guerre-contre-haica-medias-tunisie

في سياق التحول السياسي، تتحمّل الهيئات المنظّمة للإعلام مهام شاقة لمواجهة العقليّة السلطويّة، بدءا بالسلطة التنفيذية التي مازالت تنظر إلى المنظّم “كمغتصب” افتكّ منها دورها في الرقابة. ولكنّ السيطرة البديهيّة التي تستبق الإنجاز تختلف تماما عن السيطرة التي تنقد وتراقب الأعمال المنجزة، فإذا كان الأول هو بدافع من الرقابة، فالدافع وراء الثاني هو السعيّ لاقامة علاقة تحكمها المسؤولية بين أرباب العمل والصحفيين والمنظمين. بالإضافة إلى صعود وسائل الإعلام الإجتماعية التي فرضت واقعا جديدا مع دخول فاعلين جدد و ما يتبعه من إخلالات بأخلاقيّات المهنة وتنامي لظاهرة “خطاب الكراهية”، وهو ما يؤدّي حتما إلى طمس الحدود بين التلاعب السياسي والتصعيد التنافسي.

في سياق واقع ملحّ، كانت مسألة تنظيم القطاع الإعلامي محور نقاشات مؤتمر عقد في أواخر شهر جوان في تونس، بمبادرة من معهد الصحافة وعلوم الأخبار وإدارة وسائل الإعلام والصحافة جامعة “لينيوس” في كالمار، السويد، بمساعدة من الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=lO4kq1yT3FI]

بدعوة من المؤتمر، طرح رينو لوبروس، الأستاذ والباحث في علوم الإعلام والاتصال، الحالة التونسيّة بالعودة إلى تاريخ إنشاء المجلس الأعلى للاتصالات الذي أنشأه بن علي وفق مرسوم 30 جانفي 1989، ولم يكن هذا المركز ذو الطابع الاستشاري سوى واجهة إعلاميّة، “وهو ما وأد في المهد أي أمل في الاستقلاليّة في غياب سلطة تقريريّة وأيّ مسؤوليات حقيقية”. هذا الميراث العقيم، كما سمّاه الأستاذ رينو لوبروس، هو ما دفع المهنيّين إلى التنصّل من التنظيم العموميّ للقطاع عقب ثورة 14 جانفي في سعي منهم إلى توضيح دور الدولة كفاعل في المشهد الإعلاميّ.

في هذا السياق، يرى الأستاذ رينو لوبروس أن قرار إنشاء الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري في دورها التنظيمي الجديد هو خطوة كبيرة إلى الأمام، و”قرارا في صالح عمليّة التحديث”، مؤكدا على، حسب المعايير الدوليّة اليوم، على الترابط الوثيق بين الديمقراطية وحرية وسائل الإعلام وتنظيم قطاع الاتصالات”.

ولكن رينو لوبروس يحذّر قائلا “إذا كان تعارض أحد القرارات أو القوانين التشريعيّة الصادرة عن الهيئة التنظيميّة للقطاع بحكم شرعيّتها مع مصالح أو رؤية الفاعلين الآخرين في القطاع والمشغّلين فإنّ الأمور ستسير في منحى سيء” ، ومع ذلك، فإن الباحث يبيّن أنّ “المقاومة” قد تصدر عن “الشركاء الطبيعيّين” كالصحفيّين والنقابات تماما كما السياسيّين والمشغّلين، وهو ما أظهرته تجربة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري. ولحسن الحظ، فإنّ المجتمع المدني كان حاضرا دائما للدفاع عن استقلاليّة الهيئة العليا المستقلّة. ولكنّ ما يثير الخلط والريبة، هو أن أطرافا غير متوقعة ومثيرة للجدل، على غرارالنقابة الوطنيّة لقوّات الأمن الداخلي تطالب بتحكيم الهايكا وتدخّلها بدعاوي أخلاقيّة.

لأنهم يعتمدون على نحو ما على اسلوب النظام القديم، فإنّ المنظّمين للقطاع الإعلاميّ سيواجهون حتما في المراحل الانتقاليّة مسألة مدى شرعيّة هيئتهم باعتبارها وكالة متخصصة تمتلك سلطة تنظيم قطاع الإتصالات. المهنيّون من أهل القطاع من جهتهم، وبقدر سرورهم بتجريد السلطة السياسية من مهامها لصالح هيئة رقابية مستقلة، إلاّ أنّهم يبدون العكس عند ممارسة هذه السلطة لدورها التحكيمي. وتستمر الهياكل السياسية والإدارية والدولية في النظر إلى المنظمين كمغتصبين أو على الأقلّ كدخلاء حدّدوا من صلاحيات سيادة الدولة الذين هم حرّاسها الشرعيّون.
رينو لوبروس

أن التنظيم هو “شأن تعدّدي” و “ديناميكيّة جماعية” “تتعلق بالمصلحة العامة”، يبقى أن ممارسات الجهات الفاعلة المعنية هي التي تحدد مدى “الامتثال للصالح العام”.

مؤخرا، تم تعيين مسئولين جدد على رأس الإذاعة والتلفزة العمومي ، ولكن دون إتباع الإجراءات القانونيّة وبعد تمديد الإنتدابات الأوليّة، في حين تواصل وسائل الإعلام الخاصة خرق لوائح كرّاس الشروط. وفي الوقت نفسه، هلّت المعركة الانتخابيّة، مما عجل الاختبار الكبير للهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي البصري و التي ستكون إلى جانب الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات في ميدان المعركة الديمقراطية.