بقلم محمد المستيري ، كاتب وجامعي، باريس

ثورة الشعوب العربية والإسلامية لم تكن انتفاضة عابرة ولا تعبيرا عارضا عن غضب الشارع، بل هي مراكمة عقود من الظلم ولانتهاكات لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية في الحرية والشغل والأمن الغذائي والصحي. لأول مرة في التاريخ البشري المعاصر يستبق الجمهور ساحة الغضب ويلزم القيادات السياسية باللحاق به. إن الطابع الاحتجاجي لثورة الجمهور يحتاج إلى تأطير وترشيد من القيادات السياسية حتى يتشكل حراكا شعبيا في مستوى الخطاب السياسي وترافق حينئذ الثقافة السياسية العمل السياسي في جميع مراحل الثورة حين إعدادها وحين اندلاعها وبعد انتصارها وفي اتجاه تحقيق غاياتها الديمقراطية. غير أن الوعي السياسي كان الغائب الكبير عن هذه الثورة. إذ يصعب اعتبار الثورة العربية والإسلامية نتاج ثقافة تحررية بديلة أفرزها حوار عميق ورصين بين نخبها الفكرية والسياسية وأفاضت بتأثيرها على حس الجماهير. فالإقصاء والتهميش والرأي الواحد هو المحضن الثقافي والسياسي الطبيعي الذي نشأت وتنامت فيه نخبنا. فلم يمكنها ذلك من تطوير خطاب سياسي تنموي يؤسس لبدائل اقتصادية واجتماعية وتربوية ويخرجها من طور الاحتجاج والسجال الأيديولوجي السطحي. أزمنة القمع الطويلة في بلادنا أرست ثقافة قمعية بين النخب ذاتها فاستعصى بينها الحوار الهادئ والبناء. لا تزال حصون الحرم الجامعي ومعاقل النقابات ومؤسسات الثقافة البديلة تشهد بصراعات الهراوات والسواطير والخناجر باسم هيمنة الأيديولوجية الثورية الواحدة بين المختلفين والمدبرين من نخبنا اليسارية والقومية والإسلامية. ولا شك أن الأنظمة القمعية كانت تغذي ثقافة الإقصاء بين دعاة الحرية والتعددية. فهل يمكن أن تنجلي ثقافة الرأي الواحد عن المشهد السياسي بمجرد تحرك شعبي أو رغبة في تقاسم السلطة وهل يمكن أن تتحول نخبنا الاحتجاجية فجأة إلى نخب سياسية حقيقية ترسم الرؤى المستقبلية الاستبصارية ؟ حتما لا.

لم تستجب نخبنا لنداء ثورة جماهيرنا بعد. فهي صرخة ضد أنظمة الفساد والظلم تستغيث الهمم العالية والحكماء من الأمة حتى يحدثوا التغيير الجذري ويقدموا نماذج جديدة في العدل والحرية. لم تفاجئني ثورة شعوبنا التي كسرت أغلال القهر، فهي مسيرة طبيعية نحو الكرامة. ولكن لا زلت أنتظر ثورة نخبنا المتزاحمة نحو اقتسام كعكة الديمقراطية. فهي لا تزال حبيسة المزايدات الأيديولوجية والتكفير السياسي. لم يلق الاحتجاج السياسي لجماهيرنا سوى صدى احتجاجيا داخل النخب كذلك. لذا ليس من الغريب في هذا العرس الانتخابي وليس السياسي أن تكسر أقلام المفكرين السياسيين لتترك المجال واسعا لكثير من باعة الوعود والأحلام. فليس تضخم القوائم الانتخابية ظاهرة صحية حين يغيب الصراع الفكري وتنتحر المضامين. لست من اللذين يدعون إلى احتراف العمل السياسي فإن الاحتراف قادر على القضاء على الحس السياسي لدى الجماهير وعلى عزلة النخب عن جماهيرها كما انتهى إليه الأمر في العالم الغربي. ولكن العمل السياسي الحزبي يفرض رؤى وبرامج متميزة ويفرض على جميع المتنازعين المناظرة العميقة بينهم لإبراز هذا التميز للرأي العام وللإسهام في صقل رأي عام سياسي. وإلا فما قيمة انتخابات ديمقراطية إن لم تنجح في إشراك واع للجماهير. فلا يمكن أن يسع العمل السياسي غير طليعته وإلا تحول إلى مهرجان ارتجالي واعتباطي لا يجدي مستقبل التأسيس للتجربة الديمقراطية.

دعنا نقول إن المعركة الحالية هي تدريب للقيادات والجماهير على التعايش الديمقراطي. إن واقع المشهد السياسي البديل الذي يبدي هشاشة جوهرية من حيث الخطاب والتجربة لا يسمح بالحديث عن انتقال ديمقراطي من خلال الانتخابات. فالأجواء السياسية المشحونة بالعنف والإقصاء حتى داخل التكتلات السياسية ذاتها لا تمكن من فرص منابر تعددية للحوار، فضلا عن غياب الخطاب السياسي المضموني الذي يمكن أن يرسم آفاقا لتغيير جذري نحو سياسات عادلة ونامية. كما أن السنوات الطويلة العجاف لغياب الثقافة السياسية داخل الجماهير لم تمحها أشهر ما بعد الثورة التي باغتت الجميع. هي خطوة تدريبية تمكن من التعايش دون التواصل والحوار وتوفر أجواء جديدة من الثقة بين الجماهير ونخبها ضمن مسار ديمقراطية لم يعهدها منظروها الغربيون. إذ لم تنفرد بصياغتها النخب بل آمنت بها أساسا وأولا الجماهير حين نزعت عنها حاجز الخوف. هو نموذج فلسفي جديد للديمقراطية بدأ يكتسح العالم، يؤسس لحكم شعبي ثوري يراقبه الدستور والمؤسسات التمثيلية للشعب لا محالة، ولكن سيادته العليا لنبض الشارع. فهل ستنزع نخبنا السياسية أخيرا أثقالها الأيديولوجية التاريخية لتلتحق بتطور المقولات الجماهيرية الجديدة للحكم؟

غياب الخطاب السياسي الفكري داخل المشهد الانتخابي سيفرض على الجماهير اختيارات غير عقلانية وبالتالي لا توافق مقصد العملية الديمقراطية ولا بنيتها التي ترمي إلى تحرير إرادة الشعب ووعيه من القهر والطغيان. لن يكون لجماهيرنا في هذه المرحلة التدريبية غير الخيار العاطفي الذي يقوم على الجهوية والقبلية أو الوعود السياسية أو الشرعية التاريخية أو الرمزية الشخصانية وما إلى ذلك. فالاختيار الديمقراطي الإرادي والواعي لم تتوفر شروطه الثقافية بعد لا في مستوى الثقافة الديمقراطية للنخب ولا الجماهير. ولنعتبر هذه البداية مصافحة أولى لعالم الديمقراطية يفرض علينا ترسيخه في جميع خلايا المجتمع وشرايينه. فمن الخطأ الفادح أن تنصب جهود معظم النخب على العمل الحزبي ضنا منها أنه التعبير السياسي الأولى أو الأرقى في حين أن السياسة فعل مدني يكتسح مؤسسات المجتمع المدني كلها، وهي أولا وأخيرا رؤية مغايرة ومتجددة للعالم، تحتاج إلى مفكرين ومربين ومخططين واستراتيجيين. لقد جاز لنا أن نفخر ونسعد بعرسنا الانتخابي ولكنه خطوة أولى نحو عرس ديمقراطية جديدة. وإلا فستستغرقنا نرجسية الأحادية من جديد وسينتصب الصنم من جديد في ثوب ديمقراطي.