بقلم رشيد مشارك،

الآن وقد رجع محرك شرعية الوفاق إلى العمل وفق رز نامة واضحة هدفها انتخابات نزيهة وشفافة لمجلس وطني تأسيسي وتاريخها مضبوط ليوم 23 أكتوبر 2011 بعد تعطل واكبه كثير من التوترات بين الأحزاب السياسية ثبت أن الوضع الاجتماعي للبلاد في غنى عنها فإن المهمة العاجلة المطروحة على مختلف القوى الوطنية هي التوجه نحو المصالحة الشاملة بما يلزم ذلك من الجرأة السياسية وتفعيل الإرادة لتوفير كل الأسباب لإنجاح الانتقال الديمقراطي وقد بينت التجارب في هذا الميدان أنه عند الانتقال الديمقراطي تجد المجتمعات المعنية حاجة ملحة للنضر إلى المستقبل دون نسيان الماضي و أن البناء للمستقبل يضمن الديمقراطية ودولة القانون كلما واجهت هذه المجتمعات ماضيها و وقفت بشجاعة على حقيقة كل ما وقع من جرائم وتجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان والتعرف على من فعل ذلك وكيف وقع ذلك.

وقد استوجب هذا بذل مجهود فكري ووجداني جماعي من طرف النخب والضحايا والجلادين لفهم لماذا وقع ذلك وما هو الخلل الذي جعل ذلك ممكن الوقوع حتى تتم التهيئة النفسية والسياسية التي تمكن المجموعة الوطنية من الكشف عن الحقيقة و مواجهة الآلام و الدخول في مرحلة المصالحة الوطنية الشاملة.

استنبط الحقوقيون وقادة الرأي العام في هذه المجتمعات والنشطين في هيئات حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة آلية لمعالجة مرحلة الانتقال الديمقراطي تتضافر فيها عناصر القضاء و السياسة وعلم النفس الاجتماعي وأطلقوا عليها اسم العدالة الانتقالية بحيث تكون المصالحة الوطنية إحدى أهم حلقاتها.

والعدالة الانتقالية هي مفهوم للعدالة يرتبط بمرحلة التغيير السياسي وهي تمثل الآلية الملائمة للإجابة على كل التساؤلات المرتبطة بجرائم وتجاوزات النظام السابق فهي أولا عدالة بكل ما يفرضه ذلك من مساءلة ومحاسبة و تتبع الجاني والملاحقة القضائية لمرتكبي الجرائم وإنزال العقاب فهي إذا ضد الإفلات من العقاب وهذا عنصر هام لأن الإفلات من العقاب يضع الضحية في حالة من عدم الاطمئنان الدائم والخوف من المستقبل والبحث عن أساليب الانتقام الفردي و يشجع الجلاد على التمادي في الوضعية النفسية للجلاد يتربص للعودة وتقمص دوره كلما أمكنه ذلك لأنه يرى عندئذ أن ذلك هو السبيل الوحيد للحفاظ على نفسه.

هذه العدالة يجب أن تبقى في نطاق القانون بحيث تتوفر فيها كل الضمانات للمتهمين في أن تكون أحكامها عادلة تصدرها هيئات قضائية مهنية تقوم بوضيفتها بكل استقلالية بعيدا عن كل ضغط وبمنأى عن تأثير الوقفات الاحتجاجية والإعتصامات أمام مقرات المحاكم . فلا مجال إذن للمحاكمات الشعبية, وقد سمعنا أصواتا ترتفع في هذا المعنى , ولا مجال لمحاكمات لها غايات سياسية للتشفي أو الانتقام أو للتموقع في المشهد الاجتماعي الجديد.

وبالنظر إلى طبيعة الجرائم المرتكبة والتي يمكن تصنيفها إلى أربعة أصناف هي: جرائم اقتصادية مرتبطة بالفساد وجرائم سياسية مرتبطة بتزييف سيادة الشعب وتجاوز النفوذ و اعتداء على الحريات العامة والفردية وجرائم التعذيب والإعتقالات العشوائية واستعمال العنف وتلفيق تهم وإقامة محاكمات باطلة وجرائم القتل باستعمال الرصاص الحي ضد التظاهر السلمي وهي كلها جرائم مرتبطة بانتهاكات لحقوق الإنسان بدوافع سياسية و بأشكال مختلفة مارسه النظام السابق ضد أصناف من المجتمع بواسطة أجهزة أمنية وإدارية تابعة للدولة فإننا لسنا في حاجة إلى إقامة محاكم استثنائية أو محاكم عسكرية أو محاكم مختلطة ونعتقد أن القضاء التونسي العادي يمكنه , رغم ما نلاحظه من بطأ في سير التحقيق , تولي مهمة إصدار العقوبات وإقرار العدالة حسب القانون التونسي وهو قادر إذا ما استثنينا منه بعض المناطق التي أصابها الفساد على تحويل حالة الإفلات من العقاب إلى ثقافة المسائلة ونكون بذلك قد تمكنا من تثمين ما هو إيجابي في جهاز الإدارة التونسية وهو عنصر أساسي لكل مصالحة وإعادة الاعتبار لجهاز القضاء الذي بواسطته سيكون التأسيس لدولة القانون في المرحلة القادمة.

وبلادنا اليوم مهيأة للدخول في مرحلة المصلحة الوطنية ذلك أن تلك القوة الأخلاقية الرائعة في نبذ العنف التي واكبت الثورة وساعدت على إنجاحها تشجع على نجاح هذه المصالحة خاصة وأن كل الإجراءات السياسية اللازمة قد تم إنجازها مباشرة بعد سقوط النظام :تفكيك نظام الحزب الواحد , سن قانون للعفو التشريعي العام , إطلاق سراح كل المساجين السياسيين, الإفراج عن كل المعتقلين على خلفيات سياسية أو فكرية وتمكينهم من استرجاع حقوقهم في وظائفهم المهنية وإقرار إجراءات في التعويضات المادية يمكن تطويرها وتوسيعها ,الإعداد الجدي لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة في اتجاه دمقرطة نظام الحكم وإذا أضفنا إلى ذلك الإرادة السياسية المعلنة والتي يمكن أن تتبلور لدى كل الأطراف السياسية في اتجاه التوافق حول مستقبل للحكم تتوفر فيه الضمانات الأساسية لاحترام حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة , فإنه يصبح من العاجل التوجه نحو مصالحة وطنية تشمل كل القطاعات الاجتماعية والمهنية وكل الأطراف السياسية التي كانت متخاصمة في العهد البائد بمن فيها مختلف الأوساط الشعبية التي كانت لها ارتباطات سياسية بالنظام السابق ومن بينها الإطارات ’ الدستورية’ التي هي ليست مورطة معه في جرائم الفساد أو الاستبداد بعد أن يتم تمكينها , لدى هيئات رسمية للمصالحة مستقلة يقع تكوينها بموجب مرسوم يؤطرها المجتمع المدني وبعيدة عن كل توضيف سياسي , من البوح بحقيقة ما كان يحدث وكيف كان يحدث تزييف الانتخابات ومحاصرة الحريات والتضييق على نشطاء المجتمع المدني وتتبع مناضلي حقوق الإنسان ويقع التعبير العلني عن الاعتذار وطلب العفو والحصول عليه.

المصالحة المطلوبة هي في نفس الوقت سياسية ووجدانية ومادية وتشمل المصلحة مع عائلات شهداء الثورة وانتفاضة الحوض المنجمي و المصالحة مع كل المساجين السياسيين و ضحايا التعذيب وتقديم الاعتذار لهم ولعائلاتهم و تتكفل بذلك الهيئات الرسمية بالشكل الذي تقره.

هذه المصالحة و بهذا المعنى تلبي الحاجة الملحة إلى الحقيقة والعدل وتمكن من التوجه نحو تجاوز حالة الريبة وعدم الطمأنينة ومظاهر عدم التسامح والتشنج التي تبرز هنا وهناك بموجب وبدون موجب إلى حالة الأمن المدني والاستقرار الاجتماعي تتمكن فيه البلاد من ترتيب أولوياتها حسب ما يفرضه رجوع النشاط الاقتصادي إلى دورته المطلوبة بعيدا عن الإضرابات الفوضوية والاعتصامات العشوائية بحيث تتمكن مؤسسات الإنتاج من القيام بدورها و تتمكن الأطراف الاجتماعية من الدخول في مرحلة الحوار والتعبير عن مطالبها وطموحاتها بالأشكال التي تستلزمها روح الوفاق واحترام القانون وتتمكن الحكومة وهي تحضا بشرعية الوفاق الوطني من التحكم فيما بقي من الانفلات الأمني ودعم الاستقرار وتفعيل استمرارية وهيبة الدولة وتوفير الحاجيات اليومية للمواطن وضمان الخدمات العامة بما يمكن من تهيئة الظروف المناسبة للانتخابات وتتمكن القوى الوطنية من تقديم مقارباتها والحلول الممكنة لمعالجة ملفات التنمية والتشغيل التي طرحتها الثورة بوضوح ذلك أنه إذا كان بناء الديمقراطية يستوجب نساءا ورجالا سياسيين فهو يستوجب أيضا توفير حد أدنى من أسباب الكرامة وكرامة المواطن تبدأ بحصوله على شغل.

هو إذن مجهود جماعي فكري وسياسي ووجداني يستوجب وقفة وطنية جريئة تنظر إلى المستقبل المشترك تتصالح فيه الدولة مع المجتمع المدني ويتصالح فيه الأمن مع المواطن ويتصالح فيه القضاء مع العدل ويتصالح فيه عالم المال و الأعمال مع الشفافية والتوجه نحو الاستثمار وخلق الثروة وتتصالح فيه الأحزاب السياسية فيما بينها لتستوعب أهم رسالة أعطتها لها الثورة وهي أن تونس للجميع.