قبل أيام، قال السيّد الباجي قايد السبسي ، في معرض تعليقه على تصريحات فرحات الراجحي وزير الداخليّة السابق أنّه لا وجود لحكومة ظلّ لأنّه لا يحبّ من يشاركه في الحكم. و اليوم، تبشّرنا الهيئة العليا للانتخابات أنّ هذا الحكم قد يدوم أكثر لرئيس الحكومة و من معه و هي النتيجة الأولى لمقترح تأجيل الانتخابات لتوفير الأسباب الكفيلة بإنجاحها.

الأسباب التي مازالت لم تتوفّر في نظر هذه اللجنة و ما أكثر اللجان، “هي جملة من العمليات التقنية التي ينبغي انجازها بهدف الإعداد الجيد لهذا الموعد الانتخابي ومنها تركيز الهيئة المركزية للهيئة وجهازها الإداري والمالي والفني وتهيئة فروعها الجهورية وضبط مراكز التسجيل وتهيئتها وإعداد برامج تكوين موجه للإطارات المشرفة على العملية الانتخابية وإعداد وتنفيذ الحملات الإعلامية و التحسيسية لانطلاق العملية الانتخابية.”

و المتأمّل في هذه القائمة التي تضمّ هيئات أخرى و فروع لها و إطارات و برامج لتكوينها يبعث على المزيد من الخوف و التوجّس، و ليعذرنا المطمئنّون و أنصار الاستقرار و الثقة بالحكومة و الهيئات التي جاءت بعد الثورة، فقد علّمتنا أوطاننا أنّ العديد من المؤامرات كانت تحاك لنا من خلف الحجب و في شتّى المواعيد الانتخابيّة ولطالما أقنعونا بأنّ المصلحة العليا للوطن اقتضت كذا و كذا، لنكتشف بعد ذلك حجم الدمار و الخراب الذي كان مخطّطا له بدعوى الإصلاح و الانتقال الديمقراطيّ و تهيئة الأوضاع لضمان العيش الكريم للمواطن و غير ذلك من الشعارات الجميلة التي ترفع في الأوقات الصعبة و تستهلك في مختلف وسائل الإعلام لتخذير الناس بتلبية بعض رغباتهم فيما يحبّون سماعه، حتّى إذا استقرّت الأوضاع و كلّت النفوس، عادت الآلة القمعيّة لترتدّ بالجميع إلى الوضع الذي تراه أسلم من غيره فتكبّل الأحرار من جديد و تكمّم الأصوات التي نادت بالحريّة و الديمقراطيّة و تعيد الذين “يصلحون لحكمنا” ليتربّعوا من جديد على تلك الكراسي التي غادروها مكرهين و ينتصبوا مرّة أخرى أوصياء على الشعب. و الحقّ أنّ في بلدنا تونس الكثير من هؤلاء الذين يزعمون أنّهم أولى من غيرهم لحكم البلاد و العباد و لا بدّ من الإعداد الجيّد و التريّث

و الحكمة لتمهيد سبل العودة بهم إلى سالف نشاطهم ، فلماذا العجلة الآن؟

تلك إذن جملة المخاوف التي يقدّمها المعارضون لتأجيل الانتخابات خاصّة و البلاد مازالت تمرّ بتقلّبات و اضطرابات أمنيّة قد يساهم تأخيرها في مضاعفتها بما يضع مستقبل الديمقراطيّة في مصير مجهول. و لعلّنا لا ننكر ما يلزم تلك الانتخابات من حسن الإعداد و صعوبة إنجازها في الموعد المعلن أوّلا و لكنّنا لا نستطيع إغفال مسؤوليّة الحكومة الأولى في ما حدث من تعطيل و تباطؤ أضاع الكثير من الوقت، و دور الحكومة الثانية التي عبّرت عن شكوكها مرارا في إمكانيّة الإيفاء بذلك الموعد الانتخابيّ و أدخلت الشعب التونسيّ في مناخ من الغموض و اللبس بل و الخوف و هي تحدّثنا عن أطراف مخرّبة و أخرى إرهابيّة تتربّص بالثورة ثمّ تتحفنا بجملة من البطولات في قبضها على ما تقول إنّها عناصر من القاعدة لا نعلم عددها فمن إثنين نمرّ إلى ثلاثة أحدهم في حالة فرار ربّما لمزيد التخويف و لندخل مع وسائل الإعلام الرسميّة و الفايسبوكيّة في جدل عقيم يدوم أيّاما ذكّرنا بتلك الآية من سورة الكهف في قوله تعالى:”سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا. [الكهف 22]

و السبب الوحيد لهذا الجدل و أمثاله ممّا حدث بعد الثورة أنّ الحكومة لا تريد أن تقول لنا كلّ الحقيقة في كلّ ما يجري من حولنا و هي تخفي عنّا الكثير، و ما تعلنه لنا يواجه بشكوك يتأكّد أغلبها لاحقا كما وقع مع روايتها عن عناصر القاعدة و عددهم الحقيقيّ فأضرّ بمصداقيّتها خاصّة حين عرف الجميع أنّ القاعدة إنّما رحّبت على لسان بن لادن بثورتنا و بثورة الشعب المصريّ فكيف نصدّق أنّ استقرار وطننا هدف من أهدافها؟

إنّ ما تزخر به تونس من خبرات في شتّى الميادين لدى رجالها و نسائها و ما تقدّمه التكنولوجيّات الحديثة من حلول لربح الوقت لكفيل بضمان المحافظة على الموعد الأوّل للانتخابات التي ينتظرها شعبنا حتّى يطوي صفحة سوداء من تاريخه، و يسلّم الأمانة لمن يثق بهم لكتابة دستوره الجديد، و يعطي مقاليد الحكم لمن يرى فيهم عزما صادقا لخدمة الوطن و الخروج به من مراحل الفساد و الدكتاتوريّة إلى عهد النماء و الحرّيّة و الكرامة، و ما أحوجنا إلى ذلك في أقرب وقت ممكن لأنّ كلّ تأجيل للمسار الانتخابيّ إنّما هو تعطيل للخيار الديمقراطيّ و امتداد لحكومات شبه شرعيّة لا تخلو من رجال حكموا في عهود الظلم و الاستبداد و لبعضهم علاقات و مصالح و بعضهم الآخر مازال يفخر بأنّه لا يحبّ من يشاركه الحكم.

السرعة ليست دائما خطرة، لذلك نرى في وضعنا اليوم أنّ في التأنّي الندامة و في العجلة الديمقراطيّة.

عبد الرزاق قيراط – تونس.