقراطي(PDS) وهو المنبثق عن الحزب الشيوعي (SED).

نفس هذه التحولات والفاعليات شاهدناها كذلك في كلّ من بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا. في هذه الدول تمّت هذه التحولات بشكل سريع لأن أسس المجتمع المدني كانت أكثر تجذرا وحتى الأحزاب الشيوعية فيها عاشت انفتاحا نسبيا منذ ثمانيات القرن الماضي مما أسرع بإندثارها بسهولة. بدأت أزمة دول الكتلة الشرقية مع تأسيس نقابة العمال المستقلة “سوليدمارنوش” في بولونيا, التي عرفت أول رئيس وزراء غير شيوعي في أوت 1989 ونجحت نقابة” سوليدمارنوش” في أول إنتخابات حرة عرفتها بولونيا في بداية 1990. وفي بلغاريا استقال رئيس الوزراء يوم واحد بعد إنهيار جدار برلين لتنتهي بذلك التجربة الإشتراكية في أول انتخابات حرة في بداية 1990. أما في هنغاريا فقد فقد الحزب الشيوعي شرعيته القيادية بعد الإضراب العام في نوفمبر1989 و الذي أدى إلى سقوط حكومة “أدماك” و ثلاثة أيام إنسحب الرئيس “هوساك” ليقع إنتخاب الكاتب الكبير فاتسلاف هافيل رئيسا للجمهورية و ألكساندر دوبشاك, الذي يعتبر رمز إنتفاضة “ربيع براغ 1968” رئيسا للبرلمان. غير أن الوضع في رومانيا كان أكثر تعقيدا، لأنه لم يكن هناك مركزا سياسيا مقابلا وكانت قوى المجتمع المدني ضعيفة مما ترك المجال “للشيوعين الجدد” الذين عملوا تحت الرئيس المخلوع تشاوسيسكو والذي قتل فيما بعد، للمسك بزمام الحكم ست سنوات كانت كافية لظهور قوى ديمقراطية صاعدة أخذت فيما بعد دواليب الحكم.

نستخلص من كلّ هذه التجارب أن مطالب الشعب التونسي باجتثاث بقايا النظام البائد والمتمثلة في رموزه السياسية والحزبية تعتبر امتدادا منطقيا وتجاوبا مع ثورته التي أطاحت بحكم بن علي الدكتاتوري كما تعتبر خطوة هامة من أجل بناء المجتمع الديمقراطي المتوازن. فخصوصية المجتمع التونسي وقوة فاعلياته السياسية المتمثلة في القوى المجتمع المدني تخول له إعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع.

إن إعادة البناء هذه لا يمكن حصرها في المجال السياسي فقط وإنما يجب أن تتعدى إلى كلّ المجالاتَ: الإقتصادية, الإجتماعية, الثقافية وحتّى التربوية لأنّ كلّ هذه المجالات كانت تحت سيطرة الحزب الحاكم ولفترة زمنية طويلة. فالقطيعة مع الماضي لا تتم وهياكل النظام القديم ما زالت قائمة وما المطالبة باستقالة الحكومة المؤقتة أو بتغيير بنيتها إلا تعبير عن هذه الرغبة. فالفعل الإنساني لا يخلو من الإنفعال الحسي والوجداني وهو عادة ما يكون محددا في الفعل السياسي. إن الجماهير التي عانت الفقر والقمع وانتفضت على هذا النظام وتكبدت خسائر بشرية و كانت مستعدة أكثر للتضحية، لتطيح بالدكتاتور لن تقبل أبدا بعد رحيله ببقايا نظامه.

كما يجدر أن نذكر أننا نتابع في وسائل الإعلام المرئية والسمعية والمكتوبة والتي كانت البارحة معضمها تمجّد وتمدح نظام الحكم البائد لتصبح اليوم البوق الداعي للحرية والديمقراطية معتبرة أنها كانت ضحية نظام الحكم السابق في سيطرته المطلقة على وسائل الإعلام و ضربه الفاجع لحرية الرأي واحتكاره الحقيقة. إن عقلية الضحية (Victimisation/ identité de victime) هذه ليست إلا تنصّلا من المسؤولية ومحاولة للهروب من المحاسبة، حيث عندما يصبح الناشطون في التجمع نفسهم ضحايا مثل غيرهم (حوار لمحمد الغرياني- الأمين العام الحالي للتجمع) فهذا يصبح استهزاء وتجريدا للذات.

نعم تبقى المصالحة الوطنية مطلبا مشروعا. فبعد كلّ تجربة فاشية دكتاتورية قاسية تكون هناك رغبة في بناء وإعادة تشييد مؤسسات الدولة والمجتمع بعد الإطاحة بها. ولكن للمصالحة خصوصياتها وِآلياتها فهي لا تتم دون محاسبة ولا تتم المصالحة بالقفز على الحقائق والتخفي وراء أقنعة تغطي تورط السلطة والإدارة والحزب الحاكم والأشخاص. المصالحة لا تتم إلا بقراءة نقدية معمقة للإرث التاريخي و السعي إلى معالجة الماضي لأخذ العبرة منه و لتجاوز الفساد السياسي و الثقافي, الذي ساده. تختلف المحاسبة بالطبع من شخص إلى شخص وتبدأ بالرموز السياسية والحزبية لتشمل الإطارات الإدارية ثم الإداريين العاديين والناشطين القاعديين للحزب المتورطيين في أعمال جنائية أو أخلاقية كالتوشية والتخابر عن الأشخاص.

ويعتبر النسيان والرغبة الملحة في البناء وإعادة التشييد والنظر إلى الأمام وتجاوز الماضي والتفائل الفلسفي للمستقبل أكبر عائق في تحقيق المحاسبة وبالتالي المصالحة. هنا يأتي دور الفكر بمختلف مجالاته ليكون الذاكرة الحية ضد النسيان. إن تحدثنا عن التجربة الانتقالية في دول أوروبا الشرقية سابقا يمكن كذلك التطرق لفترة المصالحة وإعادة البناء التي شاهدتها ونستلهم منها ما نراه صالحا ونموذجا لنا لتخطي مراحل الدكتاتورية ولتجنب تكرار الماضي.

حمزة شورابي
باحث في العلوم الثقافية / برلين