خصص المجلس الوطني التأسيسي جلساته يومي 23 و24 من شهر جانفي الجاري لحوار مع رئيس الحكومة وهذه مناسبة لتفعيل دور المجلس في مراقبة عمل الحكومة كما جاء في القانون الداخلي لسير أعماله وهي مناسبة لم تكن للمحاسبة ولا للمسائلة لأن الحكومة لم تقم بعد بشيء يستدعي المحاسبة أو المسائلة ولكنها كانت جلسة حوار حر و صريح حول أوضاع البلاد شمل جميع النواحي وبهذه الصفة فهي تتنزل ضمن التأسيس لعلاقات الشراكة بين المجلس والحكومة في إدارة الفترة الانتقالية الثانية
وإذا ما استثنينا بعض المداخلات التي تجنح إلى نظرية المكائد أو تلك التي أطلت من أعماق الانغلاق الديني يتجاوز كل حدود المعقول و توظيف المقدس لدفع الحكومة إلى استعمال القتل وتقطيع الأطراف لمجابهة الاحتجاج الاجتماعي , فإن المتتبع المحايد لما جرى في هذه الجلسات لا يجد صعوبة في إقرار أن تشخيص المشهد العام بالبلاد الذي جاء في تقرير رئيس الحكومة وفي كلمات أغلب السادة النواب يتسم بالصدق في نقل الوضع الصعب من حيث التدهور الأمني والضغط والاجتماعي وتداعياته على الوضع الاقتصادي وأن هذا الوضع إذا ما تواصل فهو ينذر بالخطر على مستقبل البلاد و أن هناك تقارب في فهم موجة الغضب الاجتماعي التي تكاد تخرج من تحت السيطرة وفي قراءة أسبابها و هناك اتفاق واسع في التقييم وفي ضرورة استبعاد التعامل الأمني لمعالجة مختلف هذه الظواهر وتفعيل سلطة القانون في حدود ما يسمح به القانون بالنسبة للتجاوزات و مظاهر النهب و الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة وتعطيل المرافق العمومية

عبرت الحكومة خلال هذا الحوار على رغبة في الانفتاح وأقرت بأنها في حاجة إلى شرعية الوفاق والإقرار الصريح بجسامة المهام و محدودية الإمكانيات وعبرت عن عزمها على التعاطي مع الأوضاع الأمنية والاجتماعية للبلاد بما يتوافق مع الوعي بما تستدعيه المرحلة الانتقالية في فترتها التأسيسية والذي هو صياغة الدستور وتنظيم الانتخابات في نهاية سنة واحدة .

إن ما جاء في التقرير أو في رد رئيس الحكومة فيه تعديل في قراءة المشهد الوطني و فيه ابتعاد عن المقاربة الانتصارية الحزبية التي دفعت الحكومة في تركيبتها وفي خطابها إلى إعلان العزم على الحكم والتحكم و إشهار سلاح الأغلبية وتعمدت تغليب المصالح الحزبية الضيقة غلى المصلحة الوطنية بل أن الكثير من الشواهد والتصريحات ارتهنت المصلحة الوطنية بالمصلحة الحزبية مما جعل الحكومة في عزلة سياسية واجتماعية لم تساعدها على حسن إدارة المرحلة ومنعتها من التحكم في عوامل الحكم الناجح
على الحكومة أن تستخلص الدروس وأن تواصل المجهود في هذا الاتجاه وعليها أن تتمكن من تقديم برنامج اجتماعي مقنع يكون مدخلا إلى التهدئة وعقلنة المطالب الملحة لإزالة مكامن الغضب الاجتماعي وبعث الثقة بكل معانيها وفي كل مظاهرها لرجوع الاستثمار لأن الاقتصاد يساوي الثقة

إلى جانب الضغط الاجتماعي تواجه الحكومة خللا سياسيا حقيقيا يتمثل في فقدان الثقة مع الرأي العام الوطني أساسه عجزها ويراه الكثيرون تقصيرا متعمدا منها في التصدي لأعمال العنف و حماية الحريات الفردية والعامة والتساهل مع من يعمل على محاربة المجتمع في مكاسبه ونمط عيشه والتي نتيجتها المباشرة تقويض السلم المدنية إذا ما أستفحل أمرها في مواصلة استعمال العنف الذي يستهدف رموزا من نخبة المجتمع ويجب أن يكون واضحا أن للحكومة مسؤولية تتجاوز التنديد إلى إجبار هذه المجموعات العقائدية على التخلي عن استعمال العنف بكل أشكاله و الانسجام الكامل مع استحقاقات الثورة في الاحترام الكامل للحريات كل الحريات ومنها حرية هؤلاء في التعبير عن أفكارهم وعقيدتهم