faculte-science-droit

مصدر الصورة: ويكيبيديا

بقلم مطاع أمين الواعر،

يثير انغلاق المسؤولين السياسيين وريبتهم تجاه أي مقترحات لتغيير التوجهات الاقتصادية الكبرى في تونس، دهشة المتتبعين ومن خلفهم قطاعات واسعة من المجتمع التي لا تتوانى في التعبير عن امتعاضها من ذلك. حتى أنك قد تحس بأن رفضهم في أغلب الأحيان أشبه بمنطق “عجبك ولا طير قرنك” الأرعن، منه إلى ممارسة السياسة كعمل من أعمال إدارة الشأن العام وما يتطلّبه ذلك من تناسق (على الأقل ظاهريا).

ومن المؤكد أن تفسير ذلك بكل العوامل السياسية (تحالفات) المالية (تمويل) والاجتماعية (العلاقات الاجتماعية في الحقل السياسي) منطقي وقادر على تسليط الضوء على جزء هام من ميكانيزمات هذه الظاهرة، وهو ما قام به كتاب ونشطاء وصحفيون.

لكنه تفسير غير كاف في رأيي. فهو يهمل جانب من المسألة على قدر عال من التأثير الذي يتعاظم كل ما زدنا في اهماله واعتباره مسلّمة من مسلّمات الفهم. هذا العنصر هو الجانب العلمي من المسألة. والذي يمكن تلخيصه في الفكرة التالية: ينحصر تدريس الاقتصاد بالجامعات التونسية على المنهج “الأرثودوكسي” في الاقتصاد والممثل بالمدرسة “النيوكلاسيكية” بفرعيها الكبيرين، مدرسة شيكاغو (ميلتون فريدمان، بيكر…)، وبدرجة أقل بكثير، المدرسة النيوكاينيزية (ستغليتز، كروغمان…) والتي تسعى جاهدة ل”تهذيب” الكاينزية حتى تتلائم مع الأطروحات النيوكلاسيكية.

هذا العنصر طبعا غير قادر لوحده لا تفسير الوضع ولا هو من قبيل العنصر المحدد أو الرئيسي أو الأساسي، لكنه يضيء جانبا من الحقيقة. وبه قد نفهم كيف يعجز اقتصاديونا عموما على الخروج من الإطار الكلاسيكي للتحليل وتجدهم بصدد إعادة إنتاج نفس السياسات رغم فشلها عشرات المرات.

التسلط العلمي في أبهى حلله

قد يغيب عن عدد من الذين لم يدرسوا بإحدى المؤسسات التي تختص في تدريس الاقتصاد بتونس أن اخر دروس “نقد الاقتصاد السياسي” قد انقرضت من الجامعات التونسية تقريبا منذ أواسط العقد الفارط. كما أن تدريس الكاينيزية يواجه انحسارا كبيرا يتراوح بين إلغائه من البرنامج نهائيا والابقاء عليه مع اهماله. وقد كنت لحسن حظي من الذين تلقوا دروسا في هاذين الموضوعين قبل الغائهما بمدة وجيزة.

حينها لم أكن أدرك أَنِّيَ من المحظوظين، إذ كنت ساخطا على الهيئة العلمية بكليتي لأنها كانت تحرمنا من مجال واسع جدا من المعرفة الاقتصادية ومدارسها الفكرية المتعددة. لم أعي في تلك الفترة رغم نشاطي الطلابي، بأن تلقي تعليم جامعي حول المدارس الاقتصادية “النقدية” كالماركسية والكاينزية مثلا ولو بشكل سطحي (ومشوه في بعض الأحيان) في السنة الأولى يعتبر استثناء، بالمقارنة بجل الجامعات التونسية وأن سخطي يجب أن يوجه للهيئة العلمية على المستوي الوطني (وأكثر).

إن القول بأن عدد الاقتصاديين التونسيين “النقديين” (critiques appelés aussi hétérodoxes) لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة مؤلم حتما ولكنه للأسف الشديد واقعي أيضا. وهو ما يجعل علوم الاقتصاد في تونس تواجه مأزقا حقيقيا. فهي تقبع بين مطرقة الجامعيين “الأرثوذكسيين” الذين لن ينتجوا إلا الطلبة “الأرثوذكسيين” اقتصاديا وهو ما يعني مزيدا من التحجر والعقم في تدريس الاقتصاد بتونس، ومطرقة الاقتصاديين “الأرثوذكسيين” خارج الجامعة، الذي يحتلون مناصب القرار وأحواز السلطة السياسية ومعارضتها، مما يعيق إمكانية الاصلاح البرنامجي في الاقتصاد مهما كانت الأطراف السياسية التي تتواجد في الحكم.

سيطيل هذا المأزق حتما، أمد القطيعة بين الاقتصاديين التونسيين ومحيطهم الخارجي وبالتالي قدرتهم على استيعابه ومواجهته بتشخيصات دقيقة وحلول ناجعة. وقد يفاجئ البعيدون عن المجال الاقتصادي في الجامعة التونسية، بأنك قد تحصل على الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد من أحد جامعاتنا “المرموقة” دون أن تكون على معرفة علمية دقيقة بمنوال التنمية في تونس ومخططاتها، بل تكتفي بالغرق في الدروس النظرية ل”عظماء” الاقتصاد في العالم، النيوليبراليين طبعا.

تدريس الاقتصاد، “شهيد” الانتصار الليبرالي…

ذهب بعض من الأصدقاء، في نقاشات سعدت بالمشاركة فيها، إلى أن هذا الاختناق ليس حكرا على العلوم الاقتصادية، بل أنه وضع تعيشه كل مجالات التدريس في تونس، جراء سياسات التفقير الفكري وسلعنة التعليم وسواد المنهاج التقليدي (scolastique). هذا صحيح جزئيا، لكن تعليم الاقتصاد والفروع العلمية المتفرعة عنه يمتاز بالإضافة إلى ذلك بصعوبات خاصة تجعل منه “الشهيد” الشرعي لانتصار الأيديولوجيا النيوليبرالية في كل مجالات الحياة على مستوى عالمي.

ويعاني تدريس الاقتصاد في جل الدول الصناعية أيضا، صعوبات جمة رغم أنه لم يبلغ أبدا وضعا مشابها لنضيره في تونس. حيث أصبح تدريس الاقتصاد في الثلاثين سنة الأخيرة بالجامعات الأوربية والأمريكية محل حرب مفتوحة دون هوادة، شنها ممثلو الاقتصاد التقليدي مدججين بسلاح الحرب الأيديولوجية التي سيطرت منذ أواخر سبعينات القرن الماضي على العالم، مدعومين بالمؤسسات الرسمية الادارية والمالية والمؤسسات الاقتصادية الخاصة، ضد الاقتصاديين النقديين والمجددين (ماركسيين، ما-بعد-كاينزيين، تعديليين، تنسيقيين…). وقد نجحت هذه الحرب بعد اكثر من 3 عقود في القضاء على هذه المدارس تقريبا في الجامعات والتقليل من تأثيرها العلمي وترويج الدعايات التي تلغى عنها صفة العلم (بسبب رفضها لهيمنة النماذج الرياضية المعقدة على دور التفسير والتحليل والتركيب في التنظير الاقتصادي).

لم يجد إذن، اقتصاديونا حينما هاجروا إلى أوروبا للدراسة، في مرحلة تشكيل النواة الأولى للاقتصاديين التونسيين سوى هذا المنهج القمعي في تدريس الاقتصاد مما دفعهم للتسلح به وتنزيله بأكثر عنف وتعسف عندما عادوا إلى تونس. شجعهم على ذلك فقر مجال البحث العلمي في تونس والركود الذي يتّسم به التجديد الفكري عموما. لكن في حين كان أترابهم في بقية الاختصاصات مدفوعين بحماسة النقاشات في مجالات اختصاصهم خارج تونس -للمهتمين بمتابعة ذلك-، وجد الاقتصاديون التونسيون أنفسهم محاصرين بمعارفهم المحدودة ومجال نشاطهم العقيم في تونس وبين قلة مصادر الالهام خارجها.

لا يعني كل ما سبق أن تدريس الاقتصاد في دول المركز وصل إلى طريق مسدود. فقد خرجت من رحم المجتمع قوى تدافع بكل حماس عن التعدد العلمي في تدريس الاقتصاد. وتمثل جمعيات الطلبة التي أسست خصيصا لهذا الغرض القوة الرئيسية التي أخذت على عاتقها الدفاع عنه منذ بداية سنوات ال 2000 في فرنسا بسبب تنامي الوعي بأهمية الرهانات السياسية لتدريس الاقتصاد. وقد أعادت هذه القوى الطلابية الاعتبار للجمعيات التي أسسها الاقتصاديون النقديون دفاعا عن مناهجهم العلمية خصوصا مع اشتداد الأزمة المالية وعجز النظريات الاقتصادية المهيمنة عن الخروج من تحليلاتها الكلاسيكية التي أدت إليها.

إحياء تدريس الاقتصاد من إحياء الاقتصاد التونسي…

يختلف واقع الحال في تونس عن هذا الوضع. إذ أننا لا نملك (أو على الأقل بالكم والكيف المطلوب) الاقتصاديين النقديين الذين يستطيعون حمل لواء هذه المواجهة العلمية على عاتقهم منذ البداية جراء هامشية مواقعة وعزلتهم وقلة عددهم. كما أن الحركة الطلابية المنغمسة في صراعاتها الهامشية ليس لها بعد لا القدرة ولا الوعي لاستنهاض القوى وتجميعها والسير بها قدما في هذا السبيل.

يبقى الأمل إذا والوضع على ما هو عليه قائما حول تنامي الوعي العام بأهمية دور الاقتصاد في حياتنا اليومية وبفشل التوجهات التي تدعو المواطنين إلى تسليم أمرهم إلى “الخبراء” (على الأقل النوع المهيمن حاليا من الخبراء). يجسد تنامي هذا الوعي ولو بشكل سلبي، اجترار مصلح “منوال تنمية” و”برنامج اقتصادي بديل” منذ سنة 2011 في برامج كل الأحزاب والجمعيات وغيرها من التنظيمات. الشيء الذي قد يدفع، إن تم العمل بوعي نحو المراكمة في هذا الاتجاه في اتجاه تشكيل مبادرات مواطنية تدفع من خارج الجامعة حتى تغير موازين القوى داخلها. ولعل أكثر المطالب الجزئية قابلية للتحقيق في القريب العاجل هو ذاك المتمثل في دمج دروس من اختصاصات أخرى (تاريخ، سوسيولوجيا، علوم سياسية…) بمناهج درس الاقتصاد.

ختاما، يجدر التذكير بأن النضال من أجل تحرير الاقتصاد من السطوة النيوليبرالية، يمثل نقطة قطيعة سياسية خطيرة جدا خصوصا في خضم ما نراه من تدخل سافر للمؤسسات المالية العالمية في الشؤون الاقتصادية التونسية. وهو ما يتطلب بناء على ذلك، تكتيلا للقوى المعنية به وحرصا كبيرا على الوعي بواقع موازين القوى الموجودة والعمل على تغييرها على هذه الأرضية.