بقلم شرشبيل،

لقد توقفت عن الكتابة عن الشأن التونسي بعد ثورة 14 جانفي و قد كان ذلك القرار نابعا بالأساس من قناعتي بأن الراكبين على الأحداث و المناضلين الجدد هم من سيحتكر المواقع و المنابر الإعلامية بعد إنكسار حاجز الصمت و هروب الرئيس السابق. و لكن مايحدث منذ مدة في تونس جعلني أستشط غضبا من محاولة شرذمة من أشباه المناضلين على الفيسبوك و المدونيين الجدد الذين بتصرفاتهم اللامسؤولة باتوا يقودون البلاد إلى وجهة ستقودنا حتما إما لدكتاتورية جديدة و لتطرف علماني وإسلامي.

لقد شكلت تحركات هذه المجموعات على المواقع الألكترونية و مواقع التواصل الإجتماعي لبنة لحملة شرسة و غير عقلانية لواقع الأمور في البلاد التونسية. ولعل الأغلبية الصامتة، التي تحدث عنها الوزير الأول السابق محمد الغنوشي، رغم أني لست من مؤيديه، و من خلال تواصل صمتها الرهيب فهي تساهم بطريقة غير مباشرة في دفع البلاد إلى المجهول لانها تركت الوطن في أيادي مجموعة من المخربين الإفتراضيين.

زيارة الوزير الأول للولايات المتحدة الأمريكية

حين يسافر الوزير الأول في الحكومة الإنتقالية إلى الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من الحكومة الأمريكية و حين يحاضر في جامعة أمريكية، الشيء الذي لم يحصل منذ عقود لساسة تونسيين، و حين يتحدث مثل أي زعيم لدولة عملاقة ويتقابل مع الرئيس الأمريكي بكل أريحية و ندية، وحين يطمح خيرة الصحافيين الأمريكيين إلى إستجوابه، فإن ذلك ينظر له في تونس على أنه مؤامرة أمريكية سبسية ضد وصول الإسلاميين إلى الحكم. وبفطنة غريبة يفسر أصحاب نظرية المؤامرة موعد وتوقيت الزيارة وتصريحات السبسي حول عدم إمكانية وصول الإسلامييين للحكم بأنها طبخة أمركية لتزوير الإنتخابات وتمكين بعض الأحزاب من بقايا التجمعيين السابقيين للوصول إلى الحكم. و كأن الوزير الأول ،المعروف بحنكته و دهائه السياسي، على درجة كبيرة من الحمق و السذاجة حين يفكر في الإستعانة بالأمركيين لتزوير الإنتخابات ثم يصرح في نفس الوقت و في نفس الزيارة لوسائل الإعلام الأمريكية بإستحالة وصول الإسلاميين للحكم و كأن العالم معزول عن بعضه و لن تصلنا هذه الأخبار إلى تونس.

و بعد ذلك يتم البحث عن تعلات أخرى و أعذار واهية ليتم إخراجها و حبكها بالقوة لتصبح من المؤيدات لأفكارهم و التي تدعي أن البلد مستهدف من الغرب و من قناة نسمة ومن أطراف أخرى، هم فقط من يعرفها.

تداعيات الفيلم الإيراني

فالفيلم الإيراني الذي عرض أخيرا على قناة نسمة وكل الجدل الذي صاحبه جاء ليؤكد على أننا فعلا شعب متخلف نتعسف حتى لمجرد أفكار بسيطة كانت تخامرنا لما كنا أطفالا غير مدركين للحياة و الأمور. فحينها لم نكن لنجد الأجوبة عن كل الأسئلة البريئة التي كنا نتساؤلها حين كنا في السن الثالثة و الرابعة من العمر. كنا نسأل عن الشخص الذي يموت و قد كنا لا نفقه شيئا عن معنى الموت. لقد كان الكبار يحدثونا على أن الميت قد سافر أو قد ذهب إلى مكان ما في السماء هو عبارة عن غابة خضراء تسمى الجنة. لقد كنا نسأل أيضا عن الله جل و على لأننا كنا نسمع عنه كثيرا و لا نفقه شيئا عن ماهيته و أمام صعوبة وجود الأجوبة كانت مخيلتنا هي التي تقودنا إلى شيئ ليس كالأشياء الأخرى هي عبارة عن صورة ذهنية لشيء نسمع عنه و يخافه كل الناس من حولنا هيبة و إجلالا. ما المانع في أن نرى هذه المخيلة في شريط سينمائي بطلته إمرأة تروي لنا قصتها في زمن الثورة الإيرانية؟ من شكك في الذات الإلاهية؟ هل من حقنا قمع مخيلة الطفل ولماذا نتعسف على الإبداع؟ هل قدرنا أن لا نفكر و أن نستهلك فقط و نشك في كل ما حولنا بإسم المؤامرة و سوء النية. ليس لدينا من شيء يستحق المؤامرة إلا واقعنا المزري و المتخلف.

ملاحظة: قررت مواصلة الكتابة مستعملا نفس الإسم المستعار الذي كنت أكتب فيه منذ سنوات في مواقع تونزين و تونس نيوز و نواة لا لخوف مني و لكن لأن معرفة إسمي الحقيقي سوف لن تضيف أي شيء للقراء.