بقلم محمد سميح الباجي عكّاز،

في الخامس والعشرين من أوت الماضي،  أعلنت السلطات التونسية حدودها مع الجزائر وليبيا منطقة عسكرية عازلة لسنة كاملة قابلة للتمديد. قرار جاء عقب الانفلات التجاري الذي تشهده البلاد بسبب استفحال التهريب والتجارة الموازية، وصعوبة تأمين أكثر من 500 كم تمثّل الحدود التي نتقاسمها مع ليبيا..

ليبيا لم تكن يوما مثالا يحتذى به من الناحية الأمنية و عانت طويلا من الانفلات و الاضطراب الحدوديّ، لكنّها كانت على الأقلّ قادرة على احتكار التوتّر في حدودها والقضاء عليه قبل أن يتسرّب إلى تونس.. هي اليوم منطقة تعاني تخومها من انتشار الجريمة المنظّمة وعصابات التّهريب التّي تتنازع حول عائداته و على السيطرة الميدانيّة في غياب قوّة رادعة تضع ضبط الحدود أولويّة أمنيّة قصوى لما لها من انعكاسات لا على ليبيا فحسب، بل على محيطها ككلّ .

التهريب يهدّد الأمن الغذائي لتونس

بدأت النشاطات غير القانونيّة على الحدود عبر  توفير الخدمات التي يحتاجها عادة المسافرون مثل الطعام وخدمات الهاتف وتغيير العملة الذي يجري على قارعة الطريق وبدون ترخيص. ففي مناطق الجنوب الشرقي، لا يكلّف تجّار العملة أنفسهم عناء الاختباء، بل يديرون أعمالهم على قارعة الطريق. “هنا تصريف العملة”. يافطة مكتوبة بالخطّ العريض تعترضك وأنت تجتاز لتتطوّر بعد ذلك إلى تهريب مختلف البضائع الاستهلاكيّة كالمواد الغذائيّة و الأجهزة الالكترونيّة و البنزين، مستفيدين من الفارق الكبير في الأسعار. كان ذلك يجري على مرأى ومسمع من السلطات التونسية التي كانت ولا تزال تغض الطرف على هذا النوع من التجارة الموازية نظرا لما توفره من مواطن شغل لعدد ضخم من الأشخاص، وهو ما من شأنه أن يؤمن استقرار آلاف الأسر. فهذه الحركة التجارية الموازية، امتد تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي ليشمل قطاعات واسعة من السكان، يلاحظ آثارها فيما يسمى بأسواق ليبيا المنتشرة بكامل المناطق التونسية، والتي تؤمّن حاجيات جزء لا بأس به من احتياجات الفئات محدودة الدخل وحتّى من الطبقة الوسطى.

كما أنّ هذه التجارة خلقت مجموعات كثيرة من المستفيدين، مثل الوسطاء، وناقلي الشحنات، والبائعين بالجملة، وباعة التقسيط، وأصحاب المخازن، وغير ذلك من المهن المؤقتة، إلى جانب المهربين.

غير أنّ هذا النشاط الغير قانوني تفاقم بشكل أدّى إلى الضغط على الأسواق التونسيّة خصوصا بعد أن أصبح التهريب يشمل بعض المنتجات المدعمة مثل السكر و المعجنات الغذائية والزيوت النباتية و الحليب و تسبّب في شحّ موّاد أخرى ممّا نتج عنه تضخّم غير مسبوق و اختلال الميزان التجاريّ للمبادلات.

ووفقا لبيان صادر عن وزارة الداخليّة، فإن قيمة المنتجات التي تمّ حجزها و إحباط تهريبها خلال شهر أوت فقط بلغت مليون و 695 ألف دينار. و هو رقم يثير الفزع خاصّة في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة المترديّة التّي تعرفها البلاد و ارتفاع الأسعار و النقص الحاد لاحتياطيّ العملة الصعبة، ممّا يجعل من مشكلة التهريب نزيفا يهدّد الأمن الغذائيّ للشعب التونسيّ و يهدّد المحاولات المحمومة للسيطرة على الانحدار الاقتصاديّ. كما أدّى تنامي التهريب في الاتجاهين إلى انتشار ما يصطلح على تسميته بالسوق الخفيّة، التّي تنخر الاقتصاد الوطنيّ، كونها سوق في الظلّ، لا تخضع للقوانين و الآداءات و النواميس و المسالك المتعارف عليها و هو ما يسبّب خسائر جبائيّة سنويّة تُقدّر ب15 ألف مليون دينار، بل أكّد العديد من الخبراء ظهور مصارف موازيّة تعمل على تمويل تلك العمليّات و توفير احتياجات مثل هذه النشاطات من العملة الصعبة.

و لكن و مع أحداث الشعانبي و تكرار عمليّات الاغتيال و ما حجزته قوات الأمن و الجيش من أسلحة كان في طريقها إلى عمق المجال الترابيّ التونسيّ، أطلّ خطر آخر اشدّ ترهيبا و فتكا بالبلاد من تهريب المواد الاستهلاكيّة، فالسلاح المحجوز و حوادث العنف التّي شهدتها البلاد تثبت أنّ مسالة ضبط الحدود تتعدّى بعدها الاقتصاديّ لتصبح أولويّة قصوى تتعلّق بأمن البلاد و استقرار المنطقة ككلّ.

الثقب الأسود الليبيّ قد يبتلع المنطقة كلّها..

يتسبّب عجز ليبيا عن السيطرة على حدودها بمشاكل كبيرة بالنسبة إلى جميع جيرانها. فتهريب الأسلحة الذي ينطلق من الأراضي الليبية، يتدفق بحرّية إلى جميع أنحاء المغرب العربي، وذلك بفضل الجماعات العرقية وعلاقاتها الوثيقة بشبكات الإجرام المنظَّم، والتي تعمل على ربط المنطقة بعضها ببعض. وقد أشار تقرير الأمم المتحدّة الأخير بخصوص التهريب في ليبيا أنّ شحنات غير مشروعة تصل إلى أكثر من 12 دولة وتتضمن أسلحة ثقيلة وخفيفة، بما في ذلك أنظمة للدفاع الجوي، وأسلحة صغيرة ومتفجرات وألغام.

وتغذي هذه الشحنات المُرسلة من ليبيا صراعات قائمة في إفريقيا ودول في شرق البحر المتوسط، وتعزز ترسانات مجموعة كبيرة من التنظيمات الإرهابية.

و أضاف التقرير إن سوريا من ضمن الدول التي يتم نقل السلاح إليها، من مواقع متعددة في ليبيا، بما في ذلك مصراته وبنغازي، وتنقل عبر تركيا أو شمال لبنان وأيضاً مصر. فقد وجد التقرير أنه على مدى العام الماضي زادت تدفقات الأسلحة من ليبيا إلى جماعات مسلحة في سيناء، وهو يمثل تحدياً بشكل أساسي لقوات الأمن المصرية. هذا ويتم عبر جنوب تونس وجنوب الجزائر وشمال النيجر نقل وإرسال الأسلحة من ليبيا إلى جهات مثل مالي لدعم الجماعات المسلحة فيها.

و رغم أنّ تونس تبدو منطقة عبور لا غير، إلاّ أنّ الأحداث أثبتت أنّ وجود السلاح على التراب التونسيّ لن يمنع توجيهه إلى صدور التونسيّين، و هو ما حدث أواخر شهر جويليّة في الشعانبي و قبلها قُتل الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمي بأسلحة مهرّبة من ليبيا و غيرها من الحوادث على غرار أحداث الروحيّة و بئر علي بن خليفة.

إذن، و بالرغم من الموقف التونسيّ المساند للمعارضة الليبيّة حتّى في عهد حكومة الباجي قايد السبسي، فإنّ شبكات التهريب و العصابات المنظّمة لم تعر بالا لذلك الموقف الذّي ساهم في تسريع سقوط القذّافي، و زادت نشاطاتها التهريبيّة على الحدود التونسيّة. واليوم، يشعر التونسيّون بالقلق حيال الأوضاع على حدودهم الجنوبيّة الشرقيّة مع تزايد الكميّات المحجوزة من الأسلحة الليبيّة المهرّبة التّي تهدّد الأمن الوطنيّ من جهة بالتوازي مع تفاقم الصراعات السياسيّة التّي تنذر بسيناريو النزاع الأهلي. وهو ما دفع الحكومة التونسيّة إلى إقامة منطقة عازلة على طول حدودها الجنوبيّة في محاولة للحدّ من الخروق الحدوديّة و التهديدات الأمنيّة الناجمة عنها. فالخوف صار اليوم أن تتحوّل تونس من ارض عبور إلى مشروع جهاديّ للتنظيمات المحليّة و الإقليمية المجاورة للبلاد و هو سيناريو لن تتمكّن تونس من مواجهته في ظلّ الظروف الأمنيّة و الاقتصاديّة و السياسيّة الحرجة.

إذن، تبقى إقامة المنطقة العازلة هي الحلّ المتاح في الوقت الراهن بالنسبة للحكومة التونسيّة للسيطرة بشكل أنجع على الحدود و مكافحة تهريب السلاح و الغذاء و استنزاف مقدّرات البلاد و منع انتقال عدوى فوضى السلاح إلى تونس، و لكن و نظرا للبنية الاقتصاديّة التونسيّة، فإنّ تونس لن تقدر على الانعزال عن محيطها طويلا، فالسوق الليبيّة هي احد أكبر الأسواق الاستهلاكيّة (40%)، كما أنّ غياب حلّ عاجل لسكّان المناطق الحدوديّة يعوّضهم عن عائدات التهريب التّي تمثّل إلى حدّ كبير مصدر رزقهم الوحيد، سيتسبّب إن عاجلا أو آجلا هزّات اجتماعيّة كبيرة قد تنسف أي جهود لضبط الحدود و القضاء على ظاهرة التهريب و ما تخلّفه من انعكاسات كارثيّة على المستوى الأمني والاقتصاديّ.