بقلم محمّد فراس العرفاوي،كنت قد ناقشت في مقال سابق على موقع نواة (أنظر”المعزق في ثورة تونس…بين التعريف والواقع“) المصاعب المتعلّقة بتعريفات الثّورة التّونسيّة و تأثير ذلك على إستمراريّتها. و الآن يطلّ علينا عيد الشّهداء بمواجهات حامية بين الجهاز الأمني لحكومة الثّورة و فصائل معارضة متعدّدة، مواجهات تعيد طرح أسئلة كثيرة من حيث الإتّهامات و سقف المطالب: الحكومة تتهّم معارضيها بالسّعي على إسقاطها و المعارضون يتّهمون الحكومة باستعمال “شبّيحة” إلخ…

و في مواصلة للنهج الدّيماغوجي المعهود من نخب بن علي السّياسيّة، تمّ وضع الصّراع في إطار الإسلاميّين ضدّ اليسار. و إن كنت أرى بأنّ الإستقطاب الأيديولوجي يفسّر جزءا مهمّا من الأحداث التّي جدّت خلال عيد الشّهداء و قبيله إلّا أنّ الإقتصار عليه يغيّب عوامل مبدأيّة من طابع الثّورة نفسها. و قد تفكّرت في الأمر و رأيت أنّ الجميع لا يختلفون حول وجود التعثّر. امّا المهمّ الآن فهو تشخيص موطن الدّاء المتأصّل في جسم الثّورة و قد توصّلت إلى جرد 4 عوامل أساسيّة:

1) عدم إكتمال “التّطهير الثّوري”:

أو كما عرفناه على شكل حملات شعبيّة عفويّة “ديقاج”. و قد تمّ إجهاض هذا المسار في مرحلة جنينيّة و لم يكن بعد قد استكمل هدف تطهير المؤسّسة العموميّة. و هذه الحملات مثّلت ذروة الثّورة و وفّرت “للثوّار” نتائج آنية كفيلة بإضفاء الزّخم و إطالة نفس الجمهور من خلال تقديم ثمال ملموسة و إشفاء غليل الثّائرين. و قد تمّت “هزيمة” هذا التحوّل أو على الأقل الحدّ منه من خلال التّسويف و اعتماد عامل الوقت عموما ممّا حرم التّونسيّين من ثورة مؤسّسات مكتملة.

2) إستكانة الجماهير و الإنحراف بالطّاقة الثّوريّة:

تمثّل هذا في مغادرة الجماهير للسّاحات و أماكن الإعتصامات فور بلوغ خبر هروب بن على. و خلق هذا الفراغ في السّيطرة على الشّارع المتزامن مع الإنسحاب الأمني فرصة لجحافل النّهب و الحرق حتّى تعيث فسادا. و قد أفسدت “أيّام الجمر” والإنفلات الأمني، التّي تلت النّصر النسبيّ، الفرحة على الثّوار كما شوّهت الصّورة الأولى للثّورة عند القطاعات الشّعبيّة الكبيرة (الأغلبيّة) التّي لم تشارك بالثّورة أو لم تتفطّن لها أصلا (عد إلى المقال السّلف الذّكر).

و في مرحلة ثانية، و خصوصا بعد الإنتخابات برز الإستقطاب الثّنائي و الذّي إنحرف بالإمكانيّات الثّورية نحو الصّراع الإسلامو-علماني. و رغم إيماني بأنّ هذا الصّراع كان سيأتي لا محالة إلّا أنّه كان مبكّرا متجاوزا بذلك أهداف الثّورة الواضحة نسبيّا و المتوافق على خطوطها العريضة كالتّطهير المؤسّساتي و الإصلاح الهيكلي الشّامل و المحاسبة و غيرها.

3) إنعدام التنظّم الثّوي:

من المؤسف أنّ أقصى حدّ للتنظّم الثّوري بعد هروب المخلوع كان “مجموعات الحراسة” في الأحياء و التّي غذّاها الخوف من السّرقة لا الدّافع الثّوري عموما. أي أنّ الثّوار لم ينتظموا فورا في تنسيقيّات أو مجالس لفرض الأمر الواقع على أيّ سلطة قادمة و ممارسة الحكم فعلا. عوضا عن ذلك، تقهقرت الثّورة بسرعة إلى أحضان مؤسّسات المعارضة التّقليديّة (معارضة بن علي) من أحزاب و نقابات و منظّمات مدنيّة. و لا يخفى علينا أنّ تلك الهياكل مهترئة و عديمة الجدوى ثوريّا لسببين رئيسيّن: أوّلا قمع بن علي الذّي لم يترك منها سوى قشور و أسماء غالبا وثانيا اعتيادها ذاتيّا على دور الضّحيّة و عدم جهوزيّتها للثّورة المباغتة أو حملها لمشروع ثوريّ بديل. و قد أدّى هذا المسار إلى الإنخراط في المطلبيّة و الإستجداء بدل فرض الوقائع.

4) النّهضة و “الإصلاح النّاعم”:

ليس إتّهاما أن نقول أنّ الحركة الكبرى في تونس لم تساند بشكل مباشر التحرّكات الثّوريّة التي تلت هروب بن علي و حاولت النّأي بنفسها عن الشّارع بطريقة أوحت للكثيرين أنّ قيادة الحركة لا تزال تخاف من النّظام أو من إستفزاز الحكومة الإنتقاليّة. و قد تواصل هذا النّهج النّاعم بعد تولّي الحكم على نحو عام حيث نرى براغماتيّة زائدة و استعمالا تصالحيّا للغّة الرّسميّة لا يوحي بحكومة ثوريّة بل إصلاحيّة أساسا.

إذا ما مصير الحراك الثّوي؟

حسب رأيي ستستمرّ المواجهات و التحرّكات الفوضويّة (لا ترقى للّاسلطويّة) والتّي لا يمكنها تقديم البديل و لا يجمعها سوى العدوّ المشترك(التّرويكا، الحكومة، النّهضة…)و التّي تؤدّي إلى تردّي الواقع الإقتصادي. و في المواجهة ستكون السّلطة محتشمة و بطيئة و عاجزة على مجاراة المطالب و الأمنيات التّي يغذّيها غرماؤها. و لكّن هذا التكهّن إن صحّ القول ليس محتوما و يمكن أن تنقلب الموازين في حالة تمكّن أحد اللّاعبين من تحقيق تغيير معتبر في أحد العوامل الأربعة أو حصول أمر جلل آخر.