بقلم صلاح بن عيّاد، شاعر تونسي،

السّادة الكرام أعضاء الحكومة المؤقتة التونسيّة: وبعد اطّلاعنا على القاموس وذلك بعد عقود من حرماننا منه وعدم مشاركتنا فيه ولو بحرف واحد وحيد، بعد اطّلاعنا عليه في مادّة (ث ـ و – ر) اتّضح أنّ مجرّد المعاني اللغويّة لهذه المادّة صعبة المنال لأنّها تصبّ في تغيير من نوع عميق.

فيقال مثلا ‘ ثار ثورة الأسد’ ـ حال أغلبيّة الشعب التونسي – معناه تبدّلت بشاشته عبوسا، وبين البشاشة والعبوس علاقة تضادّ كما يقول ابن عبد ربه في كتابه المعروف ‘ صبح الأعشى’ ليضيف معلّقا الـ ‘ نعمة ( وحدها) سكّنت ثورة وأطفأت فورة’ فالثورة مربوطة بالفورة وشعبنا لم يعش من الثورة سوى فورة لا غير.

لكننا لن نكتفي بالمعنى اللغوي لها أي ‘ الثورة’ فإن قواميس مختصّة سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة تعرّف هذه الثورة في معناها الاصطلاحي على أنّها ـ كما يعرّفها قاموس فرنسي مختصّ بالقول ‘ هي التغيير والانقلاب الهامّ والعميق في حياة أمّة من الأمم وهي تنسحب على مجالات شتّى ‘ اجتماعيّة، سياسيّة…’ أمّا على المستوى السياسي فإنها ـ تلك القواميس – تكاد تعيد نفس الكلام لمفهوم يتكرر وفحواه ‘ هي إزالة أو محو sureion بطرق تكون أحيانا دمويّة ـ وقد كانت دمويّة في الحالة التّونسيّة – ( محو) النظام أو الأسلوب السّياسي القائم وتعويضه بآخر مختلف ـ تمام الاختلاف طبعا’.

في رواية للفرنسيّ ‘ بلزاك’ قال رجل أعمى متحدّثا عن ابنته لبعض الحاضرين ‘ استمعوا إليّ، ابنتي وقعت في الحبّ، أحسّ هذا الأمر بل أراه… هو نوع من الثورة التي تعتمل في صدرها ولا أكاد أدرك كيف لم تنتبهوا لذلك..’ لقد وقع التونسيّ في حبّ تونس وكانت تلك الثورة بمعانيها القاموسيّة وبفعل ذاك الحبّ تعتمل في صدره ولا ندري ـ كهذا الأعمى في رواية ‘ بلزاك’ تماما- كيف لم يتفطّن الرّقيب السّابق إلى ذلك؟.

أمّا بالرّجوع إلى الكتب التّاريخيّة فقد لاحظنا أن ثورات العالم التي تقلّ أحيانا في دمويّتها عن دمويّة ما يسمّى ‘ ثورتنا’ التونسيّة قد أفرزت ما تبيّنه كلّ القواميس. فهي ثورة حملت أسماء عديدة منها ‘ الياسمين’ ولعلّ ذلك من أجل التّأكيد على شكلها المسالم والشعريّ مثل ثورات أخرى شهيرة اختارت أسماء من الورود منها الثورة البرتغاليّة التي حملت اسم ‘ ثورة القرنفل’ سنة 1974، و’ ثورة البرتقال’ في أوكرانيا سنة 2004 و’ الثورة الهادئة’ في كندا سنة 1960 لكنها ثورات كما تعلمون اتسمت بالحسم وبـ ‘ الحزم’.

لكننا لم نكتف بهذه الأمور قلنا وفي تونس بما أنّ كل الوجهات المحلّلة ترى أنّ الثورة التونسيّة هي حالة خاصّة وفريدة لذلك تركنا فرضيّة أنّ مفهوما خاصّا لتلك المادة اللغويّة (ث، و، ر) بصدد التشكّل هذه الأيّام… وتعمّقت حيرتنا فكيف لنا بلورة ما يجري في تونس والتحقّق من أنّ هذه المادة صالحة لغويّا واصطلاحيّا للحالة الثوريّة التونسيّة؟. وبعد صمت أضفناه إلى صمت ‘ عقدي بن علي’ وتفكير وتثبّت مشوب بعناء الشرود في الشوارع والصّحف ووسائل الإعلام كنا لاحظنا في قراءة أو شهادة سريعة ما يلي: في الشّارع، تتحوّل الدّيمقراطيّة إلى مجرّد استعراض عبر حلقات نقاش وثرثرة خارجة عن أفواه يابسة. وفي الشارع أيضا حرباء تتدرّب على ألوان جديدة، وفيه الملتقط لخبزة ‘ فكاهيّة’ أو صحافيّة أو سينمائية إلى غيرهم من أولئك الذين لا يخفون على أحد وهم المحوّلون لتلك المادّة اللغويّة والاصطلاحية لـ ‘ ث، و، ر’ إلى قطع نقديّة للجيب الخاصّ.

أمّا في الإعلام فإنّ الجميع يلحظ اعتقادا واحدا للإعلاميّ المتمثّل في أنه يرى أنّ وجوده مرتبط بالتكلّم باسم السلطة، معنى أنّه ما زال ـ الإعلام وبطرق ملتوية يلغي الشعب الواسع القابع في العراء وفي التعتيم. الأمر الذي ينسحب على الصّحف بجميع أنواعها إذ هي لا تختلف إلا بعدم نشرها في افتتاحيتها لصورة واضحة لشخص واضح تختزل فيه السّلطة.

أمّا في صفوف الشعب فإنّنا وبعد عدم تركيزنا على أولئك الذين يبحثون في ‘ كعكة’ الثورة عن نصيب فإنّ وجوها مستبشرة تقف إلى جانب حكومتكم ونكاد ننفي أنّها من الشرائح التي لا تهتمّ سوى لـ ‘ سيرة الجيب’، الجيب المتضرّر في هذه الأيام إثر شلل جزئيّ أو كلّيّ في حركة الاقتصاد، وآخرين وهم أغلبية ما زالوا يكرّرون كلماتهم رغم فراغ الجيب والتي تصبّ في ما يتلاءم مع المعنى القاموسيّ للمادة المذكورة. هذا المعنى الذي لن يتبلور إلا بتغيير جذريّ لنظام أخذ من أعمارنا القصيرة ما يكفي. وعليه، فإنّه لا بدّ أن نستطرد كما استطرد الكاتب العربيّ أبو العلاء المعرّي في رسالته وذلك بالقول أنّ القول وحده لا يكفي لدخول الجنّة وأنّه ومن ناحية أخرى لا تكفي رائحة ( نتنة) لرفض زوجة وأنّ امرأة غزلت من الصّوف ما يكفي كانت جديرة بأن تحصل على منزل فخم في تلك الجنّة.

وبناء على ما سبق من كلام فإنّ القول لا يكفي لكي تتبلور ثورة تونسيّة في القاموس وفي كتب التّاريخ، بل ولا يكفي فم طيب الرّائحة أو دونها في بلورة ذاك المفهوم ولا تكفي أصابع تغزل ببرود صوف الثورة في كواليس الحكومة المؤقّتة. لذا نحن نرى كشباب صرفنا خوفنا وأخطأتنا خراطيش النظام المنقَلَب عليه مع أننا كنا مستعدين لتقبل تلك الخراطيش.

واحتراما لأشخاصكم الكريمة فإننا نلتمس منكم على أساس ربّما لم تفكّروا فيه، أن تتركوا معنى المادة اللغويّة والاصطلاحية لـ ( ث، و، ر) أن يتطابق مع ثورتنا التّونسيّة، وأن تحرسوا هذا المعنى بل وتأخذوا بيديه حتى يصل سالما منذ القاموس إلى الشارع التونسي بكل أطيافه وبكل مؤسساته.

كلّ ما نريد ـ كشباب استغنى عن بعض حيواته – هو أن تدخل الثورة التّونسيّة القاموس اللغوي والمختص بكل ثقة وبلا عراقيل وأن تنجو من كلّ الألاعيب السياسية وحساباتها التي لا نملك أمامها شيئا والتي ‘ تغزلون صوفها’ ونحن لا نراكم ولا نرى أصابعكم ولا أطراف أصابعكم.