بقلم عماد محنان،

(تعقيبا على مقال الدّكتور منصف المرزوقي: لا حلّ في الإسلام هو الحلّ)

برسوخ سؤال المصير بعد هزّات قوميّة دينيّة عنيفة منها النّكبة والنّكسة وحربا الخليج الثّانية والثّالثة ومذابح فلسطين اليوميّة، صار من الطّبيعي أنْ نرى ركونا غير مسبوق إلى الهويّة وأسئلتها الحارقة. الهويّة ديناميّة. هذا أمر أصبح مسلّما به. ولكنّ حدودها غير متّفق عليها.

“من نحن”؟ كلّ ما يعتمل الآن في الوطن العربي والعالم الإسلامي ترجمة بأشكال متباينة لهذا السّؤال العميق. الحلّ الذي لم يوجد بعدُ لمعادلة الهويّة يجب أن يكون ناتجا عن حركة فكر عنيفة تخرج من أرضيّة “السّلف” العربي والغربي إلى آفاق ورؤى أرحب أساسها إقرار الهويّة التّعدديّة. اتّخذت الثّورةُ في تونس مهادِ الرّبيع العربي شكلا توافقيّا بعيد المدى على توصيف الواقع القائم بالدّكتاتوريّة وبالحاجة إلى التّجاوز والتّغيير. ووقع الاختلاف في البدائل. لم تكن فكرة الدّيمقراطيّة سوى حلم جمعي شعبي ونخبوي. ولذلك اتّحدت الفكرة عند تجسيمها بـ”المستحيل” اعتبارا لعلوق الحلم بـ:”الخيال”. الدّيمقراطيّة إحدى أكبر إبداعات الإنسانيّة في المضمار السّياسي…وهنا وهم آخر. وهو أنّها الأفق الأخير المأمول للتّعايش السّلمي والرّخاء والإبداع. لم نفكّر يوما في احتمال أن تكون الدّيمقراطيّة شكلا مفرغا أو شيئا قابلا للتّجاوز على أساس غير ماضوي ولا إحيائي…ببداهة اعتبرنا الدّيمقراطيّة حكم الشّعب والشّكل الوحيد الممكن لتكريس حاكميّة الشّعب. المسألة هنا نظريّة وليست سياسيّة. وهي راهنا أكبر أسئلة الثّقافة العربيّة.

وتبدو مجتمعاتنا العربيّة بالغة الانسجام والتّناغم لاتّصال الرّقعة التّرابيّة ووحدة اللّغة والدّين والتّاريخ وغيرها من محدّدات الأمّة الإيديولوجيّة. ولكنّها في الحقيقة عديمة التّناغم من منظور تصوّر الهويّة. هنالك وهم آخر يولّد نوعا من العنف الذّاتي الذي يترجم إلى تسلّط داخلي أكثر ممّا يُترجم إلى استعداء خارجي سمّي بـ”الإرهاب” ولا يعدو أن يكون شمّاعة تعلّق عليها أمريكا وأوروبا إستراتيجيّات ماتزال ملامحها غير واضحة بدقّة…وذلك هو البعبع الواهي الذي يُخفي الأزمة الفادحة. إنّ انسياق النّخبة والجمهور خلف الشّعور بأنّ الإسلام مستهدف وأنّه في خطر وأنّ الأمّة على مشارف التّفسّخ هو الذي ولّد خيار تكليس السّلطة السّياسيّة في القالب الدّيني من أجل إحلال ضمانات عافية الدّين أخلاقيّا وتشريعيّا وعمليّا. والجواب ببساطة هو أنّ الدّين لا يمكن أنْ يُستهدف لأنّ استهدافه يؤدّي إلى إنعاشه.

ألا يعلم الذين يحبّرون الكاريكاتور المسيء للرّسول (ص) ويحرقون المصحف الشّريف ما هو نوع ردّ الفعل المنتظر؟ كيف وقد جرّبوا وأصرّوا؟ هنالك حاجة إذن إلى ردّ فعل من هذا القبيل لإنفاذ إستراتيجيا سياسيّة وحضاريّة مخصوصة. ستحتاج الذّاتيّة الجريحة إلى تعميم حضور الدّين في جميع مسامّ الوجود لكي يكون ردّ الفعل شاملا أفقيّا جماعيّا. وعند ذلك يُستحصل من التّكتيك الاستفزازي الذي تنتجه جهات غير رسميّة ــ وإن كانت الجهات الرّسميّة تتواطأ معه أو تفتعل حوله استنكارا مشوبا بالغمز مضمونه الحقيقي الدّعوة إلى مزيد التّحرّش بالعاطفة الدّينيّة الإسلاميّة لإنتاج ردّ الفعل المطلوب ــ مجتمع مُستنفَر دينيّا.

انعكست في هذا الخضمّ العلاقة بين المؤمن والإيمان. ففيما كان الدّين باب الرّجاء وحِمى المؤمن صار هو نفسه المحميّة التي تواجه خطر الانقراض. وهي علاقة معكوسة. فحين يجب على المؤمن أن يستقوي بدينه واثقا من طابعه الأزليّ الذي هو طابع أنثروبولوجي، لكي يتحرّر ويبدع، هاهو يستفرغ طاقته في حرب دفاعيّة يحرّكها أفراد قابعون داخل كواليس تنتج التّسلية بدم بارد وتنفّذ مخطّطات مصيريّة بعيدة الغور.

إذا ما جرت تغطية كامل مساحة الوجود الإنساني باللّون الدّيني سعيا إلى تنفيذ خطّة “إعادة انتشار” ناتجة عن تأهّب مصدره العاطفة الدّينيّة وأزمات الهويّة ومناخه الملائم سوء الهضم النّظريّ وغياب التّحليل الإستراتيجي العميق لطبيعة السّجال بين النّخب الإسلاميّة والدّوائر الأجنبيّة المختصّة في توجيه التّاريخ وصناعة المصير عندنا، فإنّ الدّين سيتحوّل إلى رأسمال مجتمعي بل سيكون مجمل رأسماله. وعند ذلك يصبح الدّين مؤسّسة ذات ثقل كبير…وستكون هنالك مسؤوليّات صيانة من أجل الحفاظ على ضمانات قيام الدّين على تحريك جميع مفاصل الوجود من سياسة واقتصاد وثقافة وغيرها. هذا هو الذي أستسمح قارئي في تسميته بـ”عمى الألوان الدّيني” حيث يكون كلّ شيء مرجعه الدّين ويكون الدّين معيار كلّ شيء..وهو أكبر مداخل ضمور الإبداع إذ تنكمش الطّاقات وتذوي الملكات ولا تقوَ قدر الكفاية على متابعة الإبداع لأنّه لا يُراد لها أن تنظر إلاّ بمنظور أوحد موحّد. سترصد المؤسّسات عنيت الأسرة والمدرسة والأمن والبحث والثّقافة والفنّ ولْنقُلْ أيضا الدّولة بالمجمل قصارى طاقتها للتّأهيل الدّيني حيث يكون الدّين هو الغاية والتّأهيل فيه شرط إدراكها. الحقيقة التي يجري تجاوزها في هذا الواقع بالغ السّلبيّة هي الذّهول عن كون الوجود الإنساني غنيّا متعدّدا وفي الآن نفسه مُتجدّدا، والسّهو عن أنّه ليس في وسع الدّين أن يستغرق كلّ هذا التّعدّد ولا أنْ يُلاحق جميع آنات ذلك التّجدّد. ويبقى أنّ المفارقة القيّمة على إفراز هذا الواقع الذي يبدو أنّنا في طريقنا إليه، هو أنّ هذا المشروع بأكمله، وهو الذي تمثّل فكرة الأسلمة الشّاملة (التّشريع والاقتصاد والمعرفة إلخ) أحد أكبر عناوينه، مفارقة تترجم إلى ما يلي : هذا المشروع مظهره مُمانعة وجوهره مُطاوعة. وسلبيّة هذا المشروع وعقمه كامنان في قدرته على أنتاج ديمقراطيّة في آن واحد، ممكنة وممتنعة، عنيت إمكانها بالشّكل وامتناعها بالمضمون. وذلك أنّه سيكون ميسورا إجراء قواعد ديمقراطيّة في واقع فُرض عليه التّوحّد بنوع من الإكراه الرّمزي ليس بالبعيد أن يؤول، إذا ما فقد توازنه كما في إيران، إلى إكراه عنفيّ مادّي. فالإكراه الرّمزي الدّاخلي جنيس الإكراه الخارجي الذي هيّج عاطفة الدّين وسؤال الهويّة ليكرّسهما خيارا أو موضوعَ رهان (السَّبَقُ أو الخَطر). والغريب أنّ الذي يُجري راهنا هذا الإكراه في واقع الحال ليس هو الطّرف القيّم على إنفاذهِ أي الطّرف الذي يصدر عن رؤية دينيّة بل الطّرف الذي يُفترض فيه الاعتراض عليها سياسيّا وفكريّا. وهنا، أشير بالبنان واللّسان إلى اليسار والمنسوبين إلى العلمانيّة والطّرح الحداثي. فإذكاء النّيران تحت مرجل الهويّة قبيل السّاعة صفر من الاستحقاق الانتخابيّ يقول لنا بمنتهى الوضوح من هم أوّل حَملة بوق النّفير الدّيني. ولا يبدو أنّ هذا اللّغز قد فُكّ تماما رغم ما يبدو من محاولات نقد ذاتي بالغ الاحتشام في هذه الأوساط. بل تجري الأمور إلى غاية واحدة رغم السّجال والكيد الكامن في تجييش غرائز المطلبيّة وإشهار أسنّة الفقر والتّهميش. والغاية ببساطة هي مزيد الالتفاف حول هاجس الدّين والهويّة مجتمعيّا.