terrorisme-tv-tunisie-media



بقلم: شكري بن عيسى (*)



لمن لا يزالون يخوضون في القضايا الوطنية العليا ويحللون المسائل بطريقة انطباعية أو غريزية أو مصلحية أو انتهازية أو غنائمية أو أيديولوجية أو حزبية أو قادمة من الخارج أو تضليلية.. منهم من يفتقد لمنهجية ومنهم من يفتقد حتى لأبسط المفاهيم الأساسية.. ومنهم من يمتلك آليات التحليل ولكن من مصلحته بقاء الضبابية واستمرار العتمة.. إما لمزيد اللعب على الغرائز.. والعواطف وتوظيفها « manipulation ».. أو للتغطية على مشاركته.. لكل هؤلاء..



إشكال الاختلاف ليس في وجود إرهاب من عدمه.. العمليات التي حدثت بما فيها من إرباك نوعي للحياة الوطنية وزعزعة الاستقرار وترويع المدنيين.. تعتبر بمداها وأثرها وأدواتها وغاياتها.. لا تصنف ضمن العنف الاجتماعي او السياسي.. ويجعل توصيفها بالإرهابية أمرا لا جدال فيه.. ولو انه هناك تحفظ حول وجود استهداف للمدنيين الذي لم يكن واضحا بالشكل الكافي.. ولكن الأثر المزعزع فيها.. والسياق.. يحسمان الأمر.



الإشكال الحقيقي يهم جملة من المحاور الأساسية.. وجب حسمها.. خاصة لضبط الانفلات وحالة التخمر القصوى التي ظهرت في كثير من وسائل الإعلام.. التي اتجهت في منحى ترسيخ مفاهيم تتعارض مع كل الضوابط.. ناهيك عن أنها أعادتنا للجوقة النوفمبرية.. التي لا تلتزم بالمعايير الحقوقية والمستلزمات القانونية والميثاق الإعلامي..


أولا: في توصيف الوقائع التي عادة ما تكون إما منقوصة ومجتزأة وانتقائية غير كاملة أو محرفة ومزيدة ومضخمة ومهولة.. سواء من الأطراف الرسمية أو النقابية أو الإعلامية أو غيرها.. وهذا يحجب جوهر الواقع ويطمس الحقيقة.. وعرض “أنصاف” الحقائق أخطر من حجب الحقيقة “كاملة”..



ثانيا: في تحديد الطرف “الذي وراء الإرهاب” حتى لا نقع فيما هو أبشع باتهام طرف باطلا.. سواء سياسيا أو جزائيا.. والطرف “الذي وراء الإرهاب” عادة ما لا يكون الطرف المنفذ الذي يكون “مجرد أداة”.. والأصل هو تحديد كل الأطراف دون استثناء وحيد.. تحديد “المنفذ” ولكن أساسا وهو الأهم “المخطط” و”الآمر” و”الممول” و”المساند” و”الذي يقوم بالتغطية” و”الذي يتستر بعد التنفيذ” أو “يضلل”..



هذا الأمر هو اختصاص حصري للقضاء.. والإعلام الاستقصائي ولكن المحترف والنزيه والمهني قد يساعد إذا لم يقع تحت هيمنة المالي أو الدولي أو الإيديولوجي..



ثالثا: في توجيه “الإدانة” الإجرامية للمنفذين وهذا أمر لا يقبل النقاش ولا يقبل الاجتهادات ممن هب ودب.. تحت شعارات “الوطنية” التي باعها معظمهم وقبض الامتيازات العالية.. فأي إنسان حسب “الدستور” وحسب “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” وكل المواثيق الحقوقية الدولية “بريء حتى تثبت إدانته” في “محاكمة عادلة تضمن فيها حقوق الدفاع”.. و”الإدانة” لا تكون إلا “قضائية” بعد حكم “نهائي ” “بات” لا يقبل أي وجوه الطعن.. وبين “النيابة” و”التحقيق” و”دائرة الاتهام” و”الدائرة الجنائية” و”التعقيب” قد يختلف التكييف القانوني للوقائع عددا ونوعا.. فما بالك والقضية لم تتجاوز حتى التحقيق.. وما يجهله أيضا الكثيرون أن قاعدة “الاعتراف سيد الأدلة” هي قاعدة نافذة في أكثر فروع القانون إلا في فرع الجزائي منه.. فهي “نسبية”.. فـ”الاعتراف” لا يؤكد في عديد الحالات ارتكاب الجريمة.. ويخفي فاعلا حقيقيا في جهة أخرى..



رابعا: في احترام “حقوق الإنسان”.. والأصل أن تحترم “حقوق الإنسان” ويلتزم بـ”علوية القانون” في كل مطاردة أو مسك أو اقتحام منزل أو إيقاف أو إيداع بالسجن حتى لا تكون المقاربة مناهضة لمبدأ “العدالة” وغارقة في “الانتقام” وموغلة في “التشفي” وتنظّر لـ”قانون الغاب”.. أما “التنكيل” و”التمثيل” و”تشويه الجثث” فهذا أمر لا يقل فظاعة عن الفعل الإرهابي ذاته..



خامسا: في مبدأ “فصل السلط” واحترام “استقلال القضاء” وهذا يعني أن إقامة “العدالة” هو اختصاص “حصري” في المبدأ للـ”السلطة القضائية” التي تصدر أحكاما مستقلة لا سلطان عليها غير القانون والضمير الإنساني وهو مبدأ متفرع عن مبدأ “فصل السلط” أساس النظام الجمهوري.. الذي يمنع تدخل السلطة التنفيذية أو الإعلام في اختصاص السلطة القضائية في “الإدانة” التي يجب أن تنبني على “المحاكمة العادلة”..



سادسا: في مبدأ “حياد المؤسسة الأمنية” القاضي بعدم تسييس المؤسسة الأمنية التي وظيفتها “حماية الوطن” و”سلامة الأفراد والممتلكات” والحفاظ على “النظام العام”.. ولا يجب بحال توظيفها لفائدة أي طرف سياسي سواء كان حكومة أو حزبا سياسيا أو شخصا ولا أيضا جعل النشاط الأمني محل ابتزاز قبلي أو مزايدة بعدية خاصة من النقابات الأمنية..



سابعا: الخشية الكبرى هو تحت ذريعة “حماية الأمن الوطني” و”السلم المدني” و”الوحدة الوطنية” التي هي أهداف سامية يمكن أن يتحول الجهاز الأمني إلى “دكتاتورية” جديدة ترفع “فزاعة الإرهاب” من اجل “تبرير” عديد “التجاوزات القانونية” و”الانتهاكات الحقوقية” و”التصفيات السياسية”.. خاصة وان الديمقراطية لم تركّز بعد.. ومخاوف “حكومة بوليسية” أصبحت اليوم “خطر محدق” في ظل الهشاشة الاقتصادية والسياسية والأمنية واضطراب الوضع الإقليمي.. والتجاوزات بدأت على إحدى المنتقبات في نابل.. مادامت حجة “مقاومة الإرهاب” تُجَوِّز كل الوسائل!!



ثامنا: في نفس إطار تبني فزاعة الإرهاب قد يحوّل أكبر مكسب حققته الثورة “حرية التعبير” إلى “رهينة” تحت تصرف و”إمرة” السلطة الأمنية..



والحقيقة أن إمكانية ضياع هذا الحق الأساسي مع استقلال القضاء اللذان يمثلان دعامة النظام الديمقراطي المبني على ركيزة الانتخابات.. يقوده ببراعة الإعلام وما يسمى النخب عبر ممارسة دكتاتورية مقيتة انطلاقا من زرع “الفوضى المفاهيمية” التي تسبق الإجهاض الحقيقي على أهم مكاسب الثورة.. الذي تغافلت وسائل الإعلام أنها أبرز من انتفع منه..



البعض انبرى يقدم « Check-list antidote » من أجل ما سماه “الحرب على الإرهاب” .. ونصب نفسه “قاضي قضاة عصره” أو “الحاكم بأمره”.. وجل الحقائق غير مفهومة بل غير معلومة إلى حد اللحظة.. إحدى الإذاعات عالية نسبة المتابعة (موزاييك أف أم) استنجدت بمخزونها الخبراتي (نسبة إلى “الخبراء”).. وأحدهم لم يتورع في وصف الوضع بحالة الجزائر في التسعينات لتصعيد الضغط إلى أقصى مدى وتمرير “الوصفات الدوائية” التي تمثل الترياق الشافي وعلى رأسها “مراقبة الأئمة” و”منع النقاب ” و”حصر فتح المساجد في الصلاة”.. وساندتها القناة المتخصصة في الأخبار غير المؤسسة (نسمة) بعباقرتها في التوجه هذا.. ورأينا التهم ترمى دون رقيب على اليمين وعلى اليسار!!



”السيناريو الجزائري” المُسوَّق إعلاميا قد تكون خلفياته دولية استخباراتية من اجل الترويج للبعد الإقليمي للإرهاب والتسويغ لتدخل أجنبي أمريكي أو فرنسي أو أطلسي جاهز ينتظر “الشرارة القادحة”.. قد يستبيح السيادة الوطنية ويفتح الساحة الوطنية على اللاعب الدولي من الباب الواسع!!



“العدل” أساس العمران.. و”علوية” القانون.. و”شمولية” حقوق الإنسان وخاصة “كونيتها” التي تعني أن الحقوق تطبق على الجميع وغير مجتزأة أو منتقاة وانتهاج مقاربة تجمع بين المعالجة الاجتماعية الثقافية التربوية التنموية والردع القضائي ومنظومة أمنية استعلاماتية وقائية.. تجمع بين الآني وبعيد المدى تضع في المركز البعد الحقوقي الشامل.. أمر لا غنى عنه.. من أجل المعالجة الحقيقية..



الحل يأتي عبر مقاربات شاملة عميقة ومدروسة.. وليس بالتخمر وادعاء الوطنية المفرطة.. والدوس على الحقوق.. ووضع البلد على حافة الدكتاتورية بوأد القانون وسحق الحقوق والتعدي على استقلال القضاء ورهن حرية التعبير.. وربما قريبا الاعتراض على الانتخابات ومصادرة سلطة الشعب.. أو في فرضية قصوى: فتح الحدود على التدخل الأجنبي عبر أشكاله المختلفة تحت العنوان “القانوني” أو عنوان “الضرورة” أو حتى عنوان “طلب المساعدة” التونسية!!



ملاحظة: الكلمات التي تم وضعها بين معقفين فقط من باب إبراز أهميتها في التحليل.. ولاعتبار أنها تتضمن مفاهيم دقيقة ووجب فهمها في إطارها.

 

(*) قانوني وناشط حقوقي