Cartoon by Ramzy Taweel

Cartoon by Ramzy Taweel

بقلم أحمد بن مصطفى سفير سابق

هناك محطات فارقة في مسيرة الثورات تضعها أمام خيارات صعبة ومصيريّة لا تخلو من مخاطر الانزلاق والانتكاسة ، والمتمعن في المشهد السياسي التونسي يشعر أن تونس بلغت اليوم هذه المرحلة المفصليّة والتاريخيّة بكافة ما تحمله من مخاطر وتحديات . فمنذ سنة انطلقت مسيرة الانتقال الديمقراطي بتونس في أجواء احتفالية بنجاح أول انتخابات حرة في تاريخ بلادنا السياسي الحافل بالخيبات والانتكاسات ، ومنذ سنة كان التفاؤل هو القاسم المشترك الجامع بين جل التونسيين الذين كانوا يعتقدون أن تونس وضعت أخيرا على المسار الصحيح المؤدي الى بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية المنشودة.

إلا أن ذكرى انتخابات المجلس التأسيسي مرت في أجواء غلب عليها الاحساس الجماعي بالحيرة والتساؤل وحتى الشك لدى البعض في قدرة البلاد على مجابهة الصعوبات والتحديات المعرقلة للمسار الانتقالي بتونس ، فالمشهد السياسي التونسي أضحى يتميز اليوم بالتأزم والتوتر والتوجس من المستقبل وغابت عنه مظاهر الاحتفاء بموعد 23 أكتوبر 2011 الذي كان من المفترض ان يحييه التونسيون كما عاشوه منذ سنة باعتباره يوما تاريخيا شهدت فيه البلاد أول انتخابات حرة منذ الاستقلال ، وهي الانتخابات التي ستمهد في غضون سنة للانتقال الديمقراطي المنشود بانجاز الدستور وتنظيم الانتخابات وبناء مؤسسات الجمهورية الثانية.

إن غياب المغزى التاريخي لهذا الحدث المفصلي في مسيرة تونس بعد قرابة العامين من الثورة يعزى الى عدة عوامل لعل أهمها الاحتقان السياسي والانفلاتات الأمنية واتساع دائرة العنف والصعوبات الاقتصادية المتفاقمة وتنامي الخلافات بين التيارات السياسية الحاكمة والمعارضة حول القضايا والخيارات ذات البعد المصيري والمتصلة خاصة بالهوية والنمط المجتمعي ومنوال التنمية وغيرها من المسائل الحساسة . وقد تولّد عن ذلك بروز مخاوف لدى الرأي العام والفاعلين الاقتصاديين المحليين والأجانب وشركاء تونس الدوليين من صعوبة التوصل للتوافق المنشود حول خريطة الطريق الكفيلة بانجاز الانتقال الديمقراطي في آجال معقولة بما يضمن استعادة تونس لمقومات الأمن والاستقرار.

وقد ازدادت هذه المخاوف في الآونة الأخيرة مع بلوغ حالة التأزم والاحتقان درجات غير مسبوقة من الخطورة خاصة بعد اتساع دائرة العنف منذ حادث اقتحام السفارة الأمريكية ثم المواجهات الدامية مع السلفيين وأخيرا أحداث سليانة والاعتداء على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل وما ترتب عنه من مضاعفات خطيرة كادت أن تؤدي الى الاضراب العام ، فضلا عن تزامن هذه التطورات مع عودة مخاطر الارهاب وحصول مواجهات مسلحة داخل التراب التونسي في المناطق الحدودية مع الجزائر بين قوات تونسية وعناصر مسلحة يشتبه في انتماءها الى تنظيم القاعدة في منطقة المغرب العربي.

وهذا الى جانب استفحال الخلافات السياسية صلب الترويكا الحاكمة بعد الانتقادات الأخيرة التى وجهها رئيس الجمهورية الى الاداء الحكومي ومطالبته بتشكيل حكومة تكنوقراط مصغرة فضلا عن صعوبة التوصل الى توافق وطني صلب المجلس الوطني التأسيسي حول النظام السياسي وتوزيع السلطات في أعلى هرم السلطة وكذلك عدم التوصل الى التوافق حول خريطة الطريق لانجاز بقية الاستحقاقات المطلوبة ومنها خاصة إعداد الدستور وتنظيم الانتخابات وتحقيق بقية الخطوات والآليات الضرورية لانجاز الانتقال الديمقراطي المأمول.

والجدير بالملاحظة أن الثغرات الموجودة في التنظيم المؤقت للسلطة وتطور الأوضاع في تونس أدى في واقع الأمر الى اتساع فعلي لمهام رئيس الجمهورية التى لم تعد تقتصر على السياسة الخارجية بل أضحت تطال أيضا بعض جوانب السياسة الداخلية لاسيما في المجال الأمني بحكم تولي رئيس الدولة القيادة العامة للقوات المسلحة وبالنظر الى الدور الهام والأساسي الموكول للجيش التونسي منذ اندلاع الثورة في المجالات الأمنية وفي مواجهة مصادر التهديد للأمن التونسي الداخلية منها والخارجية . وعلى صعيد متصل أصبح رئيس الدولة يعمل على الاضطلاع بدور في الحوار الوطني من خلال انفتاحه على كافة التيارات والحساسيات السياسية . هذا فضلا عن الدور التعديلي الذي يسعى للقيام به في مواجهة الأزمات والخلافات السياسية بين الحكومة والمعارضة مما أدى به أحيانا الى توجيه انتقادات مباشرة الى حزب النهضة والى الحكومة وهو ما انعكس سلبا على ائتلاف الترويكا الحاكمة . ومن مظاهر هذا التصدع استمرار الخلافات في صلب المجلس الوطني التأسيسي داخل لجنة تنظيم السلطات بين حركة النهضة التي تصر على تجريد رئيس الجمهورية من جل الصلاحيات التنفيذية وبقية الأطراف السياسية بمن فيها حزبي الؤتمر والتكتل المصرين على تحقيق التوازن بين سلطة رئيس الجمهورية وسلطة رئيس الحكومة.

وقد إرتايت في إطار هذه المساهمة في الحوار الوطني تسليط الأضواء على إحدى الخاصيات المميزة للمشهد السياسي التونسي منذ الاستقلال والتي تؤثر في تقديري مع عوامل أخرى على نسق انجاز الانتقال الديمقراطي كما أثرت سلبا منذ الاستقلال على تطور الحياة السياسية وبناء الديمقراطية بتونس . وهذه الخاصية تتمثل في انعدام التوازن بين السلط العليا حيث ظلت السلطة الرئاسية تهيمن على مفاصل الدولة على حساب بقية السلط التشريعية منها والتنفيذية والقضائية . واللافت للانتباه أن هذا الوضع استمر بعد الثورة بفترتيها الانتقاليتين مع فارق وحيد وهو انتقال مركز السلطة والقرار من رئاسة الجمهورية الى رئاسة الحكومة . ولاشك في أن استمرار هذا الخلل في التوازن بين السلطات يحتاج في نظري الى أن نتوقف عنده وأن نحاول رصد انعكاساته على مسيرة تونس منذ الاستقلال خاصة في أعقاب ما أعلنته الترويكا الحاكمة في أكتوبر الماضي عن توصلها الى توافق حول النظام السياسي المقترح ادراجه بالدستور، وهو تطور هام يؤشر الى إدراك الطبقة السياسية الحاكمة بتونس ، على ضوء تجارب الحكم المتعاقبة لضرورة القطع مع سلبيات الحكم الفردي والسلطة المطلقة . واعتبارا لأهمية استخلاص العبر من تجارب الماضي في مرحلة البناء التي تعيشها تونس سيكتسي هذا المقال صبغة تحليلية لتطور نظام الحكم بتونس في الجانب المتعلق بتوزيع السلطات انطلاقا من الاستقلال الى يومنا هذا ، اما المحور الثاني للمقال فسيخصص للخروج ببعض الاستنتاجات والاستخلاصات الضرورية بالنسبة للحاضر والمستقبل . واعتبارا لغزارة المادة سيقع تجزئة المقال وسيخصص الجزء الأول الى الفترة الممتدة من الاستقلال الى غاية اندلاع الثورة والفترة الانتقالية الأولى ، أما الجزء الثاني فسيخصص الى فترة الحكم الموالية لانتخابات المجلس التأسيسي.

ولعله من المفيد الاعلان منذ البداية أن أهم استخلاص أمكن التوصل إليه يدفع الى الاعتقاد بأن مصلحة تونس تقتضي اليوم الاسراع بسن نظام سياسي دائم قائم على التوازن الايجابي والبناء بين السلط العليا لأن التاريخ أثبت أن انعدام هذا التوازن كان من العوامل المعرقلة للبناء الديمقراطي والتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي بتونس، والمقصود بالتوازن البناء هو التوزيع المتكافئ للمهام الكفيل بضمان التكامل والفاعلية في إدارة الشأن العام بين السلط القائمة في أعلى هرم الدولة . إلا أنه تبين أيضا أن تحقيق هذا التوازن ، وان كان ضروريا ، فانه غير كاف لتحقيق البناء الديمقراطي في اطار من السلم الاجتماعي والتوافق والوحدة الوطنية لاسيما في ظل التحولات الكبرى والتعقيدات الطارئة على المجتمع وعلى المشهد السياسي بتونس منذ الاستقلال ، وبالذات بعد الثورة وبعد انتخابات المجلس التأسيسي . وعلى افتراض التوصل الى تحقيق التوازن البناء بين السلط فقد ْأظهرت تجارب الحكم بتونس أن الفريق الحاكم يحتاج أيضا الى العمل بروح وفاقية وان يكون موحدا في نظرته لنمط المجتمع ومنوال التنمية المناسبين لتونس كما يحتاج نجاح التجربة الديمقراطية وجود فريق متجانس وموحد حول برنامج عمل وأهداف واضحة حتى يستطيع اضفاء النجاعة المطلوبة والمردودية اللازمة على العمل الحكومي . ولعل عدم توفر هذه الشروط في تجربة الترويكا الحالية القائمة على محاولة التعايش بين أحزاب سياسية تختلف في الرؤى حول بعض القضايا الأساسية ، هو الذي يفسر ما تتعرض له هذه التجربة من صعوبات.

وعلى صعيد متصل سيتبين لنا أنه حتى في حالة توصل المجلس الوطني التأسيسي في أفق قريب الى اعتماد النظام السياسي القائم على التوازن البناء بين السلط الرئاسية والتنفيذية والتشريعية والمستند الى رؤية توافقية موحدة للنمط المجتمعي والتنموي والمؤسساتي المطلوب انجازه ، فإن ذلك لن يشكل إلا خطوة أولى باتجاه انجاز الانتقال الديمقراطي الحقيقي بتونس الذي يبدو أنه سيحتاج الى زمن طويل حتى يصبح خيارا استراتجيا لا رجعة فيه كما يحتاج الى جهود كافة الطبقة السياسية فضلا عن الطاقات الفكرية والثقافية والفاعلين الاقتصاديين.

1) الانعكاسات السلبية لانعدام التوازن بين السلطات منذ الاستقلال

لاشك في أن انعدام التوازن بين السلط العليا في الدولة شكل إحدى العقبات الاساسية التي عرقلت البناء الديمقراطي والتنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية بتونس ، على امتداد فترات الحكم المتعاقبة بتونس منذ الاستقلال إلى اندلاع الثورة ، ففي بداية الاستقلال إرتأى المجلس الوطني التأسيسي صياغة دستور 1959 على مقاس الرئيس بورقيبة الذي احتفظ بجل السلطات التنفيذية لنفسه الى غاية 1976 حين تم تحوير الدستور باتجاه توسيع مشمولات الوزير الأول ، ولكن الرئيس بورقيبة ظل المسيطر على دواليب الدولة خاصة بعد تحوله الى رئيس مدى الحياة سنة 1975.

والملاحظ أن امساك الرئيس بورقيبة بمطلق السلطات كانت له بعض الايجابيات النسبية خلال العشريتين الأوليين بعد الاستقلال حيث تمكن ، في ظل مناخ من الاستقرار ، من انجاز بعض الاصلاحات الضرورية في مسائل خلافية كتعميم التعليم وحقوق المرأة والأحوال الشخصية، كما تمكن من سن الخيارات الكبرى في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية . إلا أن سلبيات نظام الرئيس بورقيبة برزت مع ظهور المشاكل الصحية التي قلصت من قدرته على إدارة شؤون البلاد مما أدى عمليا الى استيلاء الأطراف المحيطة به على حيز هام من الصلاحيات الرئاسية لتوظفها وفقا لأهوائها ومصالحها الذاتية . كما واجه الرئيس بورقيبة ونظامه التيارات الديمقراطية الناشئة بتونس بسياسة القمع بحجة أن المجتمع التونسي غير ناضج لحياة سياسية متطورة وأدى ذلك الى انشقاق الخط الديمقراطي داخل الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم الذي انتظم في حزب معارض برئاسة السيد أحمد المستيري . وبعد انتخابات 1981 المزورة أضاعت تونس فرصة أحداث النقلة الديمقراطية ودخلت في أزمة سياسية واقتصادية هيأت الأجواء الملائمة لانقلاب السابع من نوفمبر الذي حصل في اعقاب استفحال المواجهة بين النظام البورقيبي وحركة الاتجاه الاسلامي.

وفي ظل الديكتاتورية تحول النظام الرئاسي الى نظام رئاسوي استبدادي يسيطر فيه الرئيس بشكل مطلق على كافة السلط وكافة دواليب الحكم والدولة خاصة بعد سلسلة التحويرات الدستورية التي أفرغت بقية السلطات من مضمونها وحولت البلاد الى ديكتاتورية استبدادية وأعطت الرئيس السابق امكانية التحول الى رئيس مدى الحياة . وازدادت الأمور تدهورا وتعقيدا بتكريس ظاهرة السلط الموازية للسلط الرسمية ولاسيما سلطة العائلة الرئاسية بتفرعاتها وأجنحتها وما ارتبط بها من أصحاب نفوذ من رجال السياسة والأعمال واللوبيات المختلفة التي أساءت الى هيبة الدولة ومصداقيتها بلجوئها الى ممارسات الفساد المالي والإداري مما أساء الى صورة تونس في الداخل والخارج . كما انهارت هيبة مؤسسة الرئاسة وتلطخت صورة رئيس الدولة والحال أنه كان يفترض أن يكون رمزا للدولة والحارس اليقظ والأمين لقيم الجمهورية . هذا كما ساهمت الدكتاتورية بتكريس الفرقة والانقسام في صلب المجتمع التونسي باعتماد سياسة القمع الوحشي والإقصاء من الحياة السياسية والاقتصادية ضد المعارضات بكافة اطيافها الدينية والمدنية ، كما ارتهن جزءا من ثروات البلاد وصناعاتها وطاقاتها الاقتصادية والإنتاجية والتصديرية الى الخارج بسبب سياسة التبعية السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية مما أدى الى الاستنقاص من قرار تونس السيادي وخضوعه أحيانا الى التأثيرات و الاملاءات الخارجية . وقد أظهرت التطورات الموالية للثورة مدى الانعكاسات السلبية لهذه الخيارات الكارثية التي ما تزال حتى بعد تولي السلطات الشرعية للحكم تلقي بظلالها القاتمة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بتونس.

2) تنظيم السلطات خلال الفترة الانتقالية الأولى بعد الثورة

بعد سقوط الديكتاتورية ، انتقلت السلطات المركزية لأول مرة من رئاسة الجمهورية الى رئاسة الحكومة ، وتزامن ذلك مع تجميد العمل بالدستور مما حوّل جل السلطات بأيدي رئيس الحكومة الانتقالية المكلفة بإدارة الشؤون العامة إلى غاية تنظيم انتخابات المجلس التأسيسي. إلا أن إحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة ساهم في إدخال شيء من التوازن في الحياة السياسية كما ساهمت الهيئة في سد الفراغ الناجم عن غياب السلطة التشريعية وأتاحت المجال للمجتمع المدني وللنخب الفكرية والجامعية والثقافية لتوظيف طاقاتها لخدمة أهداف الثورة ، هذا وساهم أيضا مناخ الحريات الذي أعقب الثورة في مجال الاعلام وحرية الانتظام السياسي في بلورة حوار وطني هادف وثري ساهمت فيه كافة الأطراف السياسية الفاعلة والمعارضين البارزين الذين عادوا من المنفى وأسسوا أحزابا سياسية استعدادا للانتخابات . وقد لعبت كل هذه الأطراف دورا تعديليا مؤثرا بشكل إيجابي في إدارة الشأن العام بالبلاد لاسيما وأن المهام الموكولة الى السلطة الانتقالية كانت محدودة من الناحية الزمنية ومحل اجماع وطني . وكان أحداث الهيئة المستقلة للانتخابات وتنظيم انتخابات المجلس التأسيسي أهم مكاسب هذه الفترة الانتقالية الأولى الموالية للثورة.

وهكذا شهدت تونس لأول مرة حراكا سياسيا وحوارا وطنيا شاملا جمع بين أقطاب المعارضة لنظام بن علي من الداخل والخارج التي سبق لبعض رموزها التوصل مع حركة النهضة سنة 2005 الى توافقات مهمة ، في إطار ما عرف بحركة 18 أكتوبر حول قضايا أساسية من قبيل الحفاظ على مدينة الدولة ومكاسب المرأة ومجلة الأحوال الشخصية . وتركز الحوار الوطني على طبيعة النظام السياسي المناسب لتونس بعد الثورة وكان الحزب الديمقراطي التقدمي ( الحزب الجمهوري حاليا ) يدعو الى الابقاء على دستور 1959 والاكتفاء بإدخال التوازن بين السلطات من خلال إلغاء التعديلات المكرسة لهيمنة السلطة الرئاسية المدرجة بالدستور من نظام بن علي . إلا أن جل القوى السياسية الأخرى فضلت الخيار الاستراتيجي المتمثل في القطع النهائي مع الماضي بإجراء انتخابات المجلس التأسيسي تمهيدا لوضع دستور جديد وبناء مؤسسات ديمقراطية جديدة.

والجدير بالذكر أن هذه الخلافات الجوهرية صلب أقطاب المعارضة الحداثية والديمقراطية انعكست على مردودها في الانتخابات لاسيما وأن خلافاتها امتدت لتشمل مواضيع أخرى هامة مثل حل حزب التجمع ومنع رموزه من النشاط السياسي بعد الثورة مع الاشارة الى أن هذه المواضيع الخلافية تظل الى حد الآن صلب الجدل الدائر على الساحة السياسية وداخل المجلس الوطني التأسيسي . والجدير بالذكر أيضا أن قرار حل التجمع الدستوري وقرار الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة بإقصاء التجمعيين من الانتخابات ترافق مع بروز ظاهرة الانفلاتات الأمنية والأعمال التخريبية المدبرة التي لم يقع الكشف رسميا عن هوية الأطراف المسؤولة عنها ، ولكنها منسوبة عادة الى أطراف سياسية نافذة أو بعض الأوساط المرتبطة بقطاع الأعمال والمعروفة بعلاقاتها الوثيقة بالنظام السابق . وقد أصبحت تخشى على ما يبدو من المحاسبة وإمكانية المساس بمصالحها بعد الثورة وهو ما أدى الى بروز مصطلحات ومفاهيم جديدة في المشهد السياسي التونسي من قبيل اللوبيات والقوى الساعية لإجهاض الثورة ، وترتب عن ذلك ظهور قوى وأطراف تدعو الى بعث آليات لتحصين الثورة من القوى والأعداء المتربصين بها . إلا أنه ورغم هذه المحاولات المبذولة على ما يبدو من أنصار النظام السابق لعرقلة المسار الانتقالي في تونس ورغم بروز بعض التيارات الدينية المتشددة المحسوبة على التيار السلفي ، التي شرعت في التموقع بقوة في المشهد السياسي التونسي ، ورغم بروز ظاهرة الانفلاتات الأمنية والإضرابات العشوائية ، إلا أن كل ذلك لم يحل دون نجاح تونس في انجاز أهم استحقاقات المرحلة الانتقالية الأولى.

والملاحظ أن الحملة الانتخابية انطلقت في أجواء من الخلافات والمنافسة الشديدة بين أقطاب المعارضة المنتمين الى التيار الديمقراطي الحداثي وذلك رغم اتفاقهم المعلن في الرؤى حول النظام السياسي المناسب لتونس بعد الثورة والقائم على التوزيع المتوازن للسلطات للقطع مع النظام الرئاسوي ، وكذلك تمسكهم بالحفاظ على النمط المجتمعي التونسي الحداثي بما حققه من مكاسب في مجال حقوق المرأة والتعليم والتنمية مع الالتزام ببناء نظام ديمقراطي قائم على المؤسسات والتداول السلمي على السلطة وتكريس الحريات الفردية والجماعية ، الى جانب الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء وحرية الاعلام وإدارة الشأن العام استنادا الى علوية القانون ومدنية الدولة وعدم الخلط بين الشأن الديني والشأن السياسي . وفي المقابل كان منافسهم الأساسي وهي حركة النهضة يتبنى برنامجا انتخابيا يدعو الى اعتماد النظام البرلماني القائم على حصر السيادة في البرلمان المنتخب وإسناد السلطات الفعلية الى رئيس الحكومة المعين من حزب الأغلبية مع تقليص مهام رئيس الجمهورية المنتخب من البرلمان في الحدود الدنيا.

وفي القضايا الأساسية الأخرى لم يرد في برنامج حركة النهضة الانتخابي ما يفيد بأنها تنوي مراجعة الخيارات الأساسية لتونس منذ الاستقلال مثل النمط المجتمعي الحداثي والأسلوب التنموي ومدنية الدولة أو مكاسب المرأة . لذا فإن هذه المواضيع لم تشكل مسائل خلافية خلال الحوار الوطني وأثناء الحملة الانتخابية التي انتهت بفوز حركة النهضة بأغلبية كبيرة متبوعة بحزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل وهي الأحزاب التى شكلت الترويكا الحالية الحاكمة بعد تسلمها رسميا للسلطة في ديسمبر 2011.

وسنكتفي بهذا القدر في الجزء الأول من هذا المقال الذي خصص لبيان الانعكاسات السلبية لانخرام التوازن بين السلطات العليا بتونس منذ الاستقلال ، إلا أنه تبين أيضا أنه يمكن التقليل من سلبيات انعدام التوازن اذا توفرت الارادة السياسية لدى الرئيس أو الجهة الماسكة للسلطات الرئيسية لتوظيف سلطاتها لخدمة المصالح العليا على غرار الرئيس بورقيبة الذي استغلى العشريتين الأوليين لحكمه لإرساء الخيارات والإصلاحات الكبرى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وكذلك السياسة الخارجية ، كما ثبت بعد الثورة أن الفراغ الدستوري لم يحل دون نجاح تونس في انجاز أول انتخابات حرة وشفافة في تاريخها وذلك بفضل الحوار والتوافق الوطني والتفاف التونسيين سلطة ومعارضة ومجتمعا مدنيا حول أهداف محددة ومناهج عمل واضحة وشفافة.

وسنخصص الجزء الثاني من هذا المقال لتحليل تجربة الحكم وتوزيع السلطات خلال الفترة الانتقالية الثانية الموالية لانتخابات المجلس التأسيسي.

أحمد بن مصطفى