Kasbah- Photo par Winston Smith

الكاتب: الأستاذ مراد الفضلاوي

إن نجاح الثورة في تحرير البلاد من نير الاستبداد، لا ينبغي أن ينسيني
أنه يجوز في الثورات ما لا يجوز في غيرها. من ذلك ما يتعلق بما اصطلح عليه بديمقراطية الشارع أو كما يسميه البعض أيضا بديكتاتورية الشارع. والأمر في نظري يحتاج إلى أن نقف عنده بكل مسؤولية. فما مدى مشروعية النزول إلى الشارع من أجل انتزاع الحقوق؟ و متى يمكن لهذا السلوك أن يتحول إلى ديكتاتورية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تختلف باختلاف أنظمة الحكم و تختلف أيضا باختلاف الغاية من النزول إلى الشارع أما النزول إلى الشارع من أجل التعبير عن الرأي فهذا أمر لا خلاف فيه، و يجب أن يكفله الدستور للجميع. و لكنني في هذا المقال أعالج ظاهرة النزول إلى الشارع من أجل الحكم كتغيير النظام و سن القوانين والاعتراض على التعيينات الحكومية في المناصب السيادية و غيرها ؛ففي ظل الحكم الاستبدادي الذي تنعدم فيه المؤسسات التي تمثل الشعب و تدافع عن حقوقه من برلمانات و هيئات حقوقية و قضاء مستقل مثل ما (كان) سائدا في تونس أو في كل الدول العربية، لا يملك الشعب إلا إن ينزل إلى الشارع لانتزاع حقه بيده و هذا ما حدث في تونس أثناء الثورة الشعبية؛ منذ 17ديسمبر2010 والى حدود منتصف جانفي(يناير) 2011خلال هذه الفترة تجسمت البطولة الحقيقية؛ بطولة أولئك الذين واجهوا الرصاص الحي؛ بطولة الشهداء و الجرحى و المعتقلين. أما بعد سقوط النظام فقد أطلت علينا فئة أرادت أن تغنم من الثورة و لا يسعني إلا أن أقول فيهم قول الشاعر:

” و في الهيجاء ما شرفت نفسي….و لكنني في الغنيمة كالغزال.”

هؤلاء مثلوا ديكتاتورية الشارع أحسن تمثيل. و قدموا خدمة كبيرة لأعداء الحرية بمحدودية أفقهم وانحرافهم بالثورة عن مسارها الحقيقي.

أما الفئة الثالثة التي مارست النزول إلى الشارع من أجل التغيير فهي فئة المعتصمين و المتظاهرين بعد سقوط النظام من أجل إتمام الثورة و هؤلاء كان تظاهرهم مشروعا لسببين اثنين: السبب الأول يتمثل في غياب حكومة منتخبة تمثل الشعب و تعبر عن طموحاته والسبب الثاني يكمن في طبيعة المطالب الوطنية غير الحزبية ولا المهنية ولا الشخصية التي رفعها المعتصمون و المتظاهرون .و ما استجابة الحكومة لمطالبهم إلا دليل على مشروعيتها.

و مادام الأمر كذلك فهل نواصل اللجوء إلى الشارع وسيلة للحكم بعد قيام دولة ديمقراطية ؟

الجواب: قطعا لا.لأن ديمقراطية الشارع تنتهي عندما تبدأ ديمقراطية البرلمان.

دون أن يعني ذلك طبعا حرمان الناس حقهم في التظاهر كأداة للتعبير عن الرأي. ذلك أن من مخاطر ديمقراطية الشارع أو ديكتاتوريته نزول فئة قليلة إلى الشارع لترغم الأغلبية الصامتة عن الخضوع لإرادتها و هذا يتنافى مع الديمقراطية بما هي حكم الأغلبية لا الأقلية مع ضمان حق الأقليات السياسية في المشاركة من خلال المؤسسات القانونية.أما إذا صار الشارع مسرحا للمواجهة بين الفرقاء السياسيين وخرجت الأغلبية عن صمتها و نزلت إلى الشارع أيضا للدفاع عن حقوقها الدستورية فقد يكون العنف آنذاك بديلا عن الحوار، و هذا ما شاهدناه في اليمن منذ أيام. وفي ما يتعلق بالشأن التونسي و ربما المصري أيضا و نحن مقبلون على انتخابات ديمقراطية قد تعري بعض الأحزاب التي لا تعرف حجمها الحقيقي و يمكن أن يدفعها وقع الصدمة الذي سيكون عنيفا لا محالة إلى اللجوء إلى ديكتاتورية الشارع للانتقام من صناديق الاقتراع التي عودتها بالسخاء أيام التزوير و هذا سيمثل تهديدا كبيرا للديمقراطية و للسلم الأهلي. و المعلوم أنه ليس من العسير جمع الآلاف للنزول إلى الشارع في بلد عدد سكانه بالملايين.أما في المجال السياسي فستسبب ديكتاتورية الشارع عائقا كبيرا أمام قيام أي حكومة بمهامها مهما كانت شعبيتها.

و في الختام يجوز لنا أن نتساءل: ألا يكون من الأنجع سن قوانين تنظم المظاهرات، بعد قيام دولة ديمقراطية و تحقيق استقلال القضاء، ليكون التظاهر أداة للتعبير و ليس أداة للحكم. و يلجأ أصحاب الحقوق إلى البرلمان و إلى القضاء بدل النزول إلى الشارع؟.