borj-chakir-evolution-carte-ar

متابعة نور الهدى شعبان و ياسين بالأمين، ترجمة محمد سميح الباجي عكاز، تصوير أحمد العكاري و طارق شويرف، مونتاج طارق شويرف، بيانات متحركة نزار بواّب.

في الجزء الأوّل من التحقيق الذّي أنجزته نواة حول مصبّ النفايات في برج شاكير، كنّا قد تناولنا المعاناة الصحيّة والاجتماعيّة لأهالي المنطقة. في هذا الجزء الثاني، سنحاول تقصّي الكارثة البيئيّة التي تتهدّد المنطقة وحجم التلوّث الذّي خرّب محيط برج شاكير.
الآثار السلبية على البيئة في برج شاكر تبدو واضحة للعيان بدأ بالروائح الكريهة المنبعثة من تحلّل المواد العضويّة وترسّب عصارة النفايات، إضافة إلى إفساد الغطاء النباتي وتلوث المياه الجوفية في المنطقة.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=bFzRIYWwRR4&w=853&h=480]

عصارة النفايات هي سوائل لمواد مختلفة تنتج عن تحلّل النفايات العضوية والترشيح مع الماء. وينتج عن عمليّة ردم النفايات تشكّل ما يعرف بالغاز الحيوي. وفي النهاية ينتج عن هذه المواد العضويّة والمعدنيّة أنواع مختلفة من التلوث خصوصا الروائح الكريهة التي تحمل مركّبات تسبّب السرطان.

وما إن تتمّ عمليّة الترسّب حتّى تخرج الرائحة من أحواض المعالجة والردم لتنتشر في الجوّ على مسافة تناهز 500 متر من مصب النفايات.

داخل مصبّ برج شاكر، تتواجد أحواض لاستيعاب عصارة النفايات بطاقة إجمالية قدرها 400 ألف متر مكعب. في العادة تتمّ عمليّة التخلص من هذه المياه بدقة وعناية وتخضع هذه العمليّة للرقابة المشدّدة نظرا للآثار الكارثية لأيّ خطأ محتمل على البيئة.

لكن المشرفين على مصبّ برج شاكير يتجاهلون خطورة المواد التي يتعاملون معها، حيث يتمّ الاحتفاظ بعصارة النفايات في أحواض غير محميّة ولا تخضع لشروط السلامة. إذ وفقا لشهادة أحد سكان، فإنّ هذه العصارة يتم تحويلها مباشرة إلى مجاري المياه.

من جانبه، يعلّق حبيب عمران، الرئيس التنفيذي للوكالة الوطنية للتصرّف في النفايات حول هذا الموضوع قائلا:

نقوم يوميا بمعالجة كميات كبيرة من عصارة النفايات، وذلك لمحاولة تجنب أيّ تلوث محتمل. حتّى هذه اللحظة استطعنا تجفيف 8 أحواض، أمّا الخمس المتبقية فسيتم القضاء عليها نهائيا بحلول شهر جوان 2015.

ظاهريا، ومنذ سنة 2004، ازداد عدد أحواض الترشيح بشكل مطّرد (أنظر إلى الخرائط أسفل). دون أن تتمّ عمليّة المعالجة والتجفيف. إذ وبداية من سنة 2015 بدأ العمل على التخلص من عصارة النفايات بشكل فعال.

هذا وتجدر الإشارة إلى ضرورة تجهيز أحواض الردم بعوازل للوقاية من الترسّبات والحفاظ على التربة والمياه الجوفية. وهو ما أكّده لنا السيّد حبيب عمران خلال حديثنا معه قائلا أنّ: « الأحواض محمية بواسطة غشاء أرضي مضاد للماء يمنع تلوث التربة والمياه الجوفية.»
ومع ذلك، فإنّ هذه الحماية لا تعمّر لوقت طويل، إذ هي صالحة فقط في المراحل الأولى لتفريغ النفايات نظرا لعدم وجود مواد صناعيّة دائمة الصلاحيّة. وهذا يعني أن التلوث لا مناص منه.

من جهته أشار مرشد قربوج، رئيس أس.أو.أس بيئة إلى أنّ المنطق العلمي يكذّب ما ورد على لسان السيّد عمران. إذ تمّ خلال سنتي 2008 و2009 ردم العديد من الآبار بعد دراسات وتحاليل أجرتها وزارة الصحّة وأثبتت تلوّث طبقات المياه الجوفيّة.

ولكنّ رئيس الوكالة الوطنيّة للتصرّف يصرّ على استحالة تلوّث المياه الجوفيّة نظرا لوجود طبقة من الطين بسمك 120 مترا تمثّل واقيا فعّالا. ليرّد السيّد قربوج قائلا:

منسوب المياه الجوفية ضحل، إذ لا يتجاوز عمقها 12 إلى 15 متر. وعلى هذا الأساس فإنّ حقيقة تلوث المياه الجوفية والتربة حول المصّب أمر لا يمكن إنكاره.

الدراسة التي أنجزتها الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات لم تأخذ بعين الاعتبار سوى التأثيرات البيئيّة على مساحة المصبّ، في حين تمّ تجاهل التأثيرات المحتملة على محيط برج شاكير والسكّان القاطنين هناك.

فخلال فصل الشتاء، تفيض الأحواض على الأراضي المجاورة وخصوصا منها الزراعية لتغرق البلدة بأكملها في المياه الملوثّة بعصارة النفايات. ويؤكّد السيّد مرشد قربوج أنّ هذا التلوث يمتدّ على دائرة قطرها 3 كيلومترات حول المصبّ. يجيب هنا السيّد حبيب عمران قائلا:

تسرّب المياه خارج الأحواض خلال الفيضان الأخير كان حادثا ناجما عن غزارة الأمطار التي شهدتها المنطقة. ولكنّ وبمجرد أن بلغتنا تحذيرات المجتمع المدني، تحرّكنا مباشرة إلى مكان الحادث لوقف هذا التدفق. وقد سارعنا بإصلاح وإعادة تشغيل محطّة المعالجة الموجودة داخل المصبّ، كما قمنا بزيادة قدرتها عبر الاستعانة بمحطة أخرى متنقلة.

من جانبه، أعرب السيّد مرشد قربوج عن شكوكه إزاء فعالية محطات المعالجة، إذ صرّح لنا قائلا:

لا انفي وجود محطة لمعالجة عصارة النفايات في المصبّ. لكنّها تبقى بالنسبة لنا عبارة عن صندوق اسود لا يمكن الوصول إليه. وهو ما يطرح العديد من نقاط الاستفهام التي ألخصها أساسا في: هل ما زالت محطّة المعالجة صالحة للعمل؟ وإن كان الأمر كذلك، فما هي حقيقة قدراتها وطاقة عملها وأداءها؟ وأخيرا ما هي الكميّة الجمليّة للمياة التي تتمّ معالجتها؟

ولكن من الواضح من خلال مقاطع الفيديو وصور الأقمار الصناعيّة أن محطة المعالجة لا تغطي كميات هائلة من عصارة النفايات التي يتمّ تفريغها يوميا.

تقنية الردم الخاطئة

بناءا على كرّاس الشروط الذي تمّت صياغته سنة 1997، فقد تم تصميم مصبّ برج شاكير لتجميع النفايات الصلبة.

⬇︎ PDF

وقد شدّد السيّد مرشد قربوج أن دراسة خصائص النفايات التي تم على أساسها إنشاء المصبّ تتنافى خصائص النفايات المحليّة في تونس على مستوى الكمّ والمحتوى، ذلك أنّ طبيعة المعيشة وأنماط الاستهلاك، والمناخ، وتوزّع المناطق الحضرية، والمستوى التقنيّ تختلف تماما.

هذا وتستند الوثائق المرجعية بشأن التكنولوجيا وكفاءة المصبّ على التجارب التي أجريت في البلدان الأوروبية. وهو ما أدّى خلال عمليّة التنفيذ إلى تحويرات كبيرة على مستوى المعايير المطلوبة كمعدّل الرطوبة على سبيل المثال. لذلك، لم تكن عملية التجميع موافقة للمعايير العلميّة المطلوبة وتمّ الإخلال بما ورد في كرّاس الشروط.

هذه الوضعيّة أدّت إلى عجز جميع الأطراف ومن بينهم الوكالة الوطنيّة للتصرّف في النفايات عن السيطرة على الكميات الهائلة من عصارة النفايات وانتشار الروائح الخانقة أو التلوث البيئي المحتمل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن كمية النفايات الواردة إلى المصبّ تجاوزت الكميات المقدرة. وفي غياب الاستراتيجيات البديلة، تمّ إنشاء ملاحق بشكل عشوائي وسريع. إذ كان الشاغل الوحيد للمسؤولين حينئذ يتمثل في التخلص من طوفان النفايات.

إنّ أي دراسة أو مشروع يمكن أن يحتوي على هامش من الخطأ. ولكنّ يمكن تقليص هذا الهامش بين النظري والتطبيقيّ عبر المراقبة المستمرة التي تمكّن من تحديد الضرر وحل المشاكل التقنية التي قد تنشأ. وهو ما يتطلب إرادة حقيقيّة من المؤسّسات المشرفة.

إلاّ أنّ واقع الحال في تونس يعكس عجزا عاما حتّى على مستوى المؤسسة العموميّة التي تجد نفسها غير قادرة على الرصد والمراقبة نظرا لسياسة المناولة والتعهّد بإدارة المصبّ للشركات الخاصّة.
إذ أنّ طبيعة العقود المبرمة بين الدولة والخوّاص في هذا المجال تحد من قدرة الوكالة الوطنية للتصرّف في النفايات على التدخّل بعد حرمانها من أيّ سلطة رقابيّة على الشروط والمتطلبات التقنية لهذه العملية من قبل الشركات المستغلّة للمصبّ.

التوسّع رغما عن إرادة السكّان

إلى جانب التورط التقني، يغيب النهج التشاركي مع السكان المحليين عن أولويات المؤسسات العاملة في الشأن البيئيّ. إذ من الواضح أن الاحتجاجات وتحركّات الأهالي الساخطة على الوضع البيئيّ والكارثيّ في منطقة برج شاكير لم تكن كافية لوقف المشروع الوزاري الذي تمّ تأكيده من قبل الوزير نجيب درويش خلال مؤتمر صحفي عقد يوم السبت 4 أفريل 2015 في القصبة والذّي أعلن فيه نيته توسيع مصبّ نفايات برج شاكير. وقد بدأ العمل مؤخرا لإنشاء الحوض السادس والأخير لردم النفايات .

⬇︎ PDF

وقد شدّد الرئيس المدير العام للوكالة الوطنيّة للتصرف في النفايات على التزام المؤسّسة التدخل العاجل من أجل تحسين الظروف المعيشية لسكان المنطقة خلال شهر جوان القادم، مضيفا:

نحن نهدف أولا لإنهاء التجفيف الكليّ لأحواض عصارة النفايات وإعادة بناء سور المصبّ وتشجير محيطه لامتصاص الروائح الكريهة.

ولكنّنا نتساءل هنا، هل تقتصر مسؤوليّة الوكالة على هذه الإجراءات التقنيّة فحسب؟

يتبع…