أضغط على الصورة لقراءة رسالة بن علي - نقلا عن موزياييك فم

بقلم عبد الرزاق قيراط،

قبل يوم من محاكمته، أرسل إلينا أكرم عازوري نيابة عن “الرئيس” كما وصفه في إذاعة موزاييك رسالة لعلّ الكثيرين قرؤوها و اكتشفوا حجم المغالطات التي تعرّض لها الشعب التونسيّ و دفعته إلى الثورة على الملاك الطاهر البريء الذي “كرّس حياته لخدمة بلده” مدّة ما يقرب من ربع قرن و هو “يفخر” بذلك و لا يقبل كلّ “الأذى و التشهير” الذي يتعرّض له في خريف عمره على أساس من “الاتّهامات الوهميّة الكاذبة”.

هكذا إذا تبدو كلّ التهم مجرّد أكاذيب و كلّ الأدلّة إنّما فبركها أعداؤه لإدانته. و ليس لصاحبنا أيّة أملاك أو أموال يمتلكها خارج تونس، كلّ ما في الأمر حسب رأيه أنّ الحكومة الفاشلة في إدارة البلاد تبحث عن تحقيق إنجاز من خلال محاكمته. فهو “يعلم أنّ كلّ سلطة سياسيّة جديدة ترغب في إلقاء اللوم على سلفها و تحميله مسؤوليّة كلّ الصعاب التي تفشل بتجاوزها”. و هذا رأي لافت لأنّ بن علي نفسه قام بذلك الأمر مع بورقيبة و هو سلفه.

هذه الرسالة تذكّرنا بكلمة مبارك التي بثّتها قناة العربيّة و كانت في مثل جنسها من الاستعطاف و الإنكار و قد بدأها بالقول:” تألّمت كثيرا – و لا أزال – مما أتعرّض له أنا و أسرتي من حملات ظالمة و ادعاءات باطلة تستهدف الإساءة إلى سمعتي والطعن في نزاهتي ومواقفي .. ”

ثمّ ينفي “كافة الادعاءات التى تناولتها وسائل الأعلام والصحف المحلية والأجنبية حول أصول عقاريّة ضخمة ومزعومة في الخارج “.

و مع ذلك، وجد مبارك نفسه أمام التحقيق و لم تشفع له تلك الكلمة بل سرّعت من إجراءات مساءلته لأنّها كانت مستفزّة للشعب و ثورته، فلا يعقل أن تكون الجموع التي خرجت إلى ميدان التحرير و رابطت فيه مخدوعة في ما قامت به من ثورتها النموذجيّة التي استلهمتها من الشعب التونسيّ في إطاحته بالدكتاتور.

بن علي أراد أن يلعب نفس اللعبة التي لم تنجح مع مبارك، فيقول لنا ما معناه: استفيقوا من الوهم الذي تعيشونه فأنا أفضل مَنْ حكمكم و رفع مِنْ مستوى عيشكم و ما تسمعونه عنّي كذب و بهتان. و لكنّ اللاّفت في رسالة بن علي أنّها لم تكن خطابا مباشرا – Discours direct – كما هو الشأن بالنسبة لمبارك الذي خاطب شعبه بصوته و كانت صورته تملأ الشاشة الصغيرة و كان الغرض ربّما تحقيق التأثير العاطفيّ المنتظر في قلوب الجماهير المصريّة الرحيمة بطبعها.

خاطب مبارك شعبه و هو مقيم في مصر لم يهرب منها فتكلّم بضمير الأنا مخاطبا ضمير الشعب …

بن علي الهارب عن تونس منذ خمسة أشهر لم يعد له حضور يذكر، و أنانيّته التي حكمنا بها تبخّرت معه إلى الأبد حتّى لم يتجرّأ على مخاطبتنا مباشرة بضمير المتكلّم و لو في رسالة مكتوبة فجاء خطابه منقولا على لسان محاميه –discours rapporté – الذي تحدّث عن موكّله بضمير الغائب هو– troisième personne- و كانت الرسالة في شكل نقاط بدايتها: ” يودّ الرئيس زين العابدين بن علي إيضاح ما يلي”، ثمّ تتالى التوضيحات مبدوءة بأفعال أُسنِدتْ في كلّ مرّة إلى ضمير الغائب مثل: [ غادر –تحمّل – يتمنّى– يودّ –ينفي –يتمنّى –يختم ] و التوقيع الأخير ليس سوى للمحامي أكرم عازوري الذي بلّغ الرسالة و ربّما كان الكاتب الفعليّ لها بإيعاز من العاجز عن مخاطبة شعبه إلاّ بما يُكتب له.

و الرسالة بهذا الأسلوب و إن كانت محاولة لاسترجاع بعض ماء الوجه الذي بخّرته المفاسد و الجرائم المرتكبة، فإنّها تؤكّد غياب من غاب عن مسرح السياسة في وطننا إلى غير رجعة، و تدلّ على أنّ محاكمة الاثنين 20 جوان ليست سوى مراسم لجنازة رمزيّة لمن فهم شعبه متأخّرا فانتهى سياسيّا و إنسانيّا و حتّى لغويّا.