djebel-jelloud-destruction-maison

بقلم غسّان بن خليفة،

قطع العشرات من المواطنين صباح أمس الإثنين، حوالي الساعة العاشرة، الطريق السريعة تونس- سوسة احتجاجًا على هدم الشرطة البلديّة لبيْتيْن غير مرخّصين بمنطقة ڨلتة حويتة بجبل الجلود. ودام الاحتجاج حوالي نصف الساعة قبل أن تتدخّل الشرطة وتُفرّق المحتجّين باستعمال الغاز المسيل للدموع. وذكرت مواطنة مسنّة أنّه تمّ تهديدها بالسلاح عندما تدخّلت لتتصدّى لهدم بيت ابنتها، قيد البناء.

وتصادف ذلك مع تواجد فريق من موقع نواة قريبا من موقع الاحتجاج، فقمنا بتغطيته وزيارة المنطقة المعنيّة بقرارات الهدم في محاولة لفهم أبعاد القضيّة والتعريف بها.

يعود أصل الموضوع إلى سنة 2011، عندما استغلّ العشرات من المواطنين حالة الضعف النسبي للسُلط الأمنيّة والمحلّية، التي رافقت “مرحلة ما بعد الثورة”، فوضعوا اليد على أراضي مملوكة للدولة في منطقة تُدعى ڨلتة حويتة. وبادروا إلى بناء بيوت لهم عليها، حوالي ثلاثمائة بتقدير عدد منهم، علمًا وأنّ المنطقة تبعد حوالي مائتيْ متر عن الطريق السريعة. وعلى ما يبدو قرّرت الشرطة البلديّة لجبل الجلود تنفيذ بعض قرارات الهدم صباح أمس ببيتيْن غير مكتمليْ البناء، ممّا أثار احتجاج أصحابها وهلَع أصحاب بقيّة البيوت غير المرخّصة. فهبّ الكثير منهم للتعبير عن رفضهم عبر قطع الطريق السيّارة.

المواطنون: لم يتمّ إعلامنا بالهدم وبعض الأعوان ابتزّونا

إلى جانب حديث المواطنين عن حالاتهم الاجتماعيّة القاسية (شاهد التقرير المصوّر بالفيديو)، تمحورت شكواهم في أنّ السُلط المحلّية أغمضت عينيها عن عمليات البناء طيلة الأربع سنوات السابقة، لتقرّر اليوم هدم البيوت دون سابق إنذار أو إعلام. وانتقدوا عدم مبادرتها إلى إيجاد حلول توفيقيّة للقضيّة. إذ شدّد جميع من تحدّثنا إليهم على استعدادهم لتسوية وضعيّتهم وشراء الأراضي التي تحوّزوها بالتقسيط. كما أكدّ البعض منهم أنّه مستعدّ “للموت تحت أنقاض بيته” إذا ما بادرت السلط إلى محاولة هدمه.

كذلك اشتكى العديد من المواطنين من عنصريْن من الشرطة البلديّة (تحديدًا المدعو نزار) قالوا أنّهما كانا يبتزّانهم. وأضافوا أنّ العنصر المذكور أعلاه يطمئنهم بخصوص تسوية وضعيّة بيوتهم غير المرخّصة مقابل تسلّمه رشوة منهم. واعترف بعض المواطنين بأنّهم اضطرّوا لتسليمه الرشوة خوفًا من الهدم. أحدهم صرّح لنا أنّه اعترض على دفع رشوة ذات مرّة فحاول العونان تلفيق قضيّة “الاعتداء على موظف عمومي أثناء قيامه بوظيفته” واقتياده إلى مركز الأمن. وأضاف أنّ العون المذكور أخذ منه في إحدى المرّات مواد بناء عندما لم يجد عنده مالًا. وقال جلّ المتحدّثين أنّ المبالغ كانت تتراوح كلّ مرّة بين الخمسين والمائة وخمسين دينارًا. أحد المواطنين قال لـ’نواة’ أنّ العون لم يكن يخشى افتضاح أمره ودعاهم ذات مرّة إلى تصويره إن أرادوا.

وحاولت نواة الاتّصال بالعون المذكور في مقرّ عمله لاستفساره عن الاتّهامات الموجّهة إليه، إلاّ أنّ مكتب الشرطة البلدية كان مغلقًا إلى حدود الساعة الثالثة ونصف ظهرًا (رغم أنّ توقيت العمل الإداري هو من الساعة الواحدة ونصف إلى الخامسة ونصف بعد الظهر). وبعد لقائنا بالسيّد محمّد اللومي، المتصرّف بالدائرة البلديّة، الذي أعطانا أرقام الهاتف الخلوي لبعض المسؤولين بالدائرة، اتّصلنا بالسيّد لطفي الزرّوقي، رئيس مركز الشرطة البلديّة، لنستفسره عن ملابسات ما جرى ولنعرف موقفه من الاتّهامات الموجّهة إلى أحد منظوريه. إلاّ أنّ المسؤول رفض الإجابة على أسئلتنا.

وذكَرَت لنا مواطنتان أنّ الشرطة البلديّة لم تبادر إلى هدم بيت بناه أحد الأثرياء بنفس المنطقة رغم أنّه أقرب، حسب قولهم، من الطريق السيّارة.

المعتمد: لم يتمّ إعلامي بالهدم وسنحاول المساعدة

إثر ذلك توجّه المحتجّون إلى مقرّ معتمدية جبل الجلود، حيث قبل المُعتمد محمّد الفندري، بعد إصرارهم، على الاجتماع بأربعة مواطنين فقط (دخل منهم ستّة في نهاية المطاف)، وبحضور أحد صحافيَّيْ ’نواة’. إلاّ أنّه رفض بالمقابل أن يسمح لنا بإجراء مقابلة خاصّة معه أو بتصوير اللقاء.

المواطنون عبّروا للمعتمد عن استعدادهم لتسوية وضعيتهم مع الدولة. وكان ردّ الأخير عليهم وعلى أسئلة نواة، أنّه لم يتمّ إعلامه بقرار تنفيذ الهدم. وطلب إليهم تقديم عريضة جماعيّة موقّعة بأسمائهم، مع أرقام هويّاتهم، واعدًا بإحالة ملفّهم إلى وزارة الشؤون الاجتماعيّة كي تجريَ “بحوثًا” بخصوص حالاتهم الاجتماعيّة، ليتمّ توجيه الطلب لاحقًا إلى وزارة أملاك الدولة التي قد تقرّر، كما جرى في حالات مشابهة، بيع الأراضي لمن يستحقّها من المتحوّزين. وفي إجابة عن سؤال آخر لـ’ـنواة’، قال المعتمد أنّه لا يستطيع أن يعِد المواطنين بوقف تنفيذ الهدم حتّى يتمّ البتّ في طلبهم، إلاّ أنّه تعهد بأن يطلب من الولاية التدخّل للقيام بذلك.

وأشار المعتمد إلى أنّ “البناء الفوضوي” يمنع إقامة سكن إجتماعي للمحتاجين إليه، وأعطى أمثلة عن متحوّزين استولوا على حوالي 500 متر مربّع. إلاّ أنّ الحاضرين اعترضوا على كلامه وقالوا أنّ أغلبيتهم الساحقة لم تتحوّز على أكثر من 100 متر مربّع وأنّ قرار الهدم يجب أن يبدأ بمن يمتلكون سكنًا آخر وتحوّزوا على مساحة كبيرة “طمعًا وانتهازيّة” عوض البدء بـ”الزْوَاوْلة” أمثالهم، على حدّ تعبيرهم. علمًا وأنّ البيوت غير موصولة بعد بشبكات الكهرباء والصرف الصحّي والماء. وذكّر المواطنون بأنّهم نظّفوا الأراضي التي كانت مصبّ فضلات، وقال أحدهم أنّهم ساعدوا الأمن في إيقاف مجموعة من “الملتحين” المشتبه بهم، كانوا بصدد تصوير مقرّ للشركة الوطنيّة للكهرباء والغاز بهدف تفجيره.

أمّا بخصوص عون الشرطة البلديّة الذي اتّهمه المواطنون بابتزازهم وبطلب الرشوة، فقد أخبرنا المعتمد أنّه على علم بالأمر. وأنّه اعترض عمدًا على نقلة العون المذكور بهدف الإيقاع به وضبطه متلبّسًا. وأضاف أنّه لا يستطيع التدخّل لإيقافه عن العمل أو إجراء تحقيق داخلي في الاتّهامات الموجّهة إليه، مذكّرًا بالوظيفة “التنسيقيّة” المحدودة للمعتمديّة، كما قال.

يُذكر أنّ أحد مساعدي المعتمد سجّل، قبل بدء اللقاء، أسماء الحاضرين، بمن في ذلك عضو فريق نواة.

رئيس الدائرة البلديّة: لم يتمّ إعلامنا والشرطة البلدية غير متعاونة

واتّصلت نواة كذلك هاتفيًا بالسيّد المولدي الحامدي، رئيس الدائرة البلديّة لجبل الجلود، الذي لم يكن بمكتبه (علمًا وأنّ الدائرة تتبع للنيابة الخصوصية ببلدية العاصمة، ويرأسها السيّد سيف الله الأزهر). وأخبرنا الحامدي أنّ الدائرة البلديّة غير مسؤولة عن قرارات تنفيذ الهدم ولم تعلم بها أصلاً. وأضاف أنّ الشرطة البلديّة صارت، منذ قرار حذف سلك مراقبي التراتيب البلديّة وإدماجهم بالسلك الوطني سنة 2012، لا تتعاون معه البتّة ولا تعلمه بنشاطها، “رغم استعمالها لتجهيزات البلديّة”.

الجانب القانوني

ورغم أنّه من الشائع أنّ الدولة في تونس تتحفّظ في الكثير من الحالات على هدم البيوت التي يبنيها المواطنون على أراضي الدولة بالحوز، إلاّ أنّ ازدياد حالات “البناء الفوضوي” إثر الثورة جعل عدد قرارات الهدم يرتفع إلى الآلاف في السنوات الأخيرة.

ويسمح القانون التونسي مبدئيًا بتمليك المواطنين، وبيّن ذلك بشكل أخصّ في أمر عدد 1431 مؤرخ في 08/09/1990 ، يتعلق بكيفية التفويت في العقارات التابعة لملك الدولة الخاص. إذ ينصّ في فصله الثامن على أنّه يمكن لوزارة أملاك الدولة “التفويت بالمراكنة وبتقسيط الثمن بعد أخذ رأي لجنة العمليات العقاريّة” في عدد من الحالات، منها: “إذا لم تتجاوز قيمة العقار خمسة آلاف دينار”، وكذلك “لتسوية وضعيات الحوز عن حسن نيّة أو لاعتبارات خاصّة بمصلحة عامّة أو اجتماعيّة”.

إلاّ أنّنا لاحظنا يوم أمس أنّ جميع من تحدّثنا إليهم كانوا غير ملمّين بالإجراءات القانونية الواجب اتبّاعها للمطالبة بإمتلاك الأراضي التي تحوزوها.

⬇︎ PDF

وعود انتخابيّة؟

اتّهم بعض المواطنين الذين التقيناهم أمس حزبيْ آفاق ونداء تونس بأنّهم “كذبوا عليهم وتخلّوا عنهم” بعد أن وعدوهم، أثناء الحملة الانتخابية، بتسوية وضعيّة الأراضي التي تحوّزوها. وأفادنا أحدهم (قال أنّه يعمل لحساب حزب آفاق) أنّ محامية (نتحفّظ على ذكر اسمها حاليًا) تعمل بالحزب تسعى للمساعدة لـ”غاية انسانية” بحتة. وكان فريق نواة شاهدًا على إتصالها به هاتفيًا، وأنّها استفسرته عن الأوضاع، واعدة بالتحدّث إلى وزير أملاك الدولة الجديد عن حالتهم.

مسؤول أمني يمنعنا من التصوير ويرفض الإدلاء بهويّته

عند تحوّلنا مع المواطنين إلى مقرّ المعتمدية، تجمهر عدد منهم حول أحد المسؤولين ليحدثّوه عن قضيّتهم. فقام فريق نواة بتصوير المشهد على اعتبار أنّه يحصل بالطريق العامّ (أمام المقرّات المتلاصقة للمعتمدية ومنطقة الأمن الوطني والدائرة البلدية) وذي علاقة بشأن عامّ. إلاّ أنّ المسؤول، الذي كان يلبس زيًا مدنيًا، احتجّ بشدّة على تصويرنا له “دون إذن منه”، كما قال. وأعلمنا أنّه مسؤول أمني وأنّنا بذلك نخالف القانون وأنّنا صوّرنا “مقرًا أمنيًا” – وهذا غير صحيح – وطلب إلينا فسخ ما سجّلناه، مهدّدًا بالاتصال بوكيل الجمهورية لتقديم شكوى ضدّنا وإيقافنا. ورغم محاولاتنا إقناعه بأنّه من حقّ الإعلام تصوير ما يجري بالطريق العامّ وأنّ تواجده هناك يندرج في إطار ممارسته لوظيفته الرسمية ولا علاقة له بحياته الخاصّة، كما اعتبر، إلاّ أنّه أصرّ على الحذف. واضطررنا لقبول طلبه، لأنّنا كنّا نريد بالأساس حضور لقاء المواطنين مع المعتمد. واضطرننا للدخول معه لمكتبه حيث تثبّت من حذفنا للمشهد الذي لم يتجاوز ثوانيَ معدودات.

وكان تعامل المسؤول الأمني، وأعوانه، معنا محترمًا عمومًا. إلاّ أنّنا فوجئنا، رغم تأكيده على “احترام المؤسّسة الأمنية لحرّية الإعلام”، برفضه مجرّد الإدلاء باسمه وبخطته الوظيفيّة، ومطالبته ايّانا بالاتّصال بمكتب الاعلام التابع لوزارة الداخلية من أجل ذلك. وهو ما رفضناه طبعا واعتبرناه مسًا بالحقّ في النفاذ إلى المعلومة. لاحقًا، أخبرنا بعض المواطنين أنّ الأمر يتعلّق برئيس منطقة الأمن بجبل الجلود.