[youtube https://www.youtube.com/watch?v=FKdfhIFbmEw]

بقلم غسّان بن خليفة،

بدأت نقابة الصيادلة اليوم الأربعاء في تنفيذ قرارها الانسحاب من الاتفاقية القطاعية التي تربطها بـ الصندوق الوطني للتأمين على المرض، بعد أن اتّهمته بعدم الالتزام ببنودها وعدم الإيفاء بما تعهّد به في مفاوضات السنة الفارطة.

وسيكون لهذا القرار تأثير مباشر 17% من المضمونين اجتماعيًا، أيْ على 570 ألف منخرط (من الفئات المتوسطة والضعيفة) وعائلاتهم، من المنتفعين من المنظومة العلاجية المعروفة بـ “الطرف الدافع”. إذ أنّ هؤلاء كانوا حتى الأمس يدفعون بالصيدليات 30% من السعر الكامل للأدوية، فيما يتكفّل الصندوق بإرجاع الـ 70 بالمائة المتبقّية للصيادلة. أمّا الآن، فسيضطرّ المواطنون إلى التوجّه للصندوق لاسترجاع الفارق.

خلاف حول تأويل الفصل 91

وقبل الدخول في الجانب المضموني، يختلف الطرفان حول مسألة شكليّة تتعلّق بحقّ النقابة من عدمه في الانسحاب من الاتفاقية هذه السنة. إذ يأوّل كلٌ منهما على طريقته الفصل 7 من اتّفاق تنقيح للاتفاقية أمضياه قبل سنة. وينصّ هذا الفصل في فقرته الأولى على “التمديد في الاتّفاقيّة (…) لمدّة استثنائيّة بسنة”، فيما يشير في فقرته الثانية إلى استمرار نفاذ الفصلين 90 و91 من النصّ الأصلي للاتفاقية المنظمّيْن لحالات الانسحاب منها أو تمديدها. إذ ينصّ الفصل 90 على سريان الاتفاقية، التي أبرمت ونشرت سنة 2007، لمدّة ست سنوات، تُجدّد آليًا في حال عدم رغبة أحد الطرفين في إلغاء التزامه. وينصّ كذلك على أنّ الانسحاب منها مشروط بالإعلان المسبق عن ذلك قبل ستّة شهور من انتهائها. وهو الأمر الذي التزمت به نقابة الصيادلة، بإعلانها انسحابها سنة 2013 قبل نهاية الأجل القانوني، لتدخل في مفاوضات مع الصندوق لمراجعة الاتفاقية، تُوّجت باتفاق التنقيح المذكور أعلاه. إلاّ أنّ الفصل 91 يشير إلى أنّه في حال عدم توصّل الطرفين إلى اتّفاق – وهو ما حصل سنة 2013 – فإنّه يتمّ مواصلة العمل بالاتفاقية لمدّة سنة إضافية على الأقلّ.

ويتمسّك المسؤولون عن الصندوق بأنّ الفصل 91 “مايزال نافذ المفعول، كما تنصّ عليه الفقرة الثانية من الفصل 7 من اتّفاق التنقيح”، حسب ما صرّح به لـ نواة السيّد يونس بن نجمة المسؤول عن الإعلام في الصندوق الوطني للتأمين على المرض. فيما يقول الصيادلة أنّ هذا الفصل لا ينطبق على الحالة الراهنة، وأنّ الفقرة الأولى من الفصل 7، التي تحدّد التمديد استثنائيًا بسنة، هي المرجع.

مسألتيْ الآجال واللجان المتناصفة

ولا يتّفق الطرفان كذلك بخصوص جوهر الخلاف. إذ يركّز الصيادلة على مسألتين: الأولى هي اتّهامهم الصندوق بعدم احترام الأجل المحدّد بـ 14 يومًا لإسترجاعهم منه الفارق في ثمن الأدوية، كما ينصّ على ذلك الفصل 42 من الاتفاقيّة. الأمر الذي يؤثّر على توازنهم المالي، كما يقولون. وتتمثّل الثانية في تقاعس بعض أعوان الصندوق وعدم التزامهم بآلية فضّ النزاعات عند اعتراضهم على سلامة الفواتير التي يقدّمها الصيادلة. إذ ينصّ الفصل 43 على أن ُيعلم أعوان الصندوق الصيادلة باعتراضهم، وأنّه في حال لم يقبل الأخيرين بها، فإنّه يجب تسديدها، بالتوازي مع رفع الأمر إلى إحدى اللجان الجهوية المتناصفة (3 أعضاء من النقابة و3 من الصندوق) المكلّفة بالبتّ في النزاعات بين الطرفين.

وينفي بن نجمة مزاعم النقابة في النقطة الأولى. إذ يوضح أنّ المنظومة المعلوماتيّة المُتبّعة لا تسمح أصلاً بتجاوز أجل الـ 14 يومًا. وأنّه حتّى في حال رفض الصيدلي قبول اعتراض الصندوق، فإنّ احتساب الفواتير يتمّ آليًا اعتمادًا على تاريخ تقديم قصاصة الاستخلاص، التي يقدّمها الصيادلة.

وأمّا فيما يخصّ النقطة الثانية، فإنّ مسؤول الصندوق يقرّ بوجود بعض العيوب، إلاّ أنّه يُرجع الأمر إلى العدد غير الكافي للجان المتناصفة الجهويّة، وعددها 9 حاليًا. ويضيف : “نأمل أن تصير هناك لجنة في كلّ ولاية في أقرب الآجال”. إلاّ أنّ مصطفى العروسي، أمين مال نقابة الصيادلة، يرى أنّ الإشكال أعمق من ضعف عدد اللجان. إذ قال، في اتصال هاتفي مع نواة، بأنّ الموضوع يتعلّق أساسًا بضعف كفاءة الإدارة التونسيّة. فـ” الصيدلي يعاني ممّا يعانيه عموم المواطنين من سوء معاملة وتقاعس أعوان الإدارة”.

الأدوية الخصوصيّة ومعاليم التصرّف: “المطالب الخفيّة”

ولم يتردّد يونس بن نجمة في اتّهام نقابة الصيادلة بأنّها تسعى إلى المراجعة الشاملة للاتفاقيّة لأنّ لديها مطالب مادية أخرى غير تلك المُعلَن عنها. وهي تحديدًا: المطالبة بوقف احتكار الصندوق لبيع الأدوية الخصوصية (أي أدوية الأمراض الخطيرة مثل السرطان) ومطالبة الصندوق بتعويضهم على “مصاريف إدارة ملفّات المرضى”.

فيما يخصّ الموضوع الأوّل، يشرح مسؤول الصندوق أنّ الأدوية الخصوصية توزّع على المواطنين عبر ثلاث صيدليات تابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ويضيف أنّ الصيادلة “يريدون الانتفاع بهامش الربح الذي يذهب إلى الدولة.”

وكان نقيب الصيادلة رشاد ڨار علي، قد نفى ضمنيًا خلال مداخلة له هذا الصباح على إذاعة أكسبريس آف آم، الهاجس المادي في هذه المسألة، مشدّدًا أنّ ما يهمّ النقابة هو تقريب الخدمة إلى المرضى “الذين يضطرّون أحيانًا إلى السفر مئات الكيلومترات للحصول على الدواء”. إلّا أنّ زميله بمكتب النقابة مصطفى العروسي لم ينفِ وجود هذا الهاجس المادّي. وأوضح أنّ الأمر يتعلّق بحوالي 400 مليون دينار لا يفهم الصيادلة لماذا “تحتكرها الدولة”. كما أوضح لنا أنّه سبق للصندوق أن وَعَد النقابة في مفاوضات السنة الماضية بالنظر في الموضوع.

كما أكّد لنا أمين مال النقابة مطلب الصيادلة بالتعويض على مصاريف إدارة ومتابعة الملفّات. فمع وصفه له بأنّه “مطلب تصعيدي” يدخل في سياق الضغط التفاوضي، فإنّه يرى أنّ المطلب محقّ، وإن لم يكن عاجلاً. وأضاف أنّ الصندوق وعد سابقًا الصيادلة بأن يدعمهم لوجستيًا (حواسيب وآلات ناسخة والخ)، لمساعدتهم على المتابعة السليمة لملفّات المرضى، التي تضطرّ الصيادلة كذلك إلى” تخصيص عامل للتكفّل بها” إلاّ أنّ الصندوق لم يوف بوعده. وما يزيد في الطين بلّة أنّ الأخير لم ينجز بعد مشروع البطاقة المغناطيسيّة، وهي من ألحّ مطالب الصيادلة، التي تحتوي على كلّ بيانات المرضى (كالحالة الصحيّة والعائليّة وحجم مصاريف علاجهم)، وسيكون من شأنها أن تيسّر عمل الصيادلة.

 

نحو المزيد من التأزمّ وصمت وزارة الشؤون الاجتماعية

ولا يخفي مسؤولو النقابة أنّهم يفكّرون في التوجّه للقضاء، بالتوازي مع الانسحاب من الاتفاقية، للبتّ في النزاع القائم بينهم والصندوق. من جهته، ينفي بن نجمة نيّة الصندوق الوطني للتأمين على المرض الالتجاء للقضاء، ويؤكّد على تشبّث الأخير

بدعوة الصيادلة إلى الحوار من جديد. وفي ردّه على سؤالنا عن ما ينوي الصندوق القيام به لمساعدة المرضى المتضرّرين من الوضع الجديد، أجابنا المسؤول أنّ مؤسّسته “بصدد درس خيارات وسيناريوهات لا يمكن الإفصاح عنها الآن”.

ويبدو أنّ إحدى هذه الخيارات هي “الضغط على الصيادلة بشكل فردي لحثّهم على مواصلة الالتزام بالاتفاقيّة”، كما كشف لنا المسؤول النقابي مصطفى العروسي. فـ”الهدف من ذلك هو كسر وحدة الصيادلة وإضعاف موقفهم”، حسب رأيه.

يُذكَر أنّ الخلاف مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض، لا يقتصر على الصيادلة. إذ أصدرت نقابة أطباء القطاع الخاصّ يوم 4 من الشهر الجاري بيانًا، ساندت فيه الصيادلة، وحمّلت مسؤولية الأزمة للصندوق. كما ذكّرت من جهتها بمطالبها المتمثّلة في الترفيع في مقابل الإستشارات الطبّية “المجمّدة منذ ثمانية سنوات” وبـ”لتسريع في التعويض للأطبّاء” و”تشريكهم في القرارات”، التي يتّهمون الصندوق باتّخاذها بـ”شكل آحادي الجانب”. وكشف لنا منير الجربي، المسؤول عن الإعلام في النقابة أنّ أطبّاء القطاع الخاصّ حريصون جدًا على تواصل منظومة “الطرف الدافع”، لكنّهم في نفس الوقت يفكّرون جدّيًا في الانسحاب من الاتفاقية القطاعيّة، كما فعل الصيادلة، إذا لم يتفاعل الصندوق بإيجابية مع مطالبهم مع حلول تاريخ تمديدها سنة 2018.

وفي محاولة للتعرّف على موقف الحكومة من الأزمة، اتّصلت نواة بمكتب الاعلام بوزارة الشؤون الاجتماعيّة، بصفتها سلطة الإشراف على الصندوق الوطني للتأمين على المرض. إلاّ أنّ المسؤولة عن الإعلام لم تكن موجودة بمكتبها ولم يتمّ مهاتفتنا كما وُعدنا بذلك.