seddik-livre

رّدّ على استفسار اثنين من قرّاء نواة حول ما ذكر الأستاذ يوسف الصّدّيق عن قصّة موسى والعبد الصّالح وعن سورة الإخلاص.

قصّة موسى والعبد الصّالح وسيرة الإسكندر

تبنّى الأستاذ يوسف الصّدّيق ما ذكر مستشرقون (Wensinck، Jeffery، Lidzbarski، Dyroff، Vollers، Hartmann، Friedländer…) عن اشتقاق قصّة موسى والعبد الصّالح من سيرة الإسكندر المنسوبة إلى كلّستينس حيث أخذ طاه سمكة مجفّفة ليغسلها من عين ماء فعادت إليها الحياة (لأنّ ماءها يعطي الخلود وقد أخذ منه الطّاهي فحصل على الخلود)، وهي قصّة تظهر في بعض الرّوايات المتأخّرة. وقد اعتمد أولئك المستشرقون على التّفاسير المتأثّرة بتلك القصّة وببعض القصص اليهوديّة عن أخنوخ أو إيليّا والّتي تنسب إلى ذلك العبد الصّالح- المدعوّ في التّراث الإسلاميّ ب”الخضر”- صفات لم ترد في قصّة القرآن. وقد وجد الصّدّيق مع فنسنك أنّ اسم الطّاهي أندراوس “يرادف بدقّة” تسمية “فتاه” (18: 60 و62) الّتي دُعي بها صاحب موسى. والحال أنّه مشتقّ من anèr (وبجرّ الإضافة andros) ومعناه الرّجل/الزّوج لا الفتى الّذي يعني في القرآن الغلام/الشّابّ أو الخادم/العبد (4: 25 فتيات، 12: 30 و36 و62، 21: 60، 24: 33 فتيات)، وقد فهم المفسّرون أنّه يشوع بن نون الّذي نعته العهد العتيق بخادم موسى (“شرت”: خر 24: 13، 33: 11، عدد 11: 2، يشوع 1: 1) وبالغلام (“نعر”: خر 33: 11)، وال70 بparestèkos/therapôn/upourgos وneos، وليس فيها محلّ تُرجمت فيه إحدى الكلمتين بanèr الّتي وردت عشرات المرّات لترجمة كلمات تعني رجل أو إنسان أو زوج (مثلا في سفر الخروج: “إيش” 2: 13، 17: 9، 18: 21×2 و25، 21: 18 و22 و28 و29، 22: 31، 32: 28، 35: 22 و29، 36: 6؛ “جبر” 10: 11 و12: 37؛ “بعل” 21: 22؛ “أدم” على الأرجح في 38: 22، 39: 2 اللّذين لا يوجدان في الماسورة بالمقارنة بمقاطع من سفر العدد)، ووردت في العهد الجديد 215 مرّة تُرجمت فيها في نسخة الملك جيمس بman (156) وhusband (50) وsir (6) وfellow (1) وأُسقطت في محلّين؛ أمّا فتى بمعنى الشّابّ فهي عادة neanis/neanias وneaniskos؛ وبمعنى خادم/غلام/عبد pais (والجارية paidiskè). وصيغة الإضافة في حدّ ذاتها توحي بأنّ المقصود “خادمه” أو “غلامه”. من جهة أخرى ليس في قصّة القرآن ما يشير إلى أنّ السّمكة كانت ميّتة وعادت إليها الحياة بملامسة الماء كما في سيرة الإسكندر حيث أتاح الطّاهي ذلك بغسلها في النّبع، ففي القرآن عادت بتلقاء نفسها وليس الماء إذن هو الّذي أحياها، بل إنّ الاعتقاد في ماء يعطي الخلود يتنافى كلّيّا مع القرآن حيث أتت الإشارة الوحيدة إلى شيء من هذا القبيل على لسان إبليس لمّا غرّ آدم وزوجه زاعما أنّ الشّجرة الّتي نُهيا عنها شجرة الخلد (7: 20، 20: 120). الأقرب إلى العقل أنّ حوتهما لم يمت وفي تملّصه أمكنه الرّجوع إلى الماء فاتّخذ سبيله في البحر “سَرَبا” أي مسلكا. وكثيرة قصص الأسماك الّتي تصاد وتنفلت إلى الماء أو يعيدها الصّيّاد إليه. مثلا في متّى 17: 24-27 حيث أمر يسوع بطرس أن “امض إلى البحر وألق الشّصّ فأوّل سمكة ترفعها افتح فاها فتجد إستارا (:قطعة نقديّة) فخذه وأدِّ عنّي وعنك” درهمي الهيكل، الأرجح أنّه أعادها إلى الماء. وهذه الجزئيّة من القصّة غير مهمّة في ذاتها، وإنّما قدّمت سببا ليعودا على آثارهما فيجدا العبد الصّالح. والقصّة تبيّن أنّ الأنبياء أنفسهم لا يعلمون من حكمة الله وغيبه إلاّ ما علّمهم، وفي القرآن عدّة آيات تُظهر قصور إدراكهم البشريّ (9: 84 و114، 11: 12 و46 و75ت، 17: 74ت، 23: 27، 28: 56، 69: 44تت، 72: 26تت…)- وذو معنى هنا اختيار موسى الّذي “لم يقم بعده في بني إسرائيل نبيّ مثله” (تثنية 34: 10) وتقديم الحكيم كنكرة (“عبد من عبادنا آتيناه علما”) اختاره الله ليبيّن له قصوره عن إدراك العدل الإلهيّ. ردّ باحثون بقيّة القصّة القرآنيّة إلى قصّة وردت في “خِبّور يفه مِهيشوع”، وتبيّن أنّ مصدرها “الفرج بعد الشّدّة” لليهوديّ القيروانيّ نسيم بن يعقوب بن نسيم بن شاهين (380-454/990-1062) الّذي استمدّها من التّراث الإسلاميّ مع استبدال موسى بربّي يشوع بن لاوي والحكيم بإيليّا/إلياس. وفي التّلمود قصّة أخرى شبيهة إلى حدّ ما، لكن يصعب إعطاء تاريخ لها فالتّلمود جُمّع على مدى قرون بدءا من القرن 3 م. في القصّتين يرافق رجل شخصا ذا طابع سماويّ يلقاه بنحو عجائبيّ، بينما في قصّة القرآن 3 أشخاص كلّهم بشر، والّذي يتعلّم من الحكيم هو أعظم أنبياء بني إسرائيل. وليس رأي عدد من المستشرقين- مهما كانت معرفتهم بالقرآن والثّقافات الأخرى- في أصل القصّة القرآنيّة حجّة.

سورة الإخلاص وقصيدة برمنيدس

قرّب الأستاذ يوسف الصّدّيق سورة الإخلاص (“قل هو الله أحد. الله الصّمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كُفؤاً أحد”) من الشّذرة 8 من قصيدة برمنيدس “في الطّبيعة” (Peri Phuseo) حيث نُعت الكائن/الكون بهذه الصّفات: غير مولود (agenèton) ولا زائل (anôlethron)، وكلّيّانيّ/كامل (oulon/oulomeles) وبلا حركة (atremes) ولا غاية/منتهى (ateleston)، وقديم (anarchon) وأبديّ (apauston)… يصطدم التّقريب بإشكالات. أوّلها أنّ بارمنيدس لا يصف الذّات الإلهيّة وإنّما الكون المادّيّ، الوجود في إنّيّته ودوامه، أو العالم (kosmos، والكلمة- الّتي لا يستعملها- تتضمّن في نفس الوقت معنى النّظام والتّنسيق)، والآلهة نفسها جزء منه (وفكرة خلق العالم أو فنائه غريبة عن برمينيدس والإيليّين والفلسفة اليونانيّة عموما- وقد قدّم قصيدته كتعاليم لإلهة اللّيل Nux). بينما “تصف” سورة الإخلاص (112، وهي مكّيّة وترتيبها الزّمنيّ 22 حسب إشارات المصحف العثمانيّ وحسب نولدكه) الله وتؤكّد وحدانيّته وتنفي ضمنيّا عقيدة التّثليث كما صاغها مجمع نيقية (325 م) والمجامع اللاّحقة: فهو واحد لا يتجزّأ ولا ابن له وهو الأوّل ولا إله سواه و”ليس كمثله شيء” (42: 11)، و”كلّ شيء هالك إلاّ وجهه” (28: 88) خلافا للفلسفة اليونانيّة أو فكرة الملاك أو النّفس كجوهر روحانيّ لا يفسد كما في بعض الكتابات المسيحيّة. من جهة أخرى كيف وصلت أفكار برمنيدس إلى الجزيرة العربيّة والحال أنّ السّاحة الفلسفيّة في العصر القديم المتأخّر كانت تحتلّها الأفلاطونيّة المحدثة بالأخصّ؟ وحتّى في العصر الإسلاميّ لم يكن له تأثير واضح في الفلسفة الإسلاميّة، لكن قد نجد تأثير “تلميذه” أنباذقليس المختلف عنه في كونيّاته في بعض الصّوفيّة كابن مسرّة. لكنّ سورة الإخلاص قريبة في معانيها من عدّة مقاطع من العهد القديم (وإن كانت مقاطع أخرى تحمل آثار الوثنيّة)؛ وكذلك من بعض الكتابات اليهوديّة. والمسيحيّة نفسها تؤكّد أنّ الأقانيم الثّلاثة وحدة- ذلك “سرّ” التّثليث. والشّبه بين القرآن ونصّ أقدم يونانيّ أو مصريّ لا يدلّ على تأثير، لأنّ فكرة التّوحيد وُجدت بصيغ مختلفة عند عدّة شعوب- والعهد القديم نفسه يوحي بمصدر مدينيّ لديانة يهوه.

وصايا سورة الإسراء والوصايا العشر

وعلى ذكر العهد القديم، أودّ الإشارة إلى اختلاف الوصايا المضمّنة في سورة الإسراء (17: 22-39) من وجوه عن “نظيراتها” العشر التّوراتيّة كما دعاها. تلتقي القائمتان في التّوحيد (مع توسّع التّوراة بمنع صنع التّماثيل والصّور والسّجود لها والحلف باسم الرّبّ بالباطل) وإكرام الوالدين ومنع القتل والزّنا وشهادة الزّور. وعُوّض النّهي عن السّرقة وعن اشتهاء ما للغير بالأمر بأداء “حقّ” ذي القربى والمسكين الّذي لا معنى لمنعها بدونه، واقترن هذا الجانب “الاقتصاديّ” و”الاجتماعيّ” بالإيمان منذ السّور الأولى (107: 2-4، 90: 13-17، 92: 17-20، 93: 9ت)؛ وتكرّرت فكرة حقّ القريب والفقير في مال المسلم (30: 38، 51: 19، 70: 24ت)؛ وهذا مع النّهي عن الغشّ في البيع يذكّر بعاموس وهوشع.

جمع القرآن

أودّ الإشارة أيضا إلى أنّ ما ذكر الأستاذ يوسف الصّدّيق عن تدوين القرآن في البداية لا يوافق مصدره ولا ما جاء فيه أو في شعر حسّان بن ثابت. وتسمح النّسخة الّتي اكتُشفت سنة 1972 في الجامع الكبير بصنعاء بدراسة أدقّ للمسألة.
من نفس الجذر أتت anthrôpos الّتي تعني الإنسان، بينما تدعى المرأة gunè وgunaika كأنّ الإنسانيّة ترادف الرّجولة (كما في الفرنسيّة)!
قد يوحي بأمر غير عاديّ جواب فتى موسى: “أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنساني إلاّ الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبا” إن كان الجزء الأخير يدخل في إجابته. هل علم بانفلات الحوت إلى البحر من قبل ولم يخبر موسى، أم عاد وأجابه إذّاك، أم التفت لمّا سأله ففهم ما حدث وأجابه بهذا؟ في تفسير ابن كثير اضطرب الحوت في المكتل فسقط في البحر وموسى هو الّذي عجب من انسيابه فيه. وقول موسى: ذلك ما كنّا نبْغ(ي) يوحي بأنّ انفلات الحوت كان علامة على مكان العبد الصّالح كان يعلمها دون فتاه إذ تعني “نبغي” فقط أنّه رافقه ليجداه، ولا تعني بالضّرورة أنّه أُخبر مسبقا بتلك العلامة، والظّاهر أنّه لم يرافق موسى في رحلته مع الحكيم وربّما بقي ينتظره أو قفل راجعا.
توجد فكرة نبتة تعطي الحياة الأبديّة في أسطورة أُتنافشتيم من ملحمة جلجامش. ولشجرة الحياة في العهد القديم تلك الخاصّيّة، لذلك أقام الرّبّ عليها الكروبين بسيف لحراستها (تك 3: 22-24). وفي العهدين العتيق والجديد صار آدم فانيا بالخطيئة. في الفلسفة اليونانيّة العالم أزليّ وأبديّ، والنّفس جوهر لا يناله الفساد. أمّا في القرآن فكلّ شيء فان إلاّ الله (28: 88، وانظر 55: 26ت) وبمشيئته يخلَّد العباد في الجنّة أو النّار. والماء هو العنصر الّذي تعيش فيه السّمكة وخارجه لا تلبث أن تموت، وهنا عادت إلى ماء البحر ولم تعد إلى الحياة بملامسة ماء ذي قدرة عجيبة. قد تكون لقصّة سيرة الإسكندر المزيدة جذور مسيحيّة يشي بها عنصران: السّمك ذو الدّلالة الرّمزيّة، الماء المحيي (التّعميد أو الغطاس).
لم يذكر ابن أبي الدّنيا (208-281/823-894) القصّة في كتابه الّذي يحمل نفس العنوان (ولا القاضي التّنوخيّ 327-384/938-993)، لكنّه روى أخبارا عن لقاء إلياس والخضر واستمرار وجودهما، وجعلهما ابن عساكر أخوين، وابن مردويه (323-410/934-1025) شخصا واحدا (“الإصابة في تمييز الصّحابة”). اقتضى ذلك تغيير موسى الّذي عاش حسب العهد القديم قبل إلياس بأكثر من 5 قرون وهو أعلى منه شأنا. ألّف ربّي نسيم القصّة لتعزية حميه دوناش الّذي فقد ابنه. وربّي يشوع من معلّمي النّاموس في القرن 3 م نُسجت حوله قصص في إحداها سأل إيليّا عن موعد مجيء المسيح فأخبره، وفي أخرى أرسل الله إليه ملك الموت فطلب منه سيفه وطلب منه أن يريه مكانه في العالم الأخرويّ، فلمّا طلعا على الجدار قفز في الجنّة وأرسل معه إلى ربّي جملئيل يصفها (وهو أحد من رأوها وهم أحياء). في القصّة استجاب الله لدعائه أن يرى إيليّا وأعماله في العالم. واشترط عليه إيليّا ألاّ يسأله عن شيء وإلاّ فارقه. أكرم رجل فقير وامرأته ضيافتهما وكانت لهما بقرة فدعا إيليّا فماتت. ثمّ باتا عند رجل غنيّ لم يقدّم لهما طعاما وكان في بيته جدار يوشك أن ينقضّ فدعا إيليّا فأُقيم. ثمّ باتا في قرية أهلها أغنياء ولم يطعموهما، فدعا لهم إيليّا أن يكونوا جميعهم رؤساء. ثمّ باتا في قرية رحّب بهما أهلها وأكرموهما فدعا أن يجعل الله لهم رئيسا (واحدا). ولمّا سأله مرافقه فسّر له أفعاله: فقد دعا بأن تموت البقرة ليفتدي بها روح المرأة الّتي علم أنّها ستموت في ذلك اليوم، والجدار كان تحته كنز، ودعا على الأشرار أن يكونوا جميعا رؤساء وللأخيار أن يعطيهم الله رئيسا واحدا لأنّ السّفينة إن كثر رئاسها هلكت كما يقول مثل شعبيّ معروف.
يرافق فيها بنايا (أحد أعوان سليمان) الملاك أشمداي. يمرّ بتينة فيحتكّ بها فتسقط، ثمّ يهدّ بيتا، ثمّ يمرّ بكوخ عجوز فتستعطفه فينحني فينكسر له ضلع، ويجد أعمى ضلّ طريقه فيعيده إلى سواء السّبيل، وكذلك يفعل بسكران، ثمّ يجد حفل زفاف فيبكي، ثمّ يرى رجلا يطلب من إسكافيّ أن يعدّ له نعلا يدوم 7 سنين فيضحك، ويضحك كذلك لمّا يرى عرّافا يقول لأحد طالعه. ثمّ يفسّر لمرافقه أفعاله. فالأعمى من الأبرار فمن سرّه فاز بالحياة الأبديّة، والسّكران من الأشرار فبإرضائه يجعله يتمتّع بدنياه ولا يكون له نصيب من الآخرة. وقد أبكاه مشهد الزّفاف لأنّ الزّوج سيموت بعد شهر فتنتظر عروسه 13 سنة قبل أن يستطيع أخوه أن يتزوّجها أو يرخّص لها في الزّواج. وأضحكه زبون الإسكافيّ لأنّه لم يبق من عمره سوى 7 أيّام، وكذلك العرّاف الّذي كان جالسا فوق كنز يجهل وجوده. ويبدو أشمداي عين أزموداوس الّذي يظهر في سفر طوبيّا غير القانونيّ (3: 8) كشيطان.
ليس في القصّة انتقاص للنّبوّة وهي لم تبدأ تُعدّ نفسها للانسحاب، بالعكس في اليهوديّة موسى هو الّذي افتتح عصر النّبوّة، ولم يوصف قبله بالنّبيّ سوى إبراهيم (تك 20: 7) في قصّته مع أبيملك الّتي تكرّر قصّته مع فرعون (12: 11-20) وتكرّرت مع إسحاق (26: 1-11)، وتفصله عن نبيّ الإسلام 20 قرنا تقريبا (إن أخذنا بالتّواريخ المقترحة لقصّة الخروج). أمّا العبد الصّالح فلم يكن يصل إلى الحقيقة ب”الاستنباط” كما ذكر.
على سبيل المثال “بيّن” أرثر جفري أيضا بصفة مقنعة بالاعتماد على نولدكه وفرينكل وفولّرز، أنّ كلمة بلد/بلدة مستمدّة من اللاّتينيّة palatium وتعود إلى الاحتلال الرّومانيّ العسكريّ لشمال بلاد العرب؛ ولمّا عُثر على الكلمة بنفس المعنى في الألواح الأوغاريتيّة بانت قيمة ذلك الاشتقاق.
معنى “الصّمد” الأقرب إلى السّياق هو “ما لا يتجزّأ أو ينقسم”. وترجمة يحيى الدّمشقيّ له بالكرويّ المصمت مغرضة.
لا يؤدّي فعل “كان” في العربيّة ونظائره في اللّغات السّاميّة الأخرى تماما فعل (= esse، être، to be، zu sein، …) الّذي تدور حوله الشّذرة، ويستخدمه بارمنيدس بالمعنى القويّ (الوجوديّ مع الاستمرار)، لكن يستعمله أيضا كأداة إسناد copula كما في اللّغة اليونانيّة العاديّة والمنطق (وهو معنى قلّما يستخدم فيه “كان” في العربيّة في غير الماضي، لكن في صيغة النّفي يُستخدم الفعل النّاقص الجامد “ليس”؛ وقد استخدم الكنديّ فعل “أيس” بالمعنى القويّ للكينونة، فعرّف الإبداع الإلهيّ مثلا بأنّه “تأييس الأيسيّات من ليس”، وعرّفه الشّهرستانيّ ب”تأييس ما ليس بأيسيّ”). وهذه الازدواجيّة (إن لم نقل الخلط) بين معنيي فعل أصل كثير من مشاكل الفلسفة الغربيّة.
“نؤمن بإله واحد، الآب القدير صانع كلّ الأشياء منظورات وغير منظورات، وبربّ واحد يسوع المسيح ابن الله المولود من الآب، إلها من إله، مولود لا مخلوق ومن جوهر الآب، الّذي به صُنعت كلّ الأشياء… وبالرّوح القدس”- لا يظهر هذا التّثليث في العهد الجديد إلاّ في يوحنّا1 5: 7ت المريب، لكن يظهر في بعض الأسفار تأليه المسيح (وهو نادر في أقدم الأناجيل، إنجيل مرقس).
التّوحيد، إكرام الوالدين، إيتاء ذي القربى “حقّه” والمسكين وابن السّبيل، النّهي عن التّبذير والتّقتير، وقتل الأبناء خيفة العيلة، والزّنا، والقتل بغير حقّ وتجاوز وليّ الدّم الحكم الشّرعيّ، وأكل مال اليتيم، الأمر بالإيفاء بالعهد، وإيفاء الكيل والوزن، النّهي عن اتّباع الظنّ وقول الزّور، وعن التّكبّر. أتت الأحكام بصيغة الأمر والنّهي مع استخدام الجمع في وصايا قتل الأبناء والزّنا ومال اليتيم والإيفاء بالعهد والكيل والوزن. ووردت أيضا في سورة الفرقان السّابقة (42 بالتّرتيب الزّمنيّ والإسراء 50 حسب المصحف العثمانيّ، و66 و67 حسب نولدكه)، في صيغة وصف للمسلمين (25: 23-74): التّواضع، الصّلاة، التّوسّط في الإنفاق، التّوحيد، الامتناع عن القتل (بغير حقّ) وعن الزّنا، الاستغفار والتّوبة وعمل الصّالحات، نبذ الزّور واللّغو، طاعة ما في كتاب الله، الدّعاء للأزواج والأبناء بالصّلاح، التّقوى؛ وقُدّمت مختصرة في سورة الأنعام المدنيّة (6: 151ت) بمناسبة التّذكير بالمحرّمات الغذائيّة الّتي لم تتضمّنها قوائم القرآن والتّوراة: نبذ الشّرك، إكرام الوالدين، النّهي عن قتل الأبناء خشية الإملاق، والفواحش الظّاهرة والباطنة، وقتل النّفس بغير حقّ، وأكل مال اليتيم، الأمر بإيفاء الكيل والوزن، وقول الحقّ، والإيفاء بالعهد.
وردت الوصايا العشر في خر 20: 2-17 وتثنية 5: 6-21 بصيغة الأمر والنّهي للمخاطب المفرد مع اختلاف في صياغتها، فبعضها مقتضب (“لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد على قريبك شهادة زور. لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا ممّا لقريبك”)، بينما يوحي التّوسّع في الأخرى وتعليلها (التّوحيد، إكرام الأبوين مع اختلاف في ترتيبها، السّبت) بأنّ شرحا (مدراش) أضيف إلى النّصّ الأصليّ يشي به كذلك اختلاف تعليل السّبت بين المصدرين، وتبدو صياغة الحكم نفسها محوّرة لأنّ “السّبت” لم يكن في الأصل اليوم السّابع من الأسبوع، بل ربّما لم تكن توجد في الوصايا الأصليّة وكانت 7 مثل وصايا نوح الّتي تضيف إلى وصايا آدم إباحة لحم الحيوان دون دمه وتحوّر وصيّة النّهي عن القتل بالأمر بالاحتكام إلى المحاكم (تك 9: 4-6)، فالعدد 7 لا 10 ذو قيمة دينيّة عند شعوب العالم القديم.
نسب إلى أبي بكر وعمر “حفظ الموادّ الهشّة الّتي كُتب عليها الوحي من قطع طوب وأوراق جريد وأحجار ملساء وغيرها من الموادّ الّتي استعملها كتّاب الوحي الأوائل”، بينما ذكر القرطبيّ الّذي أحال إليه أنّ النّاس كتبوا منه في حياة النّبيّ “في صحف وفي جريد وفي لخاف وظُرر وفي خزف وغير ذلك” وفسّر: “اللّخاف حجارة بيض رقاق، والظّرر حجر له حدّ كحدّ السّكّين”. فهل كانت “صحيفة المدينة” الّتي كُتب فيها ميثاق النّبيّ لسكّان يثرب بشتّى مللهم في 52 بندا “قطعة طوب”؟ وهل تجمع المصاحف طوبا؟ وهل ذلك معنى صحف إبراهيم وموسى والصّحف المطهّرة بأيدي السّفرة وصحف الأعمال (أو الكتب) يوم القيامة؟ وقول امرئ القيس: “أتت حِجج بعدي عليها فأصبحت/ كخطّ زبور في مصاحف رهبان”؟
98 : 2ت “رسول من الله يتلو صحفا مطهّرة فيها كتب قيّمة”، 52: 1-3 “والطّور. وكتاب مسطور. في رقّ منشور”، 85: 21ت “بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ” إن أخذنا بقراءة نافع المدنيّ وابن محيصن المكّيّ برفع “محفوظ” (بينما يجرّه أكثر القرّاء)، خاصّة أنّ عدّة آيات ذكرت أنّ الله سيحفظ القرآن بينما لم يُذكر “اللّوح المحفوظ” في أيّة آية أخرى. حسّان بن ثابت: “عرفتَ ديار زينب بالكثيب/ كخطّ الوحي في الرّقّ القشيب”.