M09-601

يذكرنا عنوان المقال ببيان وزع يوم 8 ماي 1987 و كلف المناضل نبيل بركاتي الشهادة على يد البوليس و حمل انذاك عنوان “الصراع الدستوري الاخواني لا مصلحة للشعب فيه” . واليوم نجد أنفسنا أمام صراعات جديدة يقف وراءها الفرقاء السياسيون .

اذ يحاول “الديمقراطيون” أن يروجوا لفكرة الانتصار لقوات الأمن في مواجهة السلفيين و بالخصوص الجماعات التي تطلق على نفسها اسم أنصار الشريعة و التي تستعد لعقد مؤتمرها هذا الاحد بمدينة القيروان ,متذرعين في ذلك بما حدث و يحدث في جبال الشعانبي و بتنامي الظاهرة السلفية و الخطر الداهم الذي تمثله على طبيعة و أمن المجتمع و على الدولة و مؤسساتها ,وهو نفس ما تروج له حركة النهضة عبر تصريحات رئيسها راشد الغنوشي الأخيرة و التي انقلبت على هؤلاء و توعدتهم بتطبيق القانون بكل حزم على المارقين منهم .

وكانت حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة ووزير الداخلية حينها علي العريض أبرز المساهمين في انفجار حماسة هاته المجموعات سواء كان ذلك بعدم التعرض لهم في شطحاتهم في الشارع و نذكر من ذلك على سبيل الذكر لا الحصر “غزوة المنقالة” و “موقعة السفارة الأمريكية” التي غابت فيها الاستراتيجيات الأمنية الناجعة و الارادة السياسية للتصدي لهاته المجموعات التي كانت تصول و تجول و تعقد الاجتماعات في الشوارع و الأحياء …اجتماعات لطالما كانت تستضيف وجوها بارزة و فاعلة في حركة النهضة كالصادق شورو و الحبيب اللوز و غيرهما ممن دأبوا على التواجد في مثل هذه الاجتماعات قبل و بعد انتخابات 23 أكتوبر.

ان الحراك و المخاض السياسي هذه الأيام يبرز صراعات ثنائية جديدة أهمها الصراع البوليسي السلفي و الذي يبقى في نهاية المطاف صراعا نهضاويا سلفيا بامتياز فلولا توفر الارادة السياسية من لدن حركة النهضة في مقارعة هؤلاء في هذا التوقيت بالذات لما تناغمت الاستراتيجية الأمنية مع نفس هذا الهدف .

وهذا الصراع و على غرار باقي الصراعات لا مصلحة للشعب التونسي فيه و نرجو أن لا يكلفنا شهادة لسنا بحاجة لها أو ابادة لألسنتنا و أفواهنا نحن في غنى عنها.

ما يحدث الان في تونس هو نتيجة حتمية للسكوت الرهيب الذي خيم على وزارة الداخلية في فترة علي العريض و تخاذل حكومة الجبالي في التصدي جديا و بالقانون لتنامي الظاهرة السلفية و هو ما ساعدها على الاستقواء و التغلغل في المجتمع التونسي المفقر و المهمش اجتماعيا و ثقافيا …

نتيجة منطقية لمنطق الفزاعة ,المنطق الذي استعملته حركة النهضة اذا ما تحدثت عن السلفيين و المتشددين دينيا و قد طالت العدوى الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي في فترة قربه من النهضة قبيل الانتخابات قبل أن يصبح على شاكلته المعروفة اليوم أي حزب العمال المكون للجبهة الشعبية المتصارعة مع النهضة. فمن باب ذكر لعل الذكرى تنفع المؤمنين قام السلفيون في فترة اعتصام القصبة و بعدها بمهاجمة سينما الافريكار و بمهاجمة اجتماعات حزب العمال في الأحياء الشعبية ,حينها أطلّ علينا حمة الهمامي بتصريحات من قبيل “مافماش سلفيين” …”بوليس سياسي مركب لحية” و غيرها …

و لعل انهماكه في حماية الثورة حينها مع رفاقه في حركة النهضة أسقط على عينيه غشاوة و أضحى و رفاقه في الحزب لا يبصرون .
كل هذه الأسباب مجتمعة جعلت الحال على ماهو عليه اليوم و غياب المواقف من جهة و تذبذبها من جهة أخرى جعلنا اليوم نتخوف من مؤتمر لأنصار الشريعة انعقد في السنة الفارطة في ظروف عادية و رفرفت فيه عاليا رايات حزب حركة النهضة جنبا الى جنب مع الرايات السود, وكانت قد ساهمت الحركة في انعقاده حينها عندما كانوا يذكرون الشيخ راشد الغنوشي بشبابه .

المواطن التونسي اليوم و امام ما يحدث ينتظر اجابات واضحة في نفس الوقت الذي يجد فيه نفسه في مفترق الطرق فهو مقتنع بكونه ناقص دينا و عقلا في أغلب الحالات و في عديد الروبرتاجات التي قمنا بها اذ يصرح التونسي بكونه في حاجة ماسة لمن يعلمه دينه كما يبقى أيضا رهين قرارات و مواقف الأحزاب التي ينضوي تحت يافطتها لأخذ مسافة من السلفيين أو الاقتراب منهم و الانصهار ضمنهم, و هنا يجد نفسه متخبطا بين من اعتبرهم راشد الغنوشي “يبشرون بثقافة جديدة و يذكرونه بشبابه” ثم تحولوا فجأة الى “شباب طائش لا يفقه دينه” .

السلفيون اليوم أضحوا رغم تضارب التحليلات و التقديرات لمدى تأثيرهم في المجتمع حقيقة معاشة وواقعا يفرض نفسه و يستدعي التعامل معه بحكمة فنحن لسنا ضد خرية المواطن التونسي مهما كانت معتقداته و طرائق تفكيره في التعبير و التظاهر, لكن مفهوم الدولة يقتضي تنسيب الحقوق و الحريات فان كنا مع مدنية هذه الدولة و تواصلها فوجب أن يكون أقصى يسارنا و يسارنا و أقصى يميننا و يميننا على قناعة راسخة بثنائية الحق والمسؤولية و اذا ما كان الشعب التونسي يصبو الى تركيز دولة الخلافة و تركيز نمط مجتمعي جديد على شاكلة الصومال و أفغانستان و الذي قيمه الشاب السلفي بلال في برنامج التاسعة مساءا على قناة التونسية بكونه ناجح و سيعود بالنفع على البلاد و العباد فمطلوب من بعضنا أن يغادر البلاد كما طالبه بذلك الشيخ الحبيب اللوز و هنا يكون الشعب ضحية لصراع ديني بين التشدد و الاعتدال .

أو أن نبقى و نسعى جاهدين الى مقارعة الفكرة بالفكرة و الحجة بالحجة ووقودنا في ذلك قناعاتنا و مبادئنا و ايماننا دون أن ننخرط على غرار المعارضة في عملية الاستقواء بشيوخ الزيتونة لمقارعة السلفيين أو غيرهم من المجموعات الدينية المتشددة و دون ان نشرّع للعنف على غيرنا كي لا يمارسه غيرنا علينا ما من شأنه أن يمهد للتقاتل و التناحر بين أفراد الشعب الواحد جراء صراع لا مصلحة له فيه ,الشعب الذي ثار على نظام بن علي ضد الفقر و التهميش و من اجل التنمية و العدالة و الكرامة و التشغيل و تكافؤ الفرص بين أفراده يجد نفسه اليوم أمام دولة بصدد التداين من الخارج مما يساهم في اضعافها و اضعاف مؤشراتها التنموية و الاقتصادية و تحويل مجهودات الدولة نحو الترسانة الأمنية و الدفاعية لمجابهة من تطرفوا لأفكارهم و يسعون جاهدين لفرضها بالقوة , القوة التي لم و لن تعود علينا الا بالوبال سواء أفرطت الدولة في ممارستها علينا على اختلاف أفكارنا و انتماءاتنا الايديولوجية أو شرعنا لممارستها على بعضنا البعض .

هذا الصراع هو في نهاية المطاف بين فريق يسعى الى تغيير النمط المجتمعي الحالي و القائنا في غياهب التاريخ و يفتقر الى ثقة تجعله يؤمن بمستقبل أفضل من التاريخ الذي يجد فيه ملاذه الأخير أمام انعدام الأفق فيجد في الدين و المساجد مبتغاه مما يوفر له عزلة نفسية عن الواقع المتردي للمجتمعات العربية الاسلامية و تخلفها عن الركب الثقافي و الاقتصادي العالمي .وفريق اخر وصل الى الحكم عبر صناديق الاقتراع ووجد في مثل هذه المهاترات بين التشدد و الاعتدال مطية لالهاء المواطن البسيط عن غلاء معيشته التي تجد أسبابها في عجزهم عن ايجاد حلول اقتصادية مستعجلة مما ينبئ بانتفاضة شعبية قادمة أمام تردي الأوضاع الاجتماعية مما يجعلهم يمعنون في شرذمة المجتمع و احكام قبضتهم عليه عبر تخويفه من خطر هذه المجموعات الدينية التي كانوا أول من ساهم في تنامي خطرها لجعل التونسي أمام خيارين اثنين المتشددون من جهة وهم من جهة أخرى أي المعتدلون كما يقدمون أنفسهم مما يشرع لبقائهم في السلطة و يصرف أنظار الشعب التونسي عن مسألة الانتخابات و الدستور .

بقلم أمين مطيراوي