AFP/JEAN-PIERRE MULLER

بقلم محمد يوسف

لم يعد القتل العمد محمولا فقط على قاموس الجرائم البشعة .. قد يكون متعديا الى ما لايحصى من نتائج يمكن إحالتها الى ما يعرف بمصائب قوم عند قوم فوائد .. فلا غرابة .. فحتى الموت حين تدخل عليه السياسة يكتسي ألوانا ومظاهر ونتائج يفصلها البعض كما يشتهي .. أردنا أن نشير فقط أن محمد مراح الفرنسي من أصل جزائري حين أطلق النار منذ أيام قليلة على أطفال يهود قبالة مدرسة دينية يهودية وقبل ذلك على جنود فرنسيين . لقد فتح الباب على مصراعيه لتداعيات عديدة لا صلة لها مع ما يختلج بذهنه وعقيدته وشذوذه النفسي المحتمل ..او اهدافه الجهادية المقدسة..

ارهاصات عديدة ارتبطت بهذه الأحداث وانعكاساتها على الشأن السياسي في تزايد متواصل وفي ما يلي ملاحظات ذات صلة ..
* قبل أسابيع من الإنتخابات الرئاسية الفرنسية والتي يدخلها ساركوزي بمؤهلات جعلت منه التوقعات عبر سبر الآراء , لا يرتقي الى مستوى المنافسة .. مقابل فسحة من الحظوظ غير المقيدة لمنافسة الإشتراكي فرانسوا هولند…
بمجرد ان لفظ الضحايا اليهود أنفاسهم على يد مسلم متشدد كان الواجب (السعيد) يقضي انه على ساركوزي توقيف العمل بموعد انطلاق الحملة الإنتخابية والتفرغ لممارسة أعلى مراتب صلوحيات رئيس الجمهورية رمز الوحدة الوطنية وحامي الوطن والأمة … في عرض ركحي مفتوح يتابعه بشغف كل الناخبين المستقرين في “ارض مهددة”…

ولم يكن مفاجئا أن يضطلع ساركوزي المتمرس بهذه الأدوار الأمنية كوزير داخلية سابق من ناحية ولهمية الصلوحيات الرئاسية الفسيحة لرئيس حامي الجمهورية من ناحية اخرى …

كان الطريق ميسرا وسهلا لساركوزي المهزوم قبليا أن يكون قائدا وبطلا قوميا رمزا للوحدة والتضامن في توقيت مهم للغاية …ولا ندري أن يكون الحدث حاسما ام لا..

ان تطور أحداث ملاحقة الجاني المتحصن بشقته بإحدى احياء تولوز الراقية .. تمكن ساركوزي ان يتحمل مشقة اصدار البيان تلو البيان الى الأمة ومعاودة الظهور الميداني الميسر خاصة وأن الحدث اصطبغ بنزعة هيتشكوكية جعلته محل أنظار العالم لأكثر من 48 ساعة من النقل المباشر الحي وغير الحصري .. وبتتالي المواقف السياسية وتعدد المراسم خاصة ما يتعلق منها بتكريم الجنود الفرنسيين المغاربة ضحايا الجهاد المغاربي في فرنسا… ولعل الأمر قد فتح الأبواب جميعها لجملة من الطقوس الإنتخابية سواء بدبلوماسية الجنائز حيث لم يتردد وزير الخارجية في ارتداء القبعة اليهودية وذرف الدموع السخية في تل أبيب بكل اخلاص.

كما لم تردد زعيمة الحزب اليميني المتطرف مارين لوبان في تحميل العرب والمهاجرين ودول عربية مسؤولية خطر التطرف بفرنسا ..
ويعلم العارفون كيف وصل ساركوزي الى قصر الإيليزي ذات يوم عندما وجد فجوة استعطف فيها شق اليمين .. وتمكن من قلب الأوضاع.. في اتهامه بالفساد المالي فغنم من حيث لا يعلم و بلا ثمن ولا استحقاق بمساعدة حاسمة من خصومه الذين تبين ادعاؤهم الكاذب في بهتة من سيرورة التاريخ السياسي الفرنسي الذي لا يسمع الا لخريجي المدرسة الوطنية للادارة من تصدر سدة الحكم… او على الاقل من لهم ” وهرة ” فرنسية بارزة..

ولما قال منافسوه وعدد هائل من المتابعين ما كل مرة تسلم الجرة .. ولكن هل تعاد الكرة..
لم يدر محمد مراح انه بعث رسالة انتخابية جديدة. فقد أفادت مراكز سبر الآراء حول النوايا الإنتخابية (المؤقتة) أن ساركوزي اصبح الآن يتصدر المشهد بنسبة 30 % مقابل 27 % لخصمه الإشتراكي فرنسوا هولاند . دون أن ننسى الـ15 % التي يحافظ عليها اليمين المتطرف هي مرتعا مفترضا لساركوزي .. ومن هذا المنطلق لم يتردد ساركوزي في بدء جملة جديدة تحمل خطة اجرائية (إنتخابية جدا ) لمقاومة التطرف الإسلامي سنعود إلى تفاصيلها عندما يتعرض الى العلاقة بالشأن السياسي التونسي…
ولكن دعونا قبل ذلك ننحو الى شريط الأحداث بعيدا عن الصراع الإنتخابي .

لقد حاولت فرنسا أن لا تجعل من محمد مراح بطلا يموت وهو يقاوم، بل ذليلا يسلم نفسه ويتلهى الإعلام بمحاكمته الطويلة ليكون عبرة وحجة على نجاعة فرقة النخبة الفرنسية المختصة في مقاومة الإرهاب التي بذلت عصارى جهدها أن تلقي عليه القبض حيا بتعليمات (مجانية) من ساركوزي نفسه .. ولكن الشاب الفرنسي من اصل جزائري كان بتلقائيته قد استعرض فلكلورا (عربيا) من القوة والشجاعة والثقة بالنفس فلا غرابة ان امتدحه الإعلام الفرنسي من هذا الجانب كما ورد في شهادة السيدة رئيس تحرير القسم الإنجليزي لشبكة 24 France فقد ذكرت أن محمد مراح تحدث اليها بكل ثقة في النفس وبكل عفوية متبنيا ( العمل الجهادي المقدس ) الذي اقدم عليه انتقاما لأطفال غزة وانتقاما من الجنود الفرنسيين المشاركين في القوة الدولية بافغانستان.. ولم يخف انه عازم على مواصلة المشوار وانه معتد بنفسه ومرتبط بالقاعدة .. الخ ونضيف انه كان يتحدث برصانة ويجيب على الإسئلة بثقة عالية الخ وقد أكد المدعي العام الفرنسي بعد معرفة ان الرجل كان على عزم كبير ومنظم وانه اصر على أن يموت ببطولة رافض ان يكون سجينا ذليلا .. كما انه لم يتردد اثناء التفاوض في مد البوليس الفرنسي بعديد الأسرار والقرائن التي تثبت دون اية جدل انه هو من قام بالعمليات الثلاث و دلهم على الدراجة النارية التي استعملها في قتل الجنود الفرنسيين وتسجيلات فيديو توثق لهذه الأحداث وسيارة تحمل اسلحة ومتفجرات …

ولما كان محمد مراح شابا فرنسيا له سوابق سجنية نتيجة قضايا سرقة وانحراف وسجينا (ارهابيا) في افغانستان .. ومتشدد في تدينه كما يعرفه الجميع ببدلته العسكرية واديولوجيته الداعية للعنف .. كان السؤال الذي لم يطرحه الساسة الفرنسيون ومعارضي ساركوزي وحكومته .. لماذا لم ينتبه البوليس الفرنسي لهذا الرجل خاصة بعد اقترافه لعديد الجرائم الجهادية وقد شملت جنودا فرنسيين في ثكنتهم ؟ لقد تم تأجيل الانتقادات دفعة واحدة..

وانا اواكب اللغو الإعلامي حول الحدث استرجعت بالذاكرة (تقاليدنا الديمقراطية العريقة في تونس ) التي تبيح لنا مهاجمة الخصم السياسي في كل الحالات واقتناص الفرص خاصة ما تعلق منها باخلالات الحكومة واستهتارها بأمن المواطنين وحرمة الوطن .. ولعل التخوين والاتهام بالتآمر والتخريب بديلا اجرائيا مؤقتا عن تهم تهم الارهاب السابقة… ربما يكون الفرنسيون الذين صاموا لفترة محترمة خلال تداعيات الاحداث عن شتم الحكومة ( في ظرف موات) لا يفقهون الديمقراطية .. فحتى قرب الإنتخابات الفرنسية لم تدفعهم الى ذلك فكان الأمن معصوما من المنتقدين وكان هم الجميع الخروج بأخف الأضرار من الأزمة التي اشعل فتيلها محمد مراح.

بعيدا عن الشأن الفرنسي . هل تدخل محمد مراح بفعلته في مستقبل العلاقات الفرنسية التونسية ؟
كلما حاولت طرد فكرة تأثير المشهد السياسي الفرنسي المعطوف بهذه الأحداث الأخيرة على الواقع السياسي التونسي جرني تقدم الأحداث الى عمق الحراك السياسي الجاري عندنا .. ومن ذلك :

* إسترجاع ساركوزي لأنفاسه الإنتخابية المؤقتة سيسري على دبلوماسيته تجاه تونس وسينعش من هم في وصال مع الحكومة الفرنسية وقد عجزت عنه الحكومة بطبيعة الحال وهي تنتظر مضطرة رئيس فرنسا القادم بعد هزيمة ساركوزي.. خاصة بعد الجليد المخيف النائم بين الطرفين.

* صعود مخاطر التيارات الدينية المتطرفة وتهديدها للأمن في المشهد السياسي والإعلامي الفرنسي لن يزيد الا قوة الأصوات المتعالية في تونس المحذرة من خطر الإسلاميين الداهم .. وهاهي الحجة أصبحت بائنة و(مصيرنا واحد …) وقد جرى الأمر في تونس أن الحق ما شهدت به فرنسا وعشاق اللسان الفرنسي المبين من ابناء جلدتنا المتمرسين.

* في غمرة المزايدات اليمينية الإنتخابية أكدت مارين لوبان أن التطرف الإسلامي أكبر خطر يهدد فرنسا وأن قطر تقف وراء تمويل حركات متطرفة في فرنسا وقد يجيبها مناهضي قطر في تونس ’ لافض فوك يا أختاه لقد قلناها مرارا وتكرارا ……
* ساركوزي يشير بضرورة التعجيل بإتخاذ إجراءات رقابية صارمة يتم من خلالها معاقبة من يبحر في المواقع المشددة عبر الأنتـرنات او من يتعامل مع جهات تساهم في تكويــن دينــــي ” غير مستصاغ ” .. كل ذلك في بلد الحرية والديمقراطية فما بالك بمن هم في تونس وقد ضاقوا ذعرا بعنف السلفية وشدة الدين وغلو الخطباء المواطنين والوافدين ..
الا يكون المثال الفرنسي قدوة فعالة في التخلص من ” الحثالى” بكل ديمقراطية .. ولكم في بن علي اسوة…
أما السفير الفرنسي الذي فاحت رائحة ” مغامراته” الديبلوماسية بكل دهاء .. فإنه سيجد في محمد مراح والأحداث الأخيرة بفرنسا مطية .. لا للجلوس على الربوة ولكن لاعادة الكرة عسى أن لا تسلم الجرة.

وأخيرا فان ما يجري في فرنسا مؤقت ومؤقت جــــدا وان النوايا الإنتخابيــــة لا يعلمها الا
الله …وسيكون الجدل الفرنسي القادم مشبعا بالمناورات.. وفي المقابل ترقب الاطراف السياسية في تونس بتائجه وكأنه يحدث عندنا..