بقلم غيلان الرافعي

الظاهر في سياسة الترويكا الحاكمة و ممارساتها اليومية أنها تتجه نحو شحن عقل المواطن بالنسيان و تركه يلهو كالقط بعظمة فار أو “طفل صغير لاعب بالتراب و الليل مغس”, فلا الدستور جاهز ولا الهيئة العليا للانتخابات تم تركيبها و لا تم الإعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية و التشريعية في حين يوم 23 أكتوبر لم يبقى لحلوله سوى ‏131‏ يوما‏…..، .والمواطن التونسي مشغول الآن بالعطلة الصيفية و رمضان والأعراس ثم عيد الفطر ثم يليها الدخول إلى المدارس و المعاهد.أما الإعلام فانه منغمس في متاهات الأحداث اليومية و الصراعات الفردية و الحزبية و الأغنية اللبنانية و الغربية.

إن الناظر لغد يراه سراب و طريق بدون نهاية فالكراسي المبثوثة والزرابي المفروشة والرواتب المهولة لأصحاب الجاه في قرطاج والوزارات و المجلس التأسيسي قد أغنت أصحابها عن الانشغال بقضية إنهاء المرحلة الانتقالية بأسرع وقت، و السائل من حقه أن يسأل ما فائدة هؤلاء الأعلام من انتهاء المرحلة الانتقالية و قد تبين لهم أن الشعب التونسي يئس منهم و أن ليس لهم فرص أخرى للاحتفاظ على الأقل بمراكزهم الحالية.

مند ‏23‏ أكتوبر 2011 لم يتحقق أي شيء من المطالب الشعبية الملحة و الكبرى بل على العكس غرقت البلاد في الوحل و المستنقعات و أصبحت مستهدفة في أمنها الداخلي و الخارجي و نسبة البطالة ترتفع يوما بعد يوم و جيب المواطن فارغ من الإفلاس و المؤسسات تغلق أبوابها الواحدة تلو الآخرى والموسم السياحي في هده السنة لا يبشر بخير و لا فائدة من تعداد الهموم الأخرى التي يعرفها العام و الخاص كالتعليم و الصحة و السكن و النقل…

والغريب أن الجميع يتحدثون عن كل هده الأشياء لكن الكل نسي الحديث عن موعد الانتخابات وهي مفتاح الفرج. و هنالك تكمن غاية أصحاب السلطة ويكمن مناهم، لكن “إلي يحسب وحدو يفضلوا” كما يقال بالعامية أو كما يقول أبو القاسم ألشابي…تحت الرماد اللهيب.

إنه لمن الغباوة و الحماقة الاعتقاد بأن الشعب التونسي سوف يسمح بتمرير مخططات و نوايا هده النخبة السياسية الحاكمة التي تسعى للبقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة دون انجاز ما وعدت به في برامجها الانتخابية وإبقاء دار لقمان على حالها. إن مظاهر العنف والفقر المدقع والتطرف الديني وانعدام الأمن في البلاد سببها الرئيسي هو غياب الدستور و غياب استقرار سياسي و أمني تفرزه انتخابات ديمقراطية عاجلة و شفافة بدون إقصاء لأي جهة كانت أو طرف سياسي منظم أو مستقل في ظل قانون عادل لا يأخذ بعين الاعتبار سوى مصلحة الوطن العليا و مصلحة الشعب بأكمله.

إن دور الإعلام جسيم جدا اليوم قبل غد، فلا بد من تحريض المواطن على المطالبة بإنهاء الدستور فورا و الإعلان عن موعد الانتخابات قبل موفى السنة الحالية دون تململ أو مماطلة فكتابة الدستور لا تستوجب سنتين و مئات الصفحات. يكفي التذكير بأن دستور روسيا الفيدرالية عدد صفحاته لا يتجاوز 44 صفحة و دستور فرنسا 180صفحة و دستور الولايات المتحدة 15 صفحة، لو لم تكن هناك غاية في نفس يعقوب لما طالت كتابة الدستور لحد هدا الوقت.

ولماذا لا يقع الإعلان عن موعد الانتخابات بالتحديد وطمأنة الرأي العام إن كانت هناك نزاهة في الأقوال و الأفعال؟ هم يعدوننا بأن الانتخابات سوف تجرى قبل موفى هذه السنة لكن مادا حققوه عمليا لانجاز هذا الهدف المنشود؟ ها هم يؤجلون البت في الدستور مرة أخرى بدعوى أن موضوع ا لمناقشات لا نهاية لها، فإن مشروع الدستور التونسي، الذي هو الآن في الإصدار الثالث، لا يوجد حتى الآن توافقا في الآراء في الجمعية الوطنية التأسيسية. المشكلة تكمن في انعدام الإرادة السياسية من جميع الأطراف لإنهاء هذا الجدال البيزنطي العقيم على حساب مصلحة الشعب و الوطن.