بقلم أبو عبد الله بن عبد الله,

اليوم سأدخل معكم دنيا السياسة التونسيّة، وسننفذُ إلى الصميم منها. فقد قرّرت بعد طول تفكير وأخذ وردّ، أن أغامر بنفسي في هذا الميدان، غير عابئ بما يحفّ به من مخاطر ومكائد، وبدون أن أخشى في ذلك لومة لائم، جاعلا كلّ همّي في خدمة وطني الحبيب ومواطنيَّ البررة. فالوطن فوق كلّ شيء وقبل كلّ شيء…

وطني وإن شُغلت بالخُلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي

أقتحم الميدان السياسيّ إذن، وكلّي أمل في النجاح، والوصول، ونيل الحظوة التي أراني أهلا لها، بين عتاة رجال السياسة ونسائها على الساحة التونسيّة. فلقد تأمّلت الجميع وفهمت الجميع. فهمت السياسيّ المحنّك والناشئ، وفهمت السياسيّ المتحيّن للفرص، والذي “يدبّر في رأسه”، والذي “يدزّ في العجلة”، ومَن هو هناك من باب “ها ني معاكم ما تنسوني”… تأمّلت كلّ هؤلاء وغيرهم وهم يمارسون فنّ السياسة، وأخذت عنهم وتعلّمت منهم، وها إنّي أُدلي بدلوي بين دلائهم، ونيّتي التفوّق عليهم، أو على الأقلّ انتزاع مكاني ونصيبي بينهم، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان…
باجتيازي هذا الامتحان إن شاء الله، وقد أعددت له كلّ العدّة، أرجو أن يُفتح أمامي باب السوق السياسيّة في تونس، وأن أخوض غمارها بالنجاح الذي أستحقّه، فقد راجعت وذاكرت، وحفظت وتعلّمت. تعلّمت أنّ أوّل ما تمليه أبجديّات السياسة في تونس هو التحدّث باللسان الفرنسيّ، حتّى لو كان لا يقرّب معنى ولا يوضّح فكرة. فمتعاطي السياسية عندنا لا يُلتفت إليه ولا يُعبأ به إن لم يكن “يجنقل بالفرانسي”، خطأ أم صوابا، فالمهمّ هو الكلام بلغة “موليار” و”ديكارت” و”ساركوزي”، لغة العصر والحداثة، ولغة العلمانيّة التي ستسود مجتمعنا وترتقي بنا إلى مستوى الغرب المنوّر. هذا هو الأفق، وذلك هو المستقبلǃ العلمانيّة والفرنسيّة، جنبا إلى جنب، زنقة زنقة، حتّى يعمَّ نفعهما ويهطلَ غيثهما على كلّ التراب التونسيّ بفضل الساسة المخلصين لوطنهم من أمثالي. في مداخلاتي التلفزيّة المقبلة إن شاء الله، يجب أن أركّز على هذين العنصرين، وأن أوشِّيَ كلامي بعبارات فرنسيّة رنّانة، مثل “بيان سور”، و”دونك”، و”سا فا سان دير”، والكثير من “أبسولومان” و”توت آ في”، وهو ما سيعود على كلامي بقيمة سياسيّة مضافة يرتاح لها ويستأنس بها المواطن التونسيّ من “رأس جدير” إلى “رأس الجبل”…

ومن فضل الله سوف لن يكون هذا عليّ بالصعب، فأنا استوطنت فرنسا، ورضعت من ثديها الخبزة واللغة معا، تماما مثلما رضع إخوتي العلمانيّون العلمانيّة وأخواتي الديمقراطيّات الديمقراطيّة. فهم إخوتي من الحليب إذن، وهم قدوتي في الحياة السياسيّة، بل في الحياة فحسب، على هديهم أتلمّس طريق الصواب، ومنهم أستلهم الفكر والخطاب، هذا الخطاب الذي تكسوه الفرنسيّة رونقا وبيانا، وجدّا وبرهانا، وهو ما أصبحت عاجزة عنه اللغة العربيّة، لغة الضاد والأجداد والكساد… اللغة العربيّة، والحقّ يقال، بارت وولّى عهدها، وفاتها القطار، فاتها القطار، حتّى لفظتها الساحة السياسيّة والثقافيّة في تونس، من “باب البحر” إلى “المرسى”. فهي لم تعد تغني ولا تسمن من جوع، ولم تعد تفي بالحاجة في ميدان السياسة العصريّة، وما هي، أوّلا وآخرا، إلاّ لغة أعراب أجلاف وبدو رعاة، فأنّى لها أن تقارع الفرنسيّة في عقر دارها، تونس الخضراء، ومن أين لها أن تحتلّ مكانا بجانبها؟ “سا فا با، نون”…

وممّا زاد في تهميش اللغة العربيّة وبوارها في تونس أنّ معظم الذين ظلّوا على وفائهم لها لا يفقهون شيئا من أمور السياسة أكثر من “الله أكبر”ǃ ذلك هو البرنامج السياسيّ لهذه الشرذمة التي يُنعت أتباعها في تونس بالظلاميّين، والرجعيّين، والمتحجّرين، وقس على ذلك من انطوائهم على الدين… ما هذا التشبّث بالدين، يا سبحان الله، ونحن في القرن الواحد والعشرينǃ وما هذا التعنّت على الزجّ بالدين في أمور السياسةǃ إنّ الدين، وبما إنّنا في تونس فالمقصود هو الدين الإسلاميّ لا غير، ليس له مكان في الحلبة العموميّة في هذه البلاد، وهو شأن خاصّ بين الخالق (إن كان هناك خالق) ومخلوقه. بهذا جاءت العلمانيّة، فليكن ذلك واضحا ونهائيّا لدى كلّ من يهمّهم الأمر، والفاهم يفهم. الدين يجب أن يظلّ قابعا في المنزل، ولئن ترضى العلمانيّة بتواجده في المسجد، فشريطة أن لا يتجاوز حدّه، أي حدَّ الفتوى في قضيّة دم البرغوث الناقض للوضوء أم لا. أمّا كلّ ما خلا ذلك فباطل ترفضه العلمانيّة والديمقراطيّة معا، ومن أنذر فقد أعذر…

جاء عصر الديمقراطيّة إذن، جاء الحقّ العلمانيّ، وزهقت أباطيل الدين، فأفيقوا من سباتكم وأحلامكم يا معشر الملتحين. كفاكم تقوقعا وانكماشا حول الهويّة الإسلاميّة العربيّةǃ ألم تأتكم بشائر العلمانيّة؟ ألم يبلغكم أنّكم غدوتم كابوسا قيّظ نعيم الغرب الديمقراطيّ، وعطّل رسالته العلمانيّة؟ ثوبوا إلى رشدكم هداكم الله إلى سبيل الحقّǃ الحقّ اليوم هو الديمقراطيّة. الديمقراطيّة أكبرǃ الديمقراطيّة أكبرǃ إنّها الدين الجديدǃ أفتى بذلك حكيم تونس الأوّل، فهو يشغل منصب رئيس بيت الحكمة، معلنا أمام الملأ عن اعتناقه الديمقراطيّة دينا بدل دينه، فاعتبروا يا أولي الألباب. هل حكمة أكبر من هذه الحكمةǃ أليس لكم في هذا الرجل قدوةǃ فانهجوا نهجه وسيروا على هديه لعلّكم تفلحون. تخلّوا عن دينكم وإيمانكم مثله، واعتنقوا الديمقراطيّة دينا ويقينا مثله. إنّها السبيل الوحيدة كي ترضى عنكم فرنسا، مهبط الوحي العلمانيّ، ومن يدري لعلّها تكافئ المتفانين منكم بتأشيرة زيارة سنويّة إلى أراضيها المقدّسة، أو تستضيفكم، كلّ شيء خالص، للمساهمة والتصفيق في ندواتها وملتقياتها التي لا تحصى كمّا ونوعا…

فتأمّلوا أيّها الكافرون بالنعمة، تأمّلوا إخوانكم العلمانيّين التونسيّين، وخذوا عنهم. ألم يُغرِكم ما وصلوا إليهǃ ها هم يحجّون إلى أوروبا حجّة الشتاء والصيف، يصولون عبر عواصمها وملاهيها ومراقصها، متنقّلين من شاشة إلى أخرى، ومن لجنة إلى مجلس، مُدلين بشهادة الحقّ حول “الوضع في تونس”. الوضع في تونس، حسب العلمانيّين أولاد البلاد، تقشعرّ له الأبدان وترتعش له الفرائص. الملتحون بالباب، يا رسول اللهǃ جيش كامل، منظّم، مدرّب، مسلّح بالدين والسكّين، سينقضّ على البلاد والعباد، زاحفا زحف الجراد… تونس لم تعد تونس أمام وعيدهم وتهديهم، لقد صارت “تونستان”، قاعدة للقاعدة، تتصدّى للعلمانيّة وتهدّد أمن أوروباǃ فهل سيقبل الغرب بهذا الخطر المحدق، وهل سيظلّ مغدقا عليكم بالقروض التي لولاها ما كنتم تتنفّسونǃ النجدة يا أمّنا فرنسا، الحقينا يا أوروبا، أينك يا “عمّ سام”، أو يا عمّ “أوباما”، أو حتّى يا خالتي “كلينتون”… أنقذونا، أنقذونا… أنقذوا ثورتنا التونسيّة، زينة الثورات العربيّة، فقد باتت مهدّدة من جرّاء أفكار الملتحين وصنيعهم الهدّام. فمن أنتم حتّى تعترضوا طريقها؟ من أنتم؟ من أنتم حتّى تركبوا ثورتنا وتغيّرون مجراها؟ إنّ الثورة التونسيّة باسم العلمانيّة مجراها وباسم العلمانيّة مرساها، فما دخل دينكم بها وبمحتواهاǃ أين كنتم قبل الثورة؟ أنسيتم ما سامكم من صنوف العذاب طيلة العهد البائد؟ أنسيتم ما ضُرب عليكم من ذلّ ومسكنة حتّى بات الواحد منكم لا يجهر بدينه؟ فما لكم تستأسدون اليوم بعد أن ضحّى محمد البوعزيزي بروحه فداء للثورةǃ كأنّه استشهد من أجلكم يا سبحان الله ǃ كأنّه لم يخلّف وصيّة تحدّد معالم الطريق أمام الثورة، وتهتدي بها تونس من بعدهǃ

نعم، لقد خلّف لنا محمد البوعزيزي وصيّة تلقّيتها عنه مباشرة، من فمه إلى أذنيّ، فقد شاءت الأقدار أن أكون بمدينة “سيدي بوزيد” يوم أوقد المرحوم شرارة الثورة التونسيّة، زهرة الربيع العربيّ. رأيته بعد أن صادرت الشرطة بضاعته وعربته، مورد رزقه ورزق عائلته، وتابعته وهو يتنقّل من إدارة إلى إدارة، ومن مكتب إلى مكتب، محتجّا مرّة ومتوسّلا كرّة، وعاينت كلّ الأبواب التي سُدّت في وجهه، وما لقيه من تعنّت ورفض من لدن أعوان الإدارة وموظّفيها، ومن احتقار وعدم اعتبار، حتّى راعني ما آل إليه من خيبة وانكسار… اجتهدت ما أمكنني لأواسيه، وأخفّف من روعه، إلاّ أنّه فاجئني بنظرة تتّقد عزما وإصرارا، ثمّ أخد بيدي وأجلسني قبالته في بعض مقاهي المدينة حيث أملى عليّ وصيّته. وهذه الوصيّة ها أنا أسوقها إليكم كما هي، بحذافيرها وبدون زيادة ولا نقصان، فصاحبها اليوم في دار الحقّ ونحن في دار الباطل، ممّا يجعل منها حديثا صحيحا، لا إسناد فيه ولا عناد، صالحا لكلّ البلاد، وواجبا على العباد…
حدّثني محمّد البوعزيزي، برّد الله ثراه، قال: «اسمع منّي واكتب عنّي، وانشر كلامي من بعدي. إنّ ما تقاسيه بلادنا اليوم يستوجب منّا أعمالا جسيمة وتضحيات أجسم، فقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد لشعبنا طاقة على تحمّل هذا الوضع المتعفّن. إنّ تونسنا الخضراء تختنق، بل تغرق وتحتضر، ولا من مغيث، ولا من ثائرǃ فاشهد يا تاريخ، واشهد يا عالمǃ اشهدي يا تونسǃ إنّي سأثور من أجلك، من أجل شعبك المكبّل بقيد العار. أنا لا أقول لكم إلى الأمام، يا إخوتي ويا أخواتي، بل أقول لكم اتبعوني. ها أنا أفتح الطريق أمامكم، وأهديكم سبيل الرشاد. اليوم سأضحّي بروحي فداء لكم، واليوم سأعطي إشارة الانطلاق للثورة التونسيّة، طليعة الثورات العربيّة. هلمّوا إلى الثورة، إلى النضال، إلى الكرامة. بهذه الثورة سأرسي لكم قواعد دينكم الجديد: العلمانيّة. نعم، إنّي أضحّي اليوم بروحي حتّى تعمّ العلمانيّة كافّة التراب التونسيّ، وحتّى لا تقوم للدين قائمة في هذه البلاد. المجد للعلمانيّةǃ المجد للديمقراطيّةǃ والخزي والعار على الملتحينǃ سادتي العلمانيّين، سيّداتي الديمقراطيّات، أتقدّم اليوم بجسدي قربانا لمسيرتكم وخدمة لمذهبكم، فارفعوا رؤوسكم واصدحوا بصوتكم. ولا يهولنّكم أنّكم أقلّية ضئيلة وسط أغلبيّة ساحقة، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرةǃ تسلّحوا بالإيمان والإعلام. انتشروا على الشاشات، واغزوا الصفحات، واسبحوا بين الموجات، وكلّ ما هو آت آت. إلى الأمام، إلى الأمام، والنصر لكم والدحر والانكسار لأصحاب الدين. أقول قولي هذا وأستنهض العزم لي ولكم، والله على كلّ شيء “كابابل”».

هكذا تحدّث محمد البوعزيزي، وتلك هي وصيّته أبلّغها إيّاكم حسب ما تقتضيه الأمانة. ولا يذهبنّ إلى بال أحد أنّي أبالغ أو، حاشاكم، أكذب وآتي بالشيء من عندي. فأنا أملك برهانا قاطعا لما أسوقه، وهو تسجيل صوتيّ لهذا الحديث. فهل دليل أقطع من هدا الدليلǃ نعم، كان المرحوم يتحدّث وأنا أسجّل بواسطة الهاتف الجوّال. إلاّ أنّ الملتحين، ما أشدّ مكرهم، تنبّهوا لوجود هذا التسجيل، وأذاقوني من التهديد والوعيد أنواعا كي ينتزعوه منّي. فصمدت، وقاومت واستبسلت، حتّى أبلّغ الأمانة أهلها. فما كان منهم إلاّ أن اختطفوا أبي وأمّي، وقد بلغا من العمر عتيّا، على إثر خروجهما من صلاة الجمعة، وهدّدوا بقتلهما إن أنا لم أتنازل لهم عن التسجيل الثمين. فتنازلت، وضاع التسجيل والدليل. لم يبق لكم إلاّ أن تصدّقوني إذن. فئن فعلتم فقد بلغ المقصود وحصلت الغاية، وإن لم تصدّقوا فأنتم في صفّ الملتحين…
وفي الختام، تقبّلوا أسمى معاني التحيّة العلمانيّة والسلام الديمقراطيّ…