[youtube https://www.youtube.com/watch?v=UQm961Xusss]

غسّان بن خليفة

لا مبالغة في القول أنّ قضيّة “مدجنة لسوْدَة” بولاية سيدي بوزيد، هي إحدى التمظهرات المعاصرة لـ”الصراع الطبقي” في بلادنا، بكلّ ما يميّزه من تشعّب وخصوصيّات. إذ تختلط فيها المسألة البيئيّة بمسألة الأرض وأحقّية ملكيّتها واستغلالها، وربّما كذلك بالضغائن “العشائريّة” والشخصيّة. كما يعسُر فيها تقديم إجابات بسيطة على الأسئلة الصعبة التي تُطرح على الدولة وحول دورها؛ خاصّة عندما تتنزّل في أعقاب انتفاضة كان من أهمّ مطالبها التشغيل والعدالة الاجتماعيّة. ومن هذه الأسئلة: أيّهما أولى؟ تنمية النسيج الصناعي بمنطقة ما أم الحرص على جودة حياة مواطنيها، وربّما صحّتهم أيضا؟

أيّهما أولى؟ توزيع الأراضي الفلاحيّة على أكبر عدد ممكن من المستغلّين، خاصّة من ضعاف الحال، أم تشجيع المشاريع ذات الإنتاجية العالية لرأس المال الكبير؟ وهل من سبيل في واقع تونس اليوم، إلى التوفيق بين الحقّ في بيئة سليمة وفي “جودة الحياة” من جهة، و”متطلبّات التنمية الاقتصاديّة” والعصرنة التقنيّة من جهة ثانية؟

تذكير بالوقائع

يختلف أطراف النزاع في هذه القضيّة على كلّ شيء، سوى حول أنّ الأحداث بدأت فعليًا أيّامًا قليلة بعد 14 جانفي 2011. تحديدًا يوم 17 من نفس الشهر، عندما قدِم أعوان الشركة الوطنية للكهرباء والغاز (الستاڨ) لتوصيل وحدات الانتاج بالكهرباء. يومها اعترضهم بعض أبناء المنطقة واحتجّوا على توسعة المداجن التابعة “لشركة المفارخ الكبرى بالوسط”، لصاحبها الطاهر التليلي، التي تحصّل على رخصة كرائها من وزارة أملاك الدولة بداية سنة 2009.

إذ يشتكي العديد من أبناء قرية لَسْودَة (حوالي 8 آلاف ساكن، بمعتمدية سيدي بوزيد الشرقيّة) من الروائح المنبعثة من تلك المداجن الواقعة على تخومها (قدّر فريق ’نواة’ المسافة الفاصلة بين المداجن وأقرب بيت بحواليْ 500 متر). ويقولون أنّهم لم يكونوا قادرين على تبليغ صوتهم للسلطات قبل الثورة خوفًا من بطشها. ويضيف المحتجّون أنّ صاحب المداجن قد أضاف ثماني وحدات انتاج أو أكثر، إلى الوحدتين الموجودتين منذ بدء المشروع، ممّا زاد في حجم الروائح الكريهة التي حوّلت حياتهم إلى “جحيم”، على قول أحدهم.

استنجد التليلي في 2011 بالسلطات المحلّية، التي تدخّلت أمنيًا وأوقفت عددًا من المحتجّين. وبعد أخذ وردّ وتعطلّ الأشغال حوالي سنتين، استأنف التليلي، بمساندة من السلطات، توسعة مداجنه وبدأ في تشغيل وحدات الانتاج. إلاّ أن جزءًا هامًا من متساكني المنطقة واصلوا احتجاجاتهم بشكل متفرّق. إذ تمّ تنظيم العديد من الوقفات الاحتجاجيّة، كما تمّ قطع الطريق الوطنية عدد 13، الرابطة بين ولايتي القصرين وصفاقس، أكثر من مرّة في السنتين الماضيتين. كما نُصبت خيمة اعتصام قرب المداجن، بادرت قوّات الأمن إلى تفريق أصحابها، وشهدت القرية “إضرابًا عامًا” يوم 28 أفريل 2014. وكان آخر التحرّكات، المسيرة الاحتجاجية التي عرفتها القرية قبل شهر تزامنًا مع تاريخ انتهاء عقد كراء الأرض الفلاحيّة، المملوكة للدولة، التي أقيمت عليها المداجن.

 

وفي انتظار معرفة مصير طلب تجديد الكراء، الذي تقدّم به التليلي، يتشبّثُ كلّ طرف بموقفه ولا يبدو أنّ هنالك حلولاً مُرضية للجميع في الأٌفق.

“روائح لا تُطاق!

التقى فريق ’نواة’ بالعديد من متساكني القرية، خاصّة أولئك الذين تقع بيوتهم على حدود المنطقة المُعدّة للسكن. وقد تعمّدنا أن يكون اختيار البيوت والشهود عشوائيًا، وعدم الاقتصار على من نصحانا بهم مصادرنا من ضمن خصوم التليلي. ورغم أنّ الروائح الكريهة التي استنشقناها عند تنقّلنا إلى عين المكان، مرّتين، لم تكُن بالقوّة التي وصفها لنا المحتجّون، فإنّنا نرجّح أنّ سبب ذلك يعود إلى توقيت الزيارتين اللتان كانتا بعد الظهر، في شهريْ فيفري ومارس الفارطيْن. إذ يُجمع كلّ من تحدّثنا إليهم على أنّ الروائح تشتدّ وتصير “لا تُطاق”، في فصليْ الشتاء والربيع عند الغروب، وعند الفجر. ويؤكدّون على ازدياد حدّتها مع ارتفاع درجة الحرارة في الصيف، ممّا “يجبرنا على أن نحبس أنفسنا داخل البيوت ونُحرم حتّى من امكانيّة السهر بباحاتها الخارجيّة أو فتح نوافذنا ليلاً”، كما ذكر أحد الشهود. كما أضاف متساكن آخر من بين المحتجّين، أنّ بعض جيرانه قرّروا بيع بيوتهم والانتقال إلى منطقة أخرى بسب الروائح وأنّه يفكّر بدوره في نفس الأمر.  وبالفعل لاحظنا وجود لافتات كتب عليها “للبيع” أمام بعض البيوت وقطع الأرض، لكن لم نستطع التثبُّت من الأسباب المباشرة لقرار البيع.

وقد أكدّ لنا كذلك السيّد محمّد مسعودي، مدير المدرسة الاعدادية، التي تبعد حواليْ 800 متر، أنّ الروائح تبلغ المدرسة وأنّها تصير “قويّة ومزعجة في بعض أيّام الأسبوع”. وأنّ الأمر ينطبق كذلك جزئيًا على معمل الحليب “دليس” لصاحبه حمدي المؤدبّ، الموجود بالمنطقة الصناعيّة القريبة. وأنّ قوّة الروائح أدّت إلى احتجاجات تلمذيّة وإلى منع إقامة أنشطة رياضيّة خارجيّة بعض المرّات. ونفس الأمر أكّده لنا بعض تلاميذ المدرسة الذين التقيناهم أمامها.

إلّا أنّ السيّد الطاهر التليلي، صاحب المداجن (وتتمثّل في مركز لأمّهات الدجاج – 3 مداجن – ومركز لتربية الديك الرومي – 15 مدجنة – كما ورد في رخصة البناء ) ، أكّد لنا أنّه يتّخذ كلّ الاحتياطات الممكنة لمعالجة الروائح وأنّ مداجنه “مزوّدة بأحدث التقنيات العالمية في الميدان”. إذ أنّه يتخلّص من فضلات الحيوانات، أهمّ سبب للروائح، عبر بيعها إلى أحد الفلاّحين الذي ينقلها على متن شاحنة، مُحكِمًا تغطيتها، ليستعملها كسماد في أرضه. وأضاف أنّ فريق عمله يتضمّن مهندسًا أوّلاً وتقنيًا ساميًا أجرى تربّصات بشركات مداجن ذات مستوى عالِ باسبانيا.

ولمزيد فهم الموضوع، أجرَت نواة مقابلة مع السيّد بكّار تَرْميز، المدير الجهوي لمنطقة الوسط الغربي ومنسقّ الإدارات الجهويّة بالوكالة الوطنيّة لحماية المحيط. وأوضح لنا مسؤول الوكالة أنّ هناك صنفيْن من المداجن: الأوّل، وهو الأكثر تلوّثًا، يخصّ الدواجن التي تُربَى من أجل بيْضها، أمّا الثاني فيخصُّ الدواجن التي تُربّى من أجل لحمها. ومداجن الدجاج والديك الرومي التي يملكها التليلي هي من الصنف الثاني، أيْ الأقلّ تسبّبًا في تلويث الهواء عبر الروائح الكريهة. كما أكّد لنا ترميز أنّ مراقبي الوكالة يتنقّلون بشكل متواتر إلى عين المكان، وأنّهم وجدوا في كلّ مرّة أنّ التليلي يحترم المعايير المنصوص عليها في كرّاس الشروط الذي التزم به عند بعث مشروعه.

نفس الأمر تقريبًا، أكّده لنا الدكتور محمّد الحمدوني، مسؤول مصلحة البيطرة بالمندوبيّة الجهوية للتنمية الفلاحية بسيدي بوزيد. إذ أوضح لنا في اتّصال هاتفي أنّ المداجن مزوّدة بأحدث التجهيزات المانعة لانبعاث الروائح الكريهة، وأنّه عايَن بنفسه المنطقة، أكثر من مرّة، ولم يلاحظ انبعاث روائح قويّة.

إلاّ أنّ التليلي يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو لا يتردّد في إنكار انبعاث روائح كريهة من مداجنه. ويقول بوضوح أنّ “المشكلة الحقيقيّة تتعلّق بالأرض”.

قضيّة الأرض و”السياج”

أقيمت المداجن على أرض فلاحيّة مملوكة للدولة، وتستغلّها شركة المفارخ الكبرى بالوسط لصاحبها التليلي (كانت مملوكة قبله للطاهر الطريشلي)، على وجه الكراء منذ سنة 2000. في الأصل كان المشروع قائما على عقار يمسح عشرين هكتارًا و10 آر، فطلب التليلي سنة 2008 تمكينه من مساحة اضافية بـ 13 هكتار و50 آر.

وتتوزّع المنشآت على قطعتيْ أرض مختلفتيْن، تفصل بينهما مسافة 530 متر. تضمّ الأولى مركز أمّهات الدجاج والثانية مركز الديك الرومي. وتبلغ المساحة الجمليّة، التي ينصّ عليها عقد الكراء التكميلي (وثيقة عدد 4) 33 هكتارًا و60 آر، شاملة الأرض “البيضاء” الفاصلة بين قطعتيْ الأرض.

⬇︎ PDF

ويبدو أنّ هذه الأرض “البيضاء” الفاصلة بين قطعتي الأرض تمثّل أحد أهمّ أسباب الخلاف بين التليلي وجزء من خصومه. إذ طالما استُغلَّت هذه الأرض – إلى جانب قطعة الأرض الثانية التي أضيفت على وجه التوسعة – كمرعى للأغنام من طرف بعض سكّان القرية. السيّد عزّ الدين القيزاني، أحد هؤلاء الرُعاة (أو “العشّابة” )،  قال لنا أنّه كان يكتري الأرض من السلطات المحلّية بمعيّة أربعة رعاة آخرين. وأنّ خلافهم مع التليلي كان يقتصر على مسألة الروائح الكريهة، إلى أن قرّر التليلي بداية شهر أفريل من سنة 2014 تسييج كامل الأرض، بما في ذلك المساحة الفاصلة بين المنشأتيْن.

يومها تجمّع عدد من الأشخاص، من بينهم القيزاني، واحتجّوا على المقاول الذي كلّفه التليلي ببناء السياج وطلبوا منه استدعاء الأخير للحديث معه. وهو ما حصل، حسب شهادة أدلى بها أحد المواطنين (وردَت في محضر تأدية شهادة لفرقة الأبحاث العدليّة بمنطقة سيدي بوزيد، تحصّلت نواة على نسخة منه). وقد التزم التليلي بتحويل مسار السياج كي لا يمنع الرعاة من الوصول إلى الأرض التي اعتادوا استغلالها. إلاّ أنّ التليلي لم يلتزم على مايبدو بوعده، وحصل أن “إنهار حزء من السياج” نتيجة هبوب “عاصفة مصحوبة بأمطار غزيرة والبرَد” يوم 18 جوان من نفس السنة، حسب محضر معاينة للأستاذ سعد العبيدي العدل المنفذ، قام به استجابة لطلب الطاهر التليلي.

إلاّ أنّ الأخير لم يقتنع بالأمر واتّهم المحتجّين بإسقاط السياج – وهو ما ينفيه القيزاني ومرافقوه جملة وتفصيلاً – ورفع ضدّهم دعوى قضائيّة، مازالت أمام المحاكم حتى اليوم. وفي هذا الصدد اتّهم الأستاذ خالد عواينيّة، محامي المحتجّين، النيابة العموميّة بسيدي بوزيد بـ”عدم التزام الحياد وعدم احترام قرينة البراءة”. إذ بادَرت إلى إيقاف منوبيه رغم عدم توفّر أدلّة تدينهم. بل إنّ محضر المعاينة (وثيقة 1) المذكور أعلاه يوحي بعكس ذلك.

⬇︎ PDF

وفي أصل الموضوع، يقول التليلي أنّه لم يكن يرغب في بناء السياج وأنّه قام بذلك مضطرًا نزولاً عند طلب السلطات، لحماية الحيوانات من الأوبئة، مثل انفلونزا الطيور، مستشهدًا بمراسلة (الوثيقة 2) مؤرّخة في 06 جانفي 2014 من المندوب الجهوي للتنمية الفلاحية بسيدي بوزيد يطالبه فيها بـ”التسييج الكلّي لجميع المنشآت”، ضمن نقاط أخرى، للوقاية من “تفشّي مرض شبه طاعون الدواجن”. إلاّ أنّ مراسلة أخرى بتاريخ 16 جانفي 2014 من المدير العام للعقارات الفلاحية تتحدّث عن عريضة واردة من التليلي بتاريخ 29 ديسمبر 2013. وتتعلّق العريضة بمطلب ترخيص، وافقت عليه وزارة أملاك الدولة والشؤون العقاريّة، من صاحب المداجن لـ”إقامة سياج حول العقار الدولي الفلاحي الماسح 33 هك و60 آر”، وذلك “تبعًا لطلب” الأخير. كما أنّ المساحة التي يشملها التسييج حسب مضمون المراسلة الأولى تتعلّق بقطعتيْ الأرض التي تقع فيها المنشآت، فيما تتحدّث الثانية عن طلب من التليلي بتسييج كامل المساحة المكتراة، بما في ذلك الأرض التي لا يوجد فيها منشآت. وهو ما يضع نقطة استفهام حول مدى صدقيّة تذرّع التليلي بأنّه أراد تسييج الأرض استجابة لطلب السلطات. وهذا ما أكّده لنا ضمنيًا الدكتور الحمدوني، من مصلحة البيطرة بالمندوبيّة الجهوية للتنمية الفلاحيّة.

⬇︎ PDF

ممّا لا شكّ فيه أنّ الخلاف على الأرض تقع في قلب القضيّة، خاصّة وأنّ مناوئي التليلي يتهمّونه بالحصول عليها بسبب نفوذه في الجهة (فهو رئيس الاتحاد الجهوي للصناعة والتجارة) وعلاقاته الوطيدة برموز الفساد منذ عهد بن علي وما تلاه. ويسشتهدون على ذلك بـ معلوم الكراء “الرمزي”، كما وصفه محامي المتهّمين خالد عوانيّة،  الوارد في العقد التكميلي، الذي صادق عليه رضا قريرة، وزير الأملاك العقاريّة في آخر عهد بن علي، ذي السُمعة السيّئة. وكان قدره ما يعادل قيمة 20 قنطار و20 كلغ من القمح الصلب بالنسبة للسنوات الخمسة الأولى (2000- 2005) مع معين كراء قدره 583 دينار بالنسبة للسنة الأولى. ليرتفع هذا المعلوم كلّ خمس سنوات: قيمة 50 قنطار و25 كلغ للسنوات (2005-2009) وقيمة 84 قنطار بالنسبة لـ 2009-2015.

إلاّ أنّ التليلي يدفع عن نفسه هذه التُهمة، ويؤكّد أنّ هذه التعريفة معمولٌ بها في كراء الأراضي الفلاحيّة. بل ويضيف أنّه، على عكس ما يشير إليه مناوؤه، هو مكروه من قبل السلطات المحلّية.

 

وإضافة إلى ما تقدّم، قد تكون هناك أبعاد أخرى للموضوع. إذ لا يستبعد الأمين البوعزيزي، الباحث في الأنثروبولوجيا الثقافيّة والناشط السياسي من سيدي بوزيد، وجود خلافات ذات طبيعة شخصيّة و”عروشيّة” بين جزء من المحتجّين وصاحب المشروع. ويوضح أنّ أغلب مواطني لسودة ينتمون إلى عرش “أولاد بيّة”، فيما ينحدر هو من عرش “الروابحيّة”. إلاّ أنّ كلّ ما سبق لا ينفي حقيقة وجود روائح كريهة مزعجة للكثير من متساكني المنطقة. فما العمل؟

 

“فراغ قانوني وتقني”

يقول بكّار ترميز مسؤول و.و.ح.م. أنّ الترخيص لإنشاء المداجن لم يعد مشروطًا بموافقة الوكالة، عبر دراسة المؤثّرات على المحيط، التي كانت لها صلاحية إبداء موافقتها أو اعتراضها على اقامة المشاريع. إذ أنّه تمّ استبدالها منذ سنة 2007 بكرّاس شروط (وثيقة 7)، يكفي أن يوقّع عليه صاحب المشروع ويلتزم بتنفيذ بنوده. ويوضح مخاطبنا أنّ ذلك يهدف إلى “تسهيل الاجراءات بهدف تشجيع انتصاب المشاريع الاستثماريّة”.

⬇︎ PDF

لا يبدو إذن أنّ هناك حلٌ من الناحية القانونيّة. إذ “لا يوجد في القانون التونسي نصٌ يحدّد كميًا درجة تلوّث الهواء عبر الروائح” فقياس الغازات المنبعثة من المداجن أمر جدّ صعب تقنيًا، ومعالجتها أصعب، “لأنّها رغم حدّتها نوعيًا، فإنّ كميّة الغازات المسبّبة للروائح تكادُ لا تُذكَر، ويصعُبُ قياسها”، يوضح الخبير.  وهو ما يضيف فراغًا تقنيًا إلى الفراغ القانوني، فـ”القانون يتبع التكنولوجيا”، يضيف. وبالفعل لا نجد في النصوص التشريعيّة المتناولة لقضيّة تلوّث الهواء، وأهمّها القانون عدد 34 لسنة 2007، تفاصيل كافية حول معايير قيس التلوّث الناجم عن الروائح أو طرق معالجتها أو شروط الحكم بالعقوبات التي تستوجبها المخالفات.

ورغم أنّ المندوبيّة الجهوية للتنمية الفلاحية بسيدي بوزيد قد حاولت منذ سنة 2012 إيجاد حلّ وسط، عبر اقتراحها انتزاع 11 هكتار (أي المسافة الفاصلة بين قطعتيْ الأرض التي تقام عليها المنشآت) – وهو ما حصل فعلاً حسب الدكتور الحمدوني، مدير مصلحة البيطرة-  الاّ أنّ الخلاف ما يزال قائمًا.

أمّا بكّار ترميز، مسؤول وكالة حماية المحيط، فهو يرى أنّ المدخل لمعالجة هذا النوع من القضايا يتمثّل في  أمرين: الأوّل: فرض احترام المسافات المنصوص عليها في القانون بين الأراضي المعدّة للسكن والأراضي الفلاحيّة التي تقع عليها منشآت من هذا النوع، والثاني: “وضع مخطّطات أكثر إحكامًا للتهيئة العمرانيّة والترابيّة”. لكن  في كلّ الأحوال، لا توجد إجابات سهلة؛ إذ “كيف نوفّق بين ضرورات التنمية الاقتصادية والحرص على صحّة الناس وراحتهم؟”، يضيف متسائلاً.

 

ممّا لاشكّ فيه أنّه لا حلّ جذري لهذه القضيّة ومثلاتها دون أن تضع الدولة استراتيجيّة  واضحة، وسياسات أكثر إحكامًا للقطاع الفلاحي، بما في ذلك مسألة التصرّف في الأراضي الفلاحيّة. واستطرادًا، ربّما يتطلّبُ ذلك أوّلاً أن تتبلور موازين قوى جديدة، تُحدّد على أساسها الدولة، دون مواربة، الفئات التي تنحاز إلى مصالحها: إلى رأس المال الفلاحي الكبير أم إلى الكادحين من رعاة أغنام وصغار الفلاحين وجموع المُعطّلين والمُهمّشين؟