بقلم لطفي عيسى،

يعرض هذا المقترح الذي لا همّ له مبدئيا غير الارتقاء بسائد الثقافة والخطاب ضمن المشهد السياسي التونسي، جملة من التصورات تعكس واقع السجال حول الممارسة السياسية بمقياسها الكوني وذلك من خلال معاودة زيارة حرّة لمقترح فلسفي لا يخلو من هواجس مدنيّة حاول البحث في خصوصية العلاقة التي تربط الرأسمالية كمنظومة اقتصادية كونية حاضرا بالأخلاق في مدلولها الديني والعقلاني والنفعي أو الذرائعي.

في مجافاة الرأسمالية للأخلاق في مدلولها الديني (1) :

تعرّف الرأسمالية بأنها نظام إنتاج وتبادل للسلع يعمل ضمنه من يملك رأس المال الأصلي إلى الرفع من ربحه عبر استغلال مجهود مؤجَريه من شغل أو خدمات بعد قبولهم ببيعه أو تأجيره مقابل التعهّد بصرف مستحقاتهم، علما أنه بمقدورنا سحب تلك الصفة على وضعية صاحب المال أو مقترضه بشرط استفادتهما من الأرباح التي تدرها مثل تلك العلاقة. ويبدو الربح الشخصي ونقصد فائض القيمة أو هامش الربح المترتب على الرصيد المستثمر هو هدف صاحب رأس المال الأوحد، تماما مثلما تنحصر رغبة المؤجَر في التمتع بأعلى الرواتب التي تتيحاها العلاقة الشغليّة التي تربطه بالمؤجِر. مما يترتب عليه حصول مواجهة مفتوحة أو مكتومة بين الطرفين، وذلك من خلال البحث عن تطوير الأرباح من جانب، والحصول على أعلى الأجور في الجانب المقابل.

وهكذا تُحوّل الرأسمالية الأموال المستثمرة إلى علاقة استغلال بين المال والعمل هدفها توفير الربح للمستثمِر وبناء مناخ تهيمن على العلاقات الاقتصادية كما على الأطر الاجتماعية للإنتاج والتبادل ضمنه الأنانية، إذ ليس من المطلوب من منظومة اقتصادية تعلي من قيمة الربح أن تلتزم بالتحلي بخُلق الإيثار، حتى وإن بقي مدلول ذلك الخُلق نفسه ملتبسا اعتبارا إلى إمكانية التمييز بين معنيين متعارضين ضمن التعريفات السائدة له:

فإما أن يكون المقصود بذلك بناء علاقة إيثار صرفة بالآخرين تخضع لمجموعة من القيم يحضّ جميعها على الاتسام بالكرم ومغالبة النوازع النفعية وتقديم المساعدة المجانية والقبول بالتضحية بالمصلحة الخاصة خدمة للمصلحة العامة، وهو معنى الإيثار من وجهة نظر الأخلاق الدينية التي أسست لقيم التراحم والتكافل، أو أن يكون المقصود من ذلك ربط الفعل بالمسؤولية لا بالمصلحة أو بالرغبة الحسيّة وهو ما لا يتعارض مع المدلول الأول للأخلاق استنادا على احترام الحقوق وصون كرامة الغير دون حاجة إلى استبطان تلك القيم من وجهة نظر دينية.

وإن كان ليس بوسع الرأسمالية ادعاء تبنّي مثل هذا التصوّر العقلاني للأخلاق، فإن ذلك لا يجعل منها منظومة لا أخلاقية بالضرورة، فهي معنيّة وفي أفضل الحالات باحترام القوانين الكونية التعاقدية ذات الطابع النفعي للتعامل بالمثل، شريطة وفاء كل متعاقد بالعهود المقطوعة والحقوق المترتّبة عليها تجاه الآخرين، دون الحاجة إلى إعلاء أي سجل أخلاقي، دينيا كان أم عقلانيا.

وعموما فهذه ليست بوجهة نظر الأخلاق من المنظور الديني حيث تلعب فلسفة الحب المبنية على التراحم في الديانة المسيحية مثلا دور الركيزة الأساسية. كما لا يمكن لقيم على تلك الشاكلة أن تعبّر عن نفسها خارج إطار العطاء المجاني دون حاجة مضمرة إلى الحصول على أي مقابل، مادي كان أم عاطفي. فالسلوك الأخلاقي من منظور ديني يدفع إلى مغالبة التصرفات الأنانية الـمُعليّة للمصلحة الخاصة إلى حد التضحية بالنفس تحسّبا لمرضاة الله وإثمارا لسلوك نبييه، لذلك تتعارض تصرفات الرأسمالي أو التاجر بالضرورة مع أخلاق المتدين الورع القابض على دينه العامل على التضحية بكل نفيس بغية نشر مضمون رسالة المحبّة الكونية. فهدف كلاهما هو الاحتكار الأناني للفائدة المالية في إطار المنافسة الشرسة والتعويل على الاستغلال، وهو ما يتنافى مع زعم محبّة الآخرين من دون شرط أو مقابل.

ومهما يكن من أمر، فإن أي إدعاء يزعم التحلّي بالرحمة ضمن سياق الرأسمالية ما هو في الحقيقة إلا عذر مختلق وقناع للمغالطة يتمثل الغرض منه في إخفاء تأصّل النوازع الأنانية والبحث عن كسب جانب من الشرعيّة في أعين الضحايا. لذلك شكّل التعويل على النفاق وتوظيف قيم الرحمة تصرّفا لا أخلاقيا على القطع، باعتبار أن الإسراف في المواربة والعزوف عن تقديم المساعدة، وهما أصل في السلوك الرأسمالي الـمُـتعلّل بفضيلة إعلاء الحرية الشخصية وتعديل الفوارق الناجمة عنها عبر حث الأثرياء على التعامل بسخاء مشوب بالرياء تجاه الفقراء، يكمن الهدف من وراء تشغيله في التعمية على الفوارق والحفاظ على هيمنة الأغنياء بتحويل من هم دون تلك المنزلة الاجتماعية إلى مجرد محتضَنين قانعين بمنطق الوصاية المستندة على الهِبة.

تُمثل المنافسة الاقتصادية ضمن هذا الإطار أداة للإثراء وفرض الهيمنة بفسح المجال للمنازلة الشرسة الحرة العارية عن أي شكل من أشكال التدخّل، مما يسهم في تعاظم التصرفات الشخصية الأنانية على حساب ما سواها. فتتحوّل الهِبَة ضمن هذا السياق إلى قيمة أخلاقية سامية تُستجلب للتذرّع بغرض مزيد تكديس الأرباح وإشباع أكثر التهويمات جنونا والإقبال النهم على الاستهلاك المنتج لنوع من الشعور الذاتي بعلو القيمة، إلى مصدر لمطلق المعنى، مما يحول منطقيا دون ظهور أي شكل من أشكال الإيثار باستثناء ما يسمح توظيفه بخطب ودّ الآخرين وكسب احترامهم.

البذل من أجل الحصول تلك قاعدة التبادل الأساسية، وحتى الهبة التي تبدو مجانية ظاهريا تحتاج إلى مقابل لها من خلال التعهّد أخلاقيا برد الجميل وخلاص الدين المبذول في مدلوله المعنوي. وهكذا يتم تدنيس العطاء الذي لا هدف له مبدئيا غير الرأفة بتحويله إلى دين مؤبد عبر نوع من المساعفة النِفاقِيَّة التي تغذي شعورا دائما بالذنب عير التذكير بالعجز عن رد الجميل وبقاء من شملهم الإنعام في التبعية.

تتسم الرأسمالية من هذه الزاوية تحديدا بلا أخلاقيتها، لأنها تتعارض بالكامل مع القيم الدينية أو الروحية السامية، لذلك فإن جميع من يمارس الرأسمالية مُدّعيا التمسّك بتلك الضوابط لا يمارس غير التضليل والمواربة. والأدهى أن مثل ذلك التصرّف الموسوم بلا أخلاقيته غالبا ما يعبّر عن نفسه من بوابة الدفاع عن الحرية الشخصية، في حين أن “شيطانيته” تتجلى في دفاعه عن أنانية مُزرية بحرية الآخرين، رافضة لكل تضامن أو إعلاء لقيم الأخوة الإنسانية المستندة على المحبة.

وهكذا فإذا كانت الرأسمالية معادية من حيث الهدف ومن حيث الوسائل للمبادئ الدينية، فإن المتديّن الحقيقي لا يمكن له أن يكون إلا مناهضا لها. لأن القيم الديانة الحقيقية ليس بوسعها نظريّا ومن حيث الأخلاق سوى التوافق مع تصوّرات المشاعة البدائية، وهو أمر تسهل ملاحظته تحديدا حال تعقّب ردود فعل الحواريين مثلا إزاء الجماعات المسيحية الأولى التي فضلت وباسم الإثمار الحقيقي لسيرة يسوع الاشتراك في امتلاك كل شيء، حيث مثلت آليات إعادة التوزيع ضمنها توجّها نحو التشارك أو الهبة التي تقدّمها الجماعة لكل فرد. وهو ما تصدى كارل ماركس لرفع تحدي تجسيمه من خلال مقترحه الفلسفي الشيوعي الطوباوي، المنكر للحق في الملكية الفردية لوسائل الإنتاج والتبادل، المعتقد في إدراك ذلك عبر إلغاء المعاملات النقدية والتجارية ضمن مجتمع متصالح ومساواتي ليس فيه مكان لفقير أو لغني.

فقد اعتقد ماركس أن البشرية ليست بحاجة إلى القضاء على المسيحية بقدر ما يتعين عليها وعلى النقيض من ذلك تحقيق جميع القيم التي دعت إليها تلك الديانة من خلال إنجاز ثورة شيوعية تلغي حق الملكية الفردية لوسائل الإنتاج والتبادل بتحويلها إلى ملكية جماعية في إطار مساواة فعليّة، لا مجرد مساواة أمام القانون يحصل بمقتضاها كل فرد على نصيب يتساوق مع حاجياته الحقيقية.

تبدو الرأسمالية إزاء تصوّر مثالي على هذه الشاكلة منظومة اقتصادية لا أخلاقية تأسست بغرض البحث المكدود عن تكديس الأرباح دون قيد أو حدّ، بينما يتسم الأثرياء ضمنها بنهم وشره لا حدّ لهما وباستغلال للفقراء من خلال تحويلهم إلى مجرد أدوات إنتاج. كما تكمن لا أخلاقيتها أيضا في تكثيفها لحملات الإشهار الحاثة على الإفراط في الاستهلاك وتغليب الرغبات المادية النرجسية على حساب توسيع دائرة التشارك والتكافل، الشيء الذي يُسهم في احتداد الفوارق الاجتماعية وتحوّل الرغبة في الحفاظ على ارتفاع نسب الأرباح إلى هدف سامي يدفع تراجعه إلى عدم التهيب من تكثيف الاستغلال ونقل مواقع الإنتاج إلى مواطن جديدة تسمح بإحكام الضغط على مصاريف الكلفة والتسويق.

وفي المقابل تتسم الأخلاق التي دعت إليها المسيحية أو الشيوعية أو العقلانية بإغراقها في مثالية فجّة فطموحها يتجاوز بكثير معقولية إدعاء توفّر سلوك بني البشر على مثل تلك القيم السامية. فجميع ما دعت إليه تلك التصوّرات الدينية أو الإيديولوجية أو الفلسفية لا يستقيم إلا في حق المنقطعين من أهل الصلاح وصفوة العقلانيين والرهبان الذين يعيشون خارج الاجتماع البشري، وكذا في حق الأشخاص الافتراضيين ممن تنعدم لديهم الرغبات الشخصية ويفتقدون لكل نرجسية.

على أنه ليس هناك ما يبرهن حقيقة على تنازل الأشخاص الأكثر ورعا ممن عرفوا بالعفّة والتقى بصرف النظر عن حاجتهم إلى الخلاص، عن مصالحهم الشخصية، حتى وإن تمثل ذلك في الإحساس برفعة المقام حال التوفُّق في نشر الخير طلبا لمرضاة الله. علما أن تلك التصوّرات الداعية إلى التآخي والاستعداد للتضحية بالنفس من أجل تحقيق ذلك لا تجعل من الآخرين أشخاصا متحرّرين بالضرورة من كل شعور بالدَيْن تجاه نوازع العطف والكرم التي طالهتم. فالشعور بالذنب الذي يخلّفه العجز عن ردّ الجميل يعمّق الإحساس بالفوارق الاجتماعية ويعيد إنتاج ذهنية التبعية، إما إزاء الغير أو إزاء إله متوحّش يدعو إلى التضحية بالغرض الواقعي من امتلاك الحرية والمتمثّل في خدمة الذات حفاظا على المصلحة الشخصية من أجل تحقيق هدف مثالي غير قابل للتطبيق يزعم القائمون عليه تكريس مدلول عميق للتضامن. وهو ما من شأنه أن يحوّل الأنانية إلى نقيض للحرية من خلال اعتبار الإيثار تحريرا للذات، والحال أن الرضا عليها مقترن بالتوظيف السليم لهذه الأَثَرَةُ الكفيل وحده بتحقيق تضامن واقعي بين الأشخاص الأحرار.

في معقولية الزعم بأن الأخلاق مصدر للقيم الكونية:

يبرز مثل هذا المظهر بالخصوص في القيم السياسية الدعية إلى تحقيق العدالة في نطاق احترام الحرية وعدم المساس بالمصالح الشخصية. وتعمل تلك التوجّهات على دعم جملة من الضوابط السلوكية تجعل من دوام التوافق المبني على تطوير المصالح المشتركة بين فرقاء السياسة وشركاء الوطن، أمرا قابلا للتحقيق، باعتبار ترسّخ ثقة الشركاء في تصرفات بعضهم البعض. وهو ما لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن توفّر إطار يكفل احترام العلاقات التعاقدية الضامنة للحقوق، من دون اضطرار إلى تخطي إطار المصالح الشخصية عبر التوسل بكونية القيم البشرية أو الاستنجاد بضوابط دينية متعالية. هذا هو المدلول الدقيق للأخلاق الاقتصادية المتّصلة بعالم الأعمال وبالضوابط القانونية التي يحتكم إليها دون لعب على الكلمات.

يتعين التنويه – اعتبارا إلى طبيعة الغايات التي تعمل الرأسمالية على تحقيقها- بابتعاد القوانين التي تنظم جميع أشكال تدخّل المنظومة الرأسمالية عن مجال الإيثار في مدلوله الأخلاقي، علما أن الهدف المعلن هو الحصول على الربح الـمُتوسل بإرضاء الحريف، الـمُندرج ضمن سياق المنافسة، لأنه حتى وإن عجزت المؤسسة الاقتصادية على احتكار السوق فإن أدنى تطلعاتها لن تخرج عن توفير الوسائل الكفيلة بالهيمنة عليها.

فهل أن قلة نجابة المنظومة الاقتصادية الرأسمالية من وجهة نظر الالتزام الأخلاقي في مقصده الديني يحول بالضرورة دون اتسام تصرفات المنتسبين إلى تلك المنظومة باحترام ضوابط قادرة على كسب مشروعيتها من وجهة نظر أخلاقية؟

ليس هناك ما يدعو، إذا ما قلّبنا المسألة من جميع جوانبها، إلى المسارعة بالردّ إيجابا، لأن من شأن ذلك أن يدفعنا إلى فقدان الثقة في سلامة أداء المنظومة الاقتصادية الرأسمالية بالرمّة، والحال أن سمعة التاجر واتصاف تصرفاته بالنزاهة مثلا مَرَدُهُما التزامه بالتعهدات التي يعقدها مع غيره منتفعا كان من خدماته أم شريكا له في إنجازها. ولا يخلو مثل ذلك التعهد من سمة أخلاقية تعمل السياسية في مدلولها الديمقراطي إلى صَوْنِها، لأن الرأسمالية معادية تلقائيا للمنافسة متجنية وغير عادلة في اندفاعها من أجل تحقيق ذريع الأرباح. لذلك تلعب الديمقراطية دورا محوريا في دفع هذه المنظومة إلى التمسك بحسّ متخلّق، عبر الالتزام بإرساء قدر كاف من العدالة الاجتماعية يجنّب المجتمع حلّ خلافاته باللجوء إلى وسائل عنيفة. علما أن تعاظم الفوارق الاجتماعية وتحوّلها بالتقادم إلى نوع من الجشع الممنهج والمفضوح هو ما يحوّل العنف الاجتماعي إلى عنف ديني بغيض يُسوِّق له خطابا يدّعي امتلاك حقيقة متعالية.

وهكذا فإذا كانت الرأسمالية لا تُحمل منطقيا على تلقائية امتلاكها لأي ضوابط أخلاقية، فمن قبيل العبث مطالبتها بأن تكون على تلك الشاكلة من تلقاء نفسها، بل يتعين أن تعمل السلطة في مدلولها العمومي على إجبارها على التمسّك بتلك الضوابط، طلبا لاستتباب الأمن وتحقيقا للسلم الاجتماعية. فترك الحبل على الغارب بالإعراض عن كل تدخل ينظّم العلاقات ويحُدّ من جسامة الفوارق الاجتماعية هو ما ينزع بالرأسمالية غالبا إلى تخطي جميع الضوابط الأخلاقية للمجتمع.

تحتاج الرأسمالية إلى ضوابط أخلاقية لبرالية تسمح بإرساء منظومة حقوقية تعاقدية، وهو معيار في منتهى الأهمية باعتبار أنها تجعل من مبدأ التعاقد، لا من تشغيل آليات العنف المادي السافر قانونا ساريا على الجميع وناظما للعلاقات البشرية. علما أن دعم التبادل يبقى الأفضل على الدوام بالقياس مع السطو على متاع الغير أو إشعال نار الفتنة والتقاتل بين فرقاء المصالح شركاء الوطن. لذلك يتعين ترك المدلول الديني للإيثار الذي لا يتجاوز تطبيقه الدائرة الشخصية أو الفردية ولا يمكن إجبار الكافة ضمن مجتمع لبرالي يتسم بالتعددية والديمقراطية على الإيفاء به جانبا، والتركيز في مقابل ذلك على دفع المنظومة الاقتصادية الرأسمالية بأسلوب ديمقراطي يضمن الحق في الشغل وفي الصراع الاجتماعي أيضا، إلى تبني إطار تنظيمي يسمح واقعيا بالتقليص من حدة الفوارق بين مختلف الفئات الاجتماعية.

على أن السؤال المربك حقا، هو كيف يمكن تحقيق مثل هذا الهدف والحال أن واقع الرأسمالية قد تخطى حاضرا وبشكل لا رجعة فيه الحدود التقليدية لأي كيان وطني، ونقل السجال السياسي من موقع الدفاع عن المصالح الوطنية إلى إطار لا يمكن الذهول معه عن حقيقة غلبة المصالح الدولية لجميع ما سواها؟ مما يؤشر عن عمق التحولات التي يعرفها العالم، وعن ضرورة الاعتبار بالسياق الاقتصادي الجديد حال التفكير في رسم ملامح أي سياسية تدعي القدرة على الحد من تعارض المصالح الوطنية مع ما تشهده المعاملات الاقتصادية من امتداد لشبكات المصالح العابرة لأعرق الكيانات السياسية.

في واقعية القول بأن الديمقراطية معادية للرأسمالية:

يعتبر البعض ممن ينتسبون إلى أقصى اليسار وخاصة من بين ثورييهم، أن الديمقراطية ليس بمقدورها التواؤم مع توسيع الرأسمالية للفوارق الاجتماعية من خلال تكثيف استغلال قوة العمل لفائدة المستثمرين، فضلا عن واقعية التلاعب بالقوانين الناظمة لها أو توجيهها لخدمة مصالح من استأثروا بالقوة المادية والرمزية وامتلكوا أدوات الدعاية الأيديولوجية التي تسهّل التلاعب بالرأي العام حال التقاء مصالح المستغِلين والسائرين في ركابهم من الإعلاميين بدفع الناخبين للتصويت لفائدتهم.

ويرى غيرهم أن الديمقراطية تفترض الدفاع على حرية المبادرة الشخصية باحترام حق جميع الأفراد في الحصول على الثروة عبر المغامرة والكد وادخار الأرباح واستثمارها. لذلك يرفض هؤلاء كل تدخل للدولة في علاقات التبادل الاقتصادية باستثناء ما من شأنه أن يدعم استتباب النظام ويحقق السلم الاجتماعية، معتبرين أن الديمقراطية لا يمكن أن تُطبق خارج إطار المنظومة الرأسمالية لأن كل إصرار على عكس ذلك يحوّلها إلى نظام دكتاتوري ينزع بالضرورة إلى الانزلاق في الكليانية من خلال التحام السلطة الاقتصادية العريضة الممنوحة لجهاز الدولة مع توجهاتها السياسية المتنافرة مع قوانين اللبرالية، بصرف النظر عن حقيقة امتلاك ذلك الجهاز أو لا للأغلبية.

من المفيد تفحّص مدى واقعية القول بتباين هاتين الوجهتين في الرأي وفي التفكير. فهل تتعارض الرأسمالية حقيقة مع الديمقراطية؟ أم أن الديمقراطية في جوهرها رأسمالية أو لا تكون؟

تهدف الديمقراطية تعريفا وإذا ما استندنا على وجهة نظر توكفيل Tocqueville إلى تحقيق مبدأ التساوي في المواطنة، لذلك فهي مدعوة إلى العمل على تعديل الفوارق الاقتصادية والاجتماعية التي يُنشئها الإفراط في الاستغلال، لأن كل تهاون في ذلك تكون نتيجته بالضرورة تردي اللبرالية السياسية في أزمة عميقة تكشف عن فداحة تورّطها في خدمة أقلية من الرأسماليين على حساب مصالح غالبية المواطنين.

يتعين على الديمقراطية وفقا لهذا المدلول أن توفّر ومن خلال تشغيل آليات إعادة توزيع الثروة ودعم الخدمات الأساسية المجانية كالتعليم والصحة والنقل العمومي والإعلام ضمن المجالين الاقتصادي والاجتماعي ولكافة المواطنين، الظروف الكفيلة بحضور واقعي للتساوي في الحظوظ وفي الحقوق الأساسية، وخاصة الحق في العمل والكرامة، وهما فرض عين في البرهنة على احترام حقيقي لحقوق جميع الأفراد بما في ذلك حقهم في الشغل وفي الحصول عليه أيضا.

ويندرج حق الحصول على أجر وحق الدخول في الإضراب بهدف التفاوض بخصوصه كما هو شأن التحاور حول ظروف العمل وتنظيم عمليات التسريح منه، ضمن هذا الإطار أيضا. وهو ما يفترض تمكين طرفي التفاوض ونقصد العمال ومشغليهم من وضعية قانونية متساوية. ويحترم القانون في بلدان الشمال حق الموظفين والأُجراء في الإسهام في إدارة المؤسسة الرأسمالية عبر نظام الاكتتاب، مما يضع القوانين الناظمة للرأسمالية وخاصة المالية الطامحة في السيطرة على العالم موضع تساؤل. فالقاعدة الذهبية التي ترتكز عليها الرأسمالية المالية العالمية حاضرا هي تحميل الخسائر المالية لأسواق الأعمال والمضاربة للمجتمع ودعم احتكار قلة من المستثمرين الخواص للفوائد، علما أن كبريات المؤسسات المالية بوسعها أن تفرض على الدول وبالتالي على المؤسسة الجبائية أي على المواطنين تحديدا، وفي صورة عدم قدرتها على الإفلات من المراجعة أو العقاب عبر تحويل جانب من أرصدتها إلى ما يوسم بـ”الجنات الجباية paradis fiscaux “، التكفّل بتجنيبها الوقوع في شرك الإفلاس. إذ أنه وفيما عدا فرضية إجهازها التام على الدورة الاقتصادية، فإن تلك المؤسسات المالية تملك واقعيا سلطة غير محدودة على الدول وعلى المجتمعات وهي سلطة منافية بطبيعتها للديمقراطية غالبا ما يسوّق لها باحتماء وراء الغطاء الوهمي لحرية المبادرة، والحال أنها لا تعمل في الحقيقة إلا على ارتهان الديمقراطية خدمة لسيادة ما يُوسم مغالطة بالسوق، وهي تعمية يتمثل الغرض من ورائها في الحفاظ على مصالح من يمسكون بالمال على حساب جميع مؤجَريهم.

تبدو الديمقراطية وفق هذا التصوّر منافية للرأسمالية، ولا تشكل غير وهم يُستدعى للمغالطة عامِدا إلى احتواء بريق اللبرالية قصد الإمعان في الإجهاز عليها. إلا أن مختلف التجارب التاريخية للبلدان الاشتراكية قد بيّنت أن منع ملكية أدوات الإنتاج والتبادل ونفي الدور الذي تلعبه السوق في إدخال نوع من التعديل المشوب بالتفاوت، لا يشكل غير استعاضة عن مُحصّلة التفاوض في كنف التوافق الديمقراطي بتركيز جو من الاستبداد الخانق الذي لا يخدم وإذا ما أمعنّا النظر غير مصلحة الأوصياء على تصريف الشأن العام باسم المجموعة واحتكار التمثيلية السياسية تحت غطاء مجابهة الرأسمالية. لذلك فإن كل محاولة لتصريف دواليب الاقتصاد وجميع علاقات الإنتاج من منظور اشتراكي لا يُمكن أن تفضي إلا لدعم الحضور الإداري للدولة الممركزة لرأس المال وسلطة القرار السياسي بين أيادي القائمين على تصريف الشأن العام سياسيا.

فبمجرد أن تنزلق تلك المركزة نحو الاستعاضة عن الرأسمالية التحرّرية برأسمالية الدولة المتعجرفة المعادية لكل تناوب ديمقراطي، فإن إخفاقها الاقتصادي والسياسي يصبح مسألة وقت ليس إلا. وإذا ما سلّمنا بأن كل ممارسة للسلطة، أيا كان شكلها أو إيديولوجيتها لا يمكن تنزيهها من الوقوع في الفساد، فإن كل سلطة تلتحم ضمنها السياسة بالاقتصاد لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الولغ في الفساد. ويصح هذا الواقع في حق الأنظمة الرأسمالية حال تعمُّدها ربط السياسة بالاقتصاد والاكتفاء بتشغيل الآليات الظاهرية أو الشكلية للديمقراطية، كما يصدُق حيال سيطرة السياسة كليّا على دواليب الاقتصاد من خلال ديكتاتورية الحزب السياسي الواحد غير الخاضع للمراجعة. وإذ لا يستقيم أن نتطلّع عبر ممارسة الديمقراطية إلى التعبير عن مجافاة الرأسمالية وزعم القطع مع اقتصاد السوق، فإن تلك الممارسة مدعوة إلى بذل أقصى الجهود من أجل التفريق بين السلطتين السياسية والاقتصادية تساوقا مع الدور الذي يتعيّن أن تلعبه في التفريق بين بقية السلطات وخاصة القضائية منها تجاه التنفيذية، لأن مثل ذلك التفريق من شأنه أن يتيح حضور ممارسة للديمقراطية مبنيّة على التناوب وقابلة خاصة للحياة. فحضور تجاذب بين مجال المبادرة الاقتصادية ومجال التصريف الديمقراطي للشأن العام هو الإطار الأمثل لضمان الحريات والحقوق الشخصيّة والجماعية لكل الأُجراء. وتعتبر تلك العملية الحسّاسة ومختلف الحقوق المترتّبة على تجسيمها شرطا محوريا لكي تتوفّر الأنظمة الرأسمالية على الشرعية السياسية وتتوصّل وعلى المدى البعيد إلى إقناع الكافة بنجابتها في خدمة الصالح العام بصرف النظر عن الطبيعة الشكليّة لذلك الإدعاء. وحدها المنافسة الديمقراطية كفيلة بفرز الأطراف المؤهلة للحصول على ثقة الأغلبية عن تلك التي لا تزال غير قادرة على تحقيق ذلك.

وهكذا فإن توخي الرأسمالية لنهج ديمقراطي متحضّر وقادر على تعديل التجاذب بالتفريق بين المجالات السياسية والاقتصادية، هو ما يجعلها قادرة على ممارسة سياسة لبرالية تعددية تحترم قوانين اللعبة الديمقراطية. فالتجاذب الدائم بين الرأسمالية والديمقراطية ضرورة سياسية ماسة لا يمكن تخطيها اعتبارا لوجوده في قلب السجال السياسي بين الحساسيات السياسية اليمينية واليسارية، مع اقتناع تلك الحساسيات بشكل توافقي أن الغرض من الصراع بين رأس المال والعمل هو بناء ديمقراطية حقيقية سواء ضمن الهيئات التمثيلية أو ضمن الإطار الواسع للحياة المدنية.

الهوامش:

(1) تم التعويل على محتوى هاتين المقاربتين لـ”سلفان ربول Sylvain Reboul” في صياغة هذا المقترح المخصص لمدلول الرأسمالية في حدود الدرس السياسي:
Sylvain Reboul, Le capitalisme peut-il être moral ?

La démocratie peut-elle être anti-capitaliste ?