بقلم مهدي قوبعة*،

يعتمد القانون التونسي في تشريعه لمسألة تقسيم الميراث على النص الديني الذي يحدد نصيب كل شخص. و قد وجد البعض أن في هذا التقسيم ظلما بحق المرأة باعتبار أن نصيبها في بعض الحالات هو نصف نصيب الرجل، و هذا يخالف مبدأ العدل و المساواة بين الجنسين. و هنا يجب الإشارة إلى أن هؤلاء المنتقدين للقانون التشريعي يمكن تصنيفهم كالآتي:

* صنف أول: منتقدون يحاولون التوفيق بين الطرح الديني و مفاهيم الحداثة

* صنف ثاني: منتقدون لا يتقيدون بمرجعية دينية و يدعون للمساواة من منطلق العدل في بعده الإنساني

طرح الصنف الاول: يرى هؤلاء أن السبب في تفضيل الرجال على النساء كما ورد في القرآن، قائمة اساسا على تكليف الرجال بالقوامة على النساء. فقد كانت المرأة في السابق عبئا على الرجل حيث يوفر لها المأكل و المشرب و ينفق عليها وعلى أسرته فخصص له المشرع نصيبا اكبر تماشيا مع واجباته، أما اليوم فقد أصبحت المرأة مستقلة ماديا وخرجت إلى العمل و تساهم في الإنفاق على أسرتها مثلها مثل الرجل. فالمرأة اليوم هي ند للرجل لها دورها البارز في الحياة الاقتصادية و لا مبرر لأن يقع حرمانها من الميراث. فان انتفت الشروط انتفى الحكم و هذا مبدأ عام في أصول الدين. و تدعم هذه الرؤية أيضا مرونة التشريع الإسلامي و تكيفه مع الواقع، و التاريخ الإسلامي مليء بالأمثلة: فقد علق عمر بن الخطاب العمل بحد السرقة مثلا في عام انتشرت فيه المجاعة بين المسلمين. يذهب البعض أيضا إلى اعتماد التفسير المقاصدي في القرآن فقد جاء الإسلام و أعطى للمرأة حقوقا لم تكن تتمتع بها إذ لم تكن لها نصيب في الإرث بتاتا و إنما تورث مثلها مثل الممتلكات الأخرى، و إن راعى الإسلام الوضعية الاجتماعية في تلك الفترة و لم يقر المساواة التامة لاعتماده التدريج و لكن الغاية هي إعطاء المرأة حقوقها و تبقى المساواة هي الهدف.

نقد الطرح: ليس لي في هذا المقال ان افصل مسائل دقيقة أساسا هي مسائل فقهية و تاريخية تحتاج لدراسة معمقة حتى يكون الرد ملما بكل التفاصيل. و سأكتفي بالحديث باختصار عن مواقع التهافت في الطرح.

أولا: إن مسألة تفضيل الذكر على الأنثى ليست قاعدة عامة و إنما وردت في أربع حالات فقط مقابل 25 حالة ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.

ثانيا: إن حصر سبب التفضيل بين الأخ و أخته على التكليف بالانفاق فقط يحتاج إلى عمل أكثر جدية و منهجية أكثر وضوحا. فبإمكاني اعتمادا على هذا الأسلوب في الاستدلال أن أتجاوز حتى ابسط المسائل الأخلاقية مثل بر الوالدين، إذا اعتبرنا أن بر الوالدين مثلا جاء في ظروف اجتماعية قاسية حيث يحتاج الأبوين إلى سند أبنائهم المادي و المعنوي، فاليوم و في ظل توفر جراية التقاعد و دور العجز يمكن تجاوز هذه الأحكام و الالتفات بالظهر للوالدين و هو ما يحصل في أوروبا. و من باب الجدل أتساءل لماذا لا يكون المقصد من التشريع الإلهي في الإرث هو البت في الخصومات بين أفراد العائلة حول المقادير. إن تجاوزنا النص في نقطة فيمكن إعادة النظر في المقادير المخصصة لكل شخص و هو باب يفتح للخصام و بالتالي لم نراع الحكمة من التشريع.

ثالثا: إن نظرنا إلى المجتمع ككل و ما دمنا في مجتمع لا يؤسس الزواج فيه على المثلية فلا فرق بين أن يأخذ الرجل كمية أكبر أو أقل من المرأة ففي كلتا الحالتين سيعود النفع لكليهما.

رابعا: إن الإيمان بالله يتطلب حدا أدنى من الثقة في المشيئة الإلهية الساعية حتما إلى تحقيق العدل بما أن الله قد حرم على نفسه الظلم. فربما لا نحيط بكل معطيات المعادلة فتجعلنا نتسرع في الحكم على ظاهر الأمور.

طرح الصنف الثاني: المرجعية الفكرية لهؤلاء تستند أساسا إلى القيم الإنسانية المبنية على العدل فتدعو إلى المساواة بين المرأة و الرجل و بما أن هناك تمييز بينهما و تفاضل في الإرث فهم يدافعون عن المساواة التامة بينهما.

نقد الطرح:

على المستوى النظري: هنا يجب ان نتناول الوضعية من كل جوانبها فمن يدعو إلى العدل اعتمادا على العقل فحسب فعليه أن يكون منسجما في أفكاره و يتبع ما تؤول إليه منهجيته. سنعتبر كل الثنائيات التي يمكن استخراجها في علاقة بالميراث: رجال- نساء، كبار- صغار، أغنياء- فقراء، أقرباء- غير أقرباء، معوقين- أصحاء و من باب الإنصاف إن دافعنا على المساواة بين ثنائية فيجب الدعوة إلى المساواة بين كل الثنائيات الأخرى. لماذا نحرم الآباء من الإرث و إن ساهموا مباشرة في تكوين ثروة المتوفى و نعطي الأولوية للأبناء و لماذا يأخذ الابن الغني نفس القدر الذي يأخذه الابن الفقير للمتوفى ألا يجب مراعاة مقدار الاحتياج لتحقيق العدل، كذلك الشأن بالنسبة للمعوقين ألا يمثل نصيب اكبر من الإرث عزاءا يعوض له و لو قليلا عن مخلفات إعاقته. إن ندعو للمساواة و نعتبرها القيمة الأعلى ضمن مجموع القيم فلا مبرر أصلا للميراث على أساس القرابة، فكيف سنؤصل حصول أفراد على مدخول لم يتعبوا عليه و آخرون يكدون طول حياتهم للحصول عليه… أين المساواة في هذه الحالة؟ أليس من الأرجح لهؤلاء المطالبة بالمساواة للجميع في الإرث؟ …أليس الإرث آلية للظلم الاجتماعي فابن الفقير يبقى فقيرا وابن الثري يزداد ثراء؟… لماذا لا تأخذ الدولة كل الإرث و تعيد تقسيمه؟ أم يقولون أن مبدأ الملكية أعلى قانونيا من مبدأ المساواة و أسألهم هل يجوز إذن للمالك أن يبدد ارثه أو يوصي بالميراث لأبنائه كما يراه صالحا وان لم يكن بالتساوي.

على المستوى العملي: فرق كبير بين رفع الشعارات و التفكير الجدي في حلول للحياة العملية. و هذه الشعارات المرفوعة من قبل البعض تدفعنا للتساؤل عن الاستتباعات المنطقية لتطبيق المساواة المطلقة بين المرأة و الرجل دون اعتبار خصوصية كل من الجنسين أو وظيفتهما الاجتماعية المتكاملة. فان طبقنا اليوم المساواة في الميراث فيجب أن نطبق أيضا المساواة في قضايا أخرى تهم ثنائية الرجال و النساء. فمن جملة الأعراف و القوانين التي ستتأثر بهذه المسألة هو الزواج، فبالرغم من مشاركة المرأة في مصاريف الزواج إلا أن الرجل في واقعنا مازال مطالبا بتحمل النصيب الأوفر. فتصبح إذن المساهمة بالتكافؤ بين الزوجين و يجب حينها إلغاء المهر و كل الامتيازات التي تتمتع بها المرأة من مصوغ و هدايا… هل مجتمعنا اليوم منسجم ثقافيا مع هذه التغيرات؟ ونواصل تبعات هذه المساواة المزعومة، لنجد أنه من باب الاتساق المنطقي أن يكون الإنفاق بالتساوي بين الزوج و زوجته على متطلبات الأسرة. و يجب أيضا مراجعة القوانين المتعلقة بالنفقة، فلا مبرر إذن أن يتحمل الأب في حالة الطلاق وحده مستلزمات أبنائه… كل هذه الإجراءات يجب القيام بها لنكون على الأقل منطقيين و لكن… الواقع أن عددا هائلا من العائلات التونسية اليوم يعيشون على دخل الأب وحده أو في بعض الحالات على دخل الأم وحدها… ما هو مصير كل هذه العائلات كيف سنقنع الرجل أو المرأة بمواصلة الإنفاق من طرف واحد إن أقررنا مبدأ المساواة المطلقة؟ ماهو مصير العائلات التي تعيش على النفقة؟… أليست النفقة مكسبا اجتماعيا أولى بالدفاع عنها من مجرد رفع شعارات غوغاء. لنفترض جدلا أن هذه المطالب مشروعة، فهي لا تستجيب لمتطلبات الوقت الراهن إذ يجب ضمان عمل كل النساء و كل الرجال حتى تكون القوانين منصفة. و على أحسن تقدير هي مطالب تهم الأجيال القادمة فلماذا ننشغل بها الآن و في هذا الظرف و أولوياتنا أعظم بكثير… أليس من الأجدر أن يكون هؤلاء واقعيين و يوفرون شروط تطبيق الشعارات التي يرفعونها و يكرسون جهدهم لتوفير مواطن الشغل؟

المرأة و الرجل من منظورنا:

إن نظرتنا إلى قضية النساء و الرجال في المجتمع لا تخرج عن سياق تحليلنا لأي بنية أو ظاهرة ندرسها اعتمادا على منهجنا (منهج التوازن الديناميكي). إن العلاقة بين ثنائيات البنية هي علاقة تكامل و انسجام في إطار سعي البنية لتحقيق توازنها. إن المساواة كمبدأ نابع عن قيمة العدالة تتأصل انطلاقا من جوهر الأشياء و اعتبارا لخصائصها لا عن طريق إسقاط مفاهيم من خارجها، فثنائية الأذكياء و الأقوياء مثلا ليست متساوية بمنطق التماهي الوظيفي كي نشترط على الذكي أن يلعب دور القوي أو العكس فكل له مجاله و الكل له إضافته في المجتمع. فالعدل أن نتعامل مع الشيء كما هو لا بما نريده أن يكون. كذلك الشأن بالنسبة للمرأة و الرجل فلا أفضلية لعنصر على حساب الآخر فالقطبان ضروريان لتكوين المجتمع. و لكن لا نظلم الرجل و نطلب منه أن يقوم بدور المرأة و لا العكس. و العلم اليوم خاض أشواطا كبيرة في هذا المجال و أصبح من المعلوم اختلاف الاستعدادات الوظيفية بما يتسق مع بيولوجيا كل جنس و سنتناول في دراسة قادمة هذه المسألة بشكل مفصل.

* عضو المكتب السياسي بحركة التغيير الاجتماعي