بقلم شرشبيل،

لقد فوتت النهضة على نفسها فرصة تاريخية حين فازت بأغلبية الأصوات في إنتخابات أكتوبر 2011 لأن من صوت لها لم يكن أساسا من الإسلاميين بل من كل التيارات السياسية بما فيها اليسار والوسط. لقد كان الدافع في التصويت للنهضة هو البحث عن بديل وعن مسؤول وسياسي يخاف الله. و لكن النهضة حين فازت في الإنتخابات, أصابتها بهتة,لأنها لم تكن مستعدة للحكم. فالحركة ذات مرجعية دينية عاشت منذ قمعها في الشتات, وككل الحركات الدينية فيها حداثيين ومتشددين وتم تطعيمها بعد 14 جانفي بأطياف مختلفة من المجتمع بما فيها النخب والتجمعيين و بعض اللأصوليين اللاهثين وراء مصالحهم الضيقة و الذين تعودوا على رحي الدقيق. ولم تكن الحركة بعد الإنتخابات قادرة على تعبأة الحشود من الإتحاد العام التونسي للشغل والهياكل المهنية ومن المجتمع المدني ولم تتمكن من إستقطاب رجال الفكر والفن الذين لا يستميلون الحركات الدينية لأنها تقيد الإبداع. لقد وضعت النهضة نفسها في مأزق لأنه لم يكن لديها تصور واضح لإدارة الدولة ,لذا حاولت أن تتحالف مع أحزاب أخرى من اليسار ليكون النجاح نهضويا إن حصل, والفشل ترويكيا وهو ما تعيشه البلاد اليوم. لقد كان للنهضة فرصة تاريخية لم تعرف منذ البداية إستغلالها, فهي لم تحدد من البداية أهداف واضحة ومعلنة على المدى القريب والمتوسط عن ماهية المجتمع التونسي وموقعه في العالم وخصوصيته وحداثيته بالمقارنة مع الشعوب العربية والإفريقية والمتوسطية الأخرى وكان عليها من البداية إستقطاب النخب والمجتمع المدني واليسار الذي صوت جانب منه للنهضة وقدم لها صكا على بياض.

ولكن غياب الخبرة والصراع الكرسوي وخوف شيخ النهضة التاريخي من الفشل, جعله يفضل ترك زمام الحكم لمحمد الجبالي (شخصية غير كاريزماتية ورتيبة) في حين يقوم الشيخ بدورالخميني من حيث توجيه أمور البلاد في الظل ومن فوق كرسيه المقدس. برزت قلة الخبرة منذ البداية مع تذبذب العمل الأمني و أداء الحركة وتصريحات الحكومة وتصريحات بعض من الذين عرفوا بالتشدد في النهضة (شورو, بن سالم , اللوز) وكذلك من باندية نخب الحركة (لطفي زيتون) و الديماغوجيين (عامر لعريض, الصحبي عتيق,,,) . و قد تزامن هذا مع التضامن المعلن والواضح للنهضة مع التيار السلفي.

دق الحداثيون في تونس ناقوس الخطر, وتمادت الحكومة و الحركة في الأخطاء وإختارت الصدام بدل الوفاق وبرز ذلك في التصريحات الإعلامية والمشاحنات التي قام بها أتباعها في كل المناسبات.

فالحركة تعاني من مشاكل كثيرة أهمها إختلاف الرؤى داخلاها بين الثنائيات الموجودة فيها : بين المهاجرين والمحليين وبين الحداثيين والمتشددين و بين الجدد والقدامى وبين أنصارالغنوشي وبقايا كركر. كل هذه الثنائيات لا تتفق في الحقيقة على موضوع إلا بعد مجادلات تنتهي في غالبها لصالح التيار الحداثي للنهضة. لقد إتجه إهتمام الحركة منذ البداية على إستعمال التشويه والتقزيم تجاه الخصوم وإستعملت الأموال اللقيطة في تمرير أفكارها في الشارع عن طريق المجموعات العنيفة التي تدافع عن أفكارها بإسم تونس عربية مسلمة فيما أصيح بعض مساجين الحق العام من المتشددين دينيا وبدنيا . لقد خسرت النهضة تعاطف فئات كثيرة من الناس, لأنها كانت تفكر بعقلية تجمعية إقصائية ترفض الأخر لأنه مختلف عنها. لم تندد بصراحة ولم تضع حدا لكل التجاوزات التي حصلت تجاه النخب ورجال الإعلام ووضعت في نفس المكانة المثقف والشعبوي البسيط الذي يلقن ولايفكر ولكن يكفر وأصبح النقاش بين المثقف و الجاهل والذي كان ينتهي لصالح الجاهل عملا بمقولة كلما ناقشت جاهلا إلا وغلبني. لقد سقط القناع الحداثي للنهضة في حادثة منوبة وإنقلبت الموازين وأصبح الطالب صادقا وأستاذ الجامعة كاذبا ويساريا ويتيم فرنسا وكافرا وزنديقا.. إنهزمت النهضة كذلك في حربها على الإعلام وأظهرت مرة أخرى عن عقلية تجمعية تدجينية هي في الحقيقية من الموروث السياسي لأكثر من خمسين سنة من الغبن والإقصاء والتخلف. لقد خسرت النهضة لأنها لم تندد صراحة بالعنف والضرب والسب والتكفير والتشويه ولأن عقلانية الدولة La Raison D’Etat الغائبة اليوم في تونس و التي هي أرقى أنواع الشعور بالمسؤولية عند المواطن, قد غيبت لصالح العقليات الشعبوية السطحية التي تستعمل الدين بإسم الديمقراطية للتشويه وقلب الحقائق.

عقلانية الدولة هو الشيء العلوي والثابت الذي لا يسمح لأي شخص تجاوزه من اليسارواليمين وهو نابع من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومن مبادئ وأخلاق الإنسان والذي يدين إنتهاك الحرمة الجسدية للأشخاص وتشويه الإنسان والمس من كرامته وحلمه في إطار مجموعة تعيش في بلد واحد تحترم فيه الراية و التاريخ والدستور والمبادئ الإنسانية من إحترام الأخر وإحترام النبات والحيوان والتعايش السلمي لأننا ننشر الإسلام بالمحبة والإخاء وليس بالكره والقتل.

وضع أسس لمفهوم عقلانية الدولة هو اليوم من أوكد الحاجيات لإنجاح الصيرورة الديمقراطية في تونس و يبقى دور المجتمع (المدرسة) و الأحزاب والمجتمع المدني هاما وأساسيا لذلك, في حين يبقى الإعلام هو الضامن لذلك بحياده ودوره التثقيفي في تكوين مواطن تونسي واعي ومثقف ومسلم.