Loi-n64-5-12-mai-1964-agriculture-tunisie-ar2

بقلم فانيسا سزاكال، ترجمة غسّان بن خليفة

“استشارة وطنيّة” لإقرار الإصلاحات في القطاع الفلاحي

بعد شهور من إطلاق وزارتيْ الفلاحة والشؤون العقاريّة “استشارة وطنيّة” لمعالجة قضايا القطاع الفلاحي في تونس، ناقشت اللجان البرلمانيّة النصوص التشريعيّة ذات الصلة: مشروع قانون عدد 33/2015 يتعلّق بجدولة ديون المتسوّغين لعقّارات دوليّة فلاحيّة ومشروع قانون عدد 53/2015 المتعلّق بقانون الماليّة التكميلي، الذي يتطرّق الفصل 27 منه إلى مديونية قطاع الفلاحة والصيد البحري.

وفي العشرون من مايْ 2015 اجتمع رئيس الحكومة الحبيب الصيد ووزير الفلاحة سعد الصدّيق بممثّلين عن المجتمع المدني والأحزاب السياسية ومجموعة من رجال الأعمال ونوّاب من البرلمان بقمّرت. حيث تحدّث الصدّيق عن تطوير استراتيجية جديدة تهدف «إلى تجنّب تجزئة الأراضي التابعة للدولة». وأوضح الصدّيق، أنّ المخطّط الخُماسي يسعى إلى تفادي تشتّت الأراضي المملوكة للدولة و«تحسين أو تعديل التشريعات المنظمة لهذه الأراضي، إلى جانب آليات المراقبة والتحكّم في منظومات الإنتاج».

الفاعلون في مجال “الأراضي الدوليّة”

أمضى الرئيس بورقيبة في 12 مايْ 1964 القانون عدد 64-5 المتعلّق بالملكيّة الفلاحية في تونس، مؤمّمًا بمقتضاه 800 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية التي كانت تحت سيطرة المستعمرين الفرنسيّين. وبغاية التصرّف في هذه الأراضي واستغلالها، أُنشأ داخل وزارة الفلاحة عدد من الأطر المتنوّعة: ديوان الأراضي الدوليّة (د.أ.د)، الوحدات التعاضديّة للإنتاج (إ.ت.إ.)، وشركات الإحياء والتنمية الفلاحية (إ.ت.ف.). على مرّ السنين، التصقت بـ(د.أ.د)، الذي كان يتصّرف في أكثر من 500 ألف هك، سُمعة سلبيّة تعلّقت بسوء التصرّف المستفحل وضعف النجاعة.

وقد أشار مقال، نُشر في نفس فترة الاستشارة الوطنيّة، إلى أنّ د.أ.د. «لم يبلغ الأهداف التي رسمها لنفسه، وكُبّل بالديون والعجز في الميزانيّة، إضافة إلى شحّة الموارد الماليّة». ولا نعرف سوى القليل عن الوحدات التعاضديّة للإنتاج التي تراجعت مساحة الأراضي التي تستغلّها من 220 هكتار، في أواسط سنة 1962، إلى ما جملته 20 هكتار اليوم. أمّا فيما يتعلّق بـ ش. إ. ت. ف، التي بعثت في 1990 لتشجيع المستثمرين الخواص على تسوّغ الأراضي الفلاحية الدوليّة، فانّ الحصيلة تُعدُّ غير مُرضية بداهة.

تُعتبرُ شركة التنمية والاستغلال الفلاحي بالشمال من أعرق2 وأثمر شركات الإحياء والتطوير الفلاحي بالبلاد، إذ تستغلّ 978 هكتارًا من الأرض التي زُرعت بها الغلال ذات النواة، القوارص، اللفت السكّري، الطماطم والقمح إلى جانب تربية النحل، وتربية الماشية من أجل اللحوم والحليب ومشتقاته. التقت نواة منير بومسوِر3 المدير العام للشركة، وكذلك رئيس غرفة شركات الإحياء والتنمية بالنقابة التونسية للفلاحين. وقد حدّثنا عن التحدّيات الاقتصادية التي يواجهها المزارعون والمستثمرون بالقطاع بسبب العوامل غير المتوقّعة مثل المناخ، والأحداث السياسية وحركة السوق بما يؤثّر على المحاصيل وأسعار المواد الغذائية المُنتَجَة. إذ تسبّبت فيضانات شهر فيفري من هذه السنة، وكذلك الجفاف الذي امتدّ من بداية أفريل إلى منتصف مايْ، في انخفاض كبير في انتاج الحبوب. وأضاف: «تراجع المحصول من دون انقطاع في الثلاث مواسم الأخيرة».

إلى ذلك، فإنّ أغلب التحدّيات المزمنة التي تواجه القطاع هي هيكليّة، تحديدًا منظومة تشريعيّة غير ملائمة وبطء البيروقراطيّة. ويشير بومسوِر إلى مفارقة، سبق أن أثارها في افتتاح الاستشارة الوطنيّة حول الأراضي الفلاحية الدوليّة:

تطلب الدولة من شركات الإحياء والتنمية الفلاحيّة أن تُعزّز الانتاج الفلاحي الوطني، أن تحدّ من البطالة وأن تخلق الثروة، لكن من دون أن تقدّم لها الوسائل الضرورية لذلك.

ويذكر في هذا الصدد القانون عدد 21-95 بتاريخ 13 فيفري 1995 المتعلّق باستغلال العقارات الفلاحية الدوليّة، الذي لم يعد صالحًا، و”كرّاس الشروط الجديد”4، الذي يرى أنّه فضفاض، لأنّه غير مناسب للخصائص الجغرافية والجهويّة للأراضي الفلاحيّة على امتداد البلاد، ولا لخصائص وقدرات كُلّ ضيعة. ويشرح بومِسوِر أنّ صرامة كراس الشروط تجعل الالتزام به أمرٌ صعب. والأهمّ من ذلك أن المستثمر غير قادر على وضع تصوّر واضح لاستغلال أرضه. فعلى سبيل المثال، هو مُجبر على مراسلة وزارة الفلاحة وانتظار ردّ قد يصل بعد سنة أو اثنتين، قبل أن تسمح له باقتلاع واستبدال أشجار القوارص ذات السبعين عامًا التي لم تعد مثمرة. لديه بالتالي أحدُ خيارين: أن لا يفعل شيئًا في انتظار أن يصله ردٌّ أو أن يقتلع الأشجار دون ترخيص حتى يستغلّ أرضه على أحسن وجه.

ديون المزارعين: صعوبة الحصول على قروض وضعف المساعدات

التقت نواة بعمر الباهي، نائب رئيس لجنة الإنتاج الحيواني والبحث العلمي بالاتّحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، بمقرّ المنظّمة الواقع على مرمى حجر من مقرّيْ الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والـ د.أ.د. وتحدّث الباهي عن حجم الديون وسياقها، وقد كانت محور الجدالات الأخيرة حول قطاع الفلاحة. وأوضح أنّ 6 بالمائة فقط من 517 ألف مزارع في تونس نجحوا في الحصول على قروض بنكيّة عبر “القروض الموسمية”.

ويشدّد الباهي على أنّ الحجم الجملي للقروض، وقيمته 60 مليون دينار مخصّصة بصفة أولوية لزراعة الحبوب، يعدّ ضئيلاً مقارنة بتكاليف الإنتاج التي تناهز المليار دينار (بمعدّل 700 دينار أقصاه للهكتار الواحد وبمساحة جمليّة تقدّر بـ 1.5 مليون هكتار من الأراضي المزروعة حبوبًا).

الغالبيّة الكبرى من المزارعين الذين لا يستطيعون الحصول على هذه القروض يلتجئون إلى طريقة أخرى، تتمثّل في “قروض المموّنين”. وهي قروض غير مُعلَنة يوفّرها المموّنون الذين يبيعون الأسمدة ومبيدات الحشرات… على عكس البنوك، التي تقوم بعمليات إقراض متوسّطة وكبيرة الحجم عبر القروض الموسمية، يمنح هؤلاء المموّنون، الذين هم على تواصل مباشر مع المزارعين، قروضًا صغيرة الحجم. ويتمّ تسديد هذه القروض مباشرة إثر انتهاء موسم الحصاد. ويعدّ هذا النوع من القروض مجحفًا بسبب الأسعار المرتفعة للمعدّات والأدوية التي يقتنونها من المموّنين.

يُضاف إلى صعوبة الحصول على قروض بنكيّة، ضعف المساعدات التي يحصل عليها المزارعون. وحسب تقرير للبنك العالمي، نشر في سبتمبر 2014، يمثّل هذا الدعم للقطاع الفلاحي، 0.8 بالمائة من الناتج الداخلي الخام في 2010؛ أي ما يعادل 350 مليون دينار أو 70 دينار لكلّ هكتار.,

ويشرح الباهي أنّ «هذه المساعدات المالية غير مباشرة بالأساس. إذ تتضمّن دعمًا للأعلاف (ويشكو هذا القطاع من تنامي التجارة الموازية)، ودعمًا عبر الاستثمارات الفلاحيّة، مساعداتٍ لاقتناء الأسمدة (نيترات الأمونيوم، سوبر 45، وداب)، بذور منتقاة ومساعدات جبائية». و يفترض الباهي أنّه يمكن لهذه الموارد أن تكون أكثر نفعًا للمزارعين لو كانت في شكل دعم مباشر.

فيما يُمنح المزارعون في بلدان عديدة أخرى مساعدات كبيرة لتحفيزهم على إنتاج المواد الغذائية الأساسيّة، اختارت الحكومات التونسية تاريخيًا مقاربة الكلفة الأقلّ. وذلك بحفاظها على أسعار مُتحكّم فيها لمواد مثل الخبز والحليب حتى تبقى مُتاحة لذوي الدخل الضعيف. وكما يوضح الباهي فانّ ذلك يخلق فوارق ذات انعكاس مباشر على الفلّاح. فبغضّ النظر عن حجم محاصيل الموسم وكلفة الإنتاج فانّ المزارع مُجبر على بيع منتجاته بسعر مُحدَّد، وهو بذلك يدفع الفارق في السعر عوض المستهلك، فيما يجني القدر الأدنى – وربّما لا شيء – من الأرباح.

الأمن القومي قبل الأمن الغذائي

فاقمت العمليّات الإرهابية لشهريْ مارس وجوان من تداعيات الظروف المناخية السيّئة لهذا الموسم على القطاع الفلاحي، فأثّرت بشكل ملموس على حجم طلب المواد الغذائية. إذ أدّى الانخفاض الكبير في عدد السيّاح في الشهور الأخيرة إلى تراجع في استهلاك الغلال والخضر والحليب والخبز. في آن الوقت ظلّت تكاليف الإنتاج والمواد الأوّلية والنقل مرتفعة (خاصّة في شهور الصيف الحارقة التي تتطلبّ التنقل لمسافات طويلة من أجل إيصال المواد الغذائية التي لا تحتمل الحرارة من الضيعة إلى السوق).

⬆︎ ترجمة: حسن العُمري (نداء تونس): «القطاع الفلاحي، وموضوع الأمن الغذائي، لا يقلّان أهمّية عن القطاع السياحي.»

انصبّ الخطابيْن السياسي والاقتصادي غداة هجوميْ باردو وسوسة على الاعتناء بالأمن القومي والقطاع السياحي. وقد عبّر جميع من تحدّثنا إليهم عن أسفهم لعدم إيلاء القطاع الفلاحي ما يستحقّه من أهمّية بالرغم من دوره الحيوي وقدرته على منح الاقتصاد ما يحتاجه من استقرار. ويذكّر الباهي أنّ القطاع السياحي قد حصل على دعم معتبر في ميزانية سنة 2015 يمثّل حوالي 6 %من الناتج الداخلي الخام وتتجاوز مديونيّته 3 مليار دينار؛ بالمقابل يمثّل القطاع الفلاحي ما بين 10 و12 % من ن.د.خ. وتبلغ جملة ديونه حوالي المليار دينار.

رغم الخطوات الهامّة التي قُطعَت على طريق تحسين إدارة واستغلال الأراضي الفلاحيّة المملوكة للدولة، ومن أجل التخفيف من مديونيّة متسوّغيها، فإنّ هذه التدابير ما تزال محدودة ومنقوصة. وبغضّ النظر عن محاولات تعزيز الشفافية وآليات المراقبة إثر جانفي 2011، يعتقد بومِسوِر أنّ شروط التعاقد الجديدة الخاصّة بشركات الإحياء والتنمية الفلاحية ما تزال غير واضحة وغير ملائمة لتنوّع الأراضي الفلاحيّة؛ كما أنّ صندوق التعويض الذي بُعث للتخفيف من التكلفة العالية لإنتاج الحبوب يعاني بدوره من ضعف التمويل.

وقد وصف الباهي افتتاح “الاستشارة الوطنية حول الأراضي الفلاحية الدولية”، التي قُدّمت كمناسبة للتشاور مع الفاعلين في القطاع ولوضع استراتيجية تنموية جديدة، بأنّها حدث شكليّ. إذ يرى أنّه تم سماع أفكار المشاركين ومقترحاتهم لكن دون الإنصات إليها ضرورة، أمّا المخطّط موضوع الاستشارة فقد رُسم خلف الأبواب الموصدة. وهو يؤكّد على الحاجة إلى حوار وطني حقيقي يكون فيه للمزارعين والمستثمرين دورًا تقريريًا، وليس استشاريًا فحسب.

يمثّل المزارعون التونسيون القلب النابض لقطاع يرتبط به الأمن الغذائي للبلاد، بل واقتصادها. إلاّ أنّهم يحتاجون مزيدًا من الدعم المالي، والإحاطة القانونية المناسبة، و اعتراف السياسيين بأهمّية دورهم، خاصّة بعد عامٍ مُثقَل بالتقلبّات المناخية والعنف السياسي. ولعلّ أكثر ما يحتاجه القطاع هو إرادة سياسية للاستثمار في الفلاحة، الأساس الصلب الذي تُبنى عليه السيادة والأمن والاستقرار.

هوامش

1. عمر الباهي، مقابلة خاصّة بتاريخ 17 أوت 2015.

2. إثر الثورة، أًسندت مسؤولية تقييم الشركات المؤهّلة للنشاط كشركات إستغلال وتنمية فلاحية إلى وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية. تمّ تقديم قائمة بـ 22 شركة جديدة في جانفي 2014، ليصل العدد الجملي لهذه الفئة إلى 45 شركة.

3. مقابلة شخصيّة بتاريخ 13 أوت 2015.

4. إثر 14 جانفي 2011، تمّ إصدار كراس شروط جديد بهدف تعزيز “الموضوعية، الإنصاف والشفافيّة” في عمليات تسويغ الأراضي الدولية والتصرّف فيها من قبل أصحاب شركات الإحياء والتنمية الفلاحية ( مقال بالفرنسيّة: الأراضي الدولية: معادلة ذات أكثر من مجهول، بتاريخ 18 أفريل 2015).