إلى نساء ”تونس الأعماق“ ورجالها. إلى أبطال تونس ”الصامتين“، الذّين لم تنصفهم الطبيعة ولا البشر ولا التاريخ. الهادي التيمومي

مثّل تاريخ 9 أفريل 1938 أحد الانتصارات الكبرى للحزب الحرّ الدستوري الجديد في مواجهة الاستعمار الفرنسي. هذه المظاهرة الكبيرة التي قادها كلّ من علي البلهوان ومنجي سليم انتهت ذلك اليوم بسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى إضافة إلى إيقاف أكثر من 3000 متظاهر ومنع نشاط الحزب الدستوري واعتقال قياداته.

الاحتفاء الرسميّ بعد الاستقلال ركّز الضوء على هذا التاريخ دون غيره، ليختزل نضالات الشعب التونسيّ ضد الاستعمار في ”الهبّة الدستوريّة“. التاريخ التونسي الذّي دوّنه ”المنتصرون“، وكيّفه المؤرّخون ليكون على مقاس الحزب و”القائد“، هضم حقّ قافلة طويلة من الشهداء، بدأت منذ اللحظة الأولى لتوقيع معاهدة باردو وانتصاب الاستعمار الفرنسيّ في البلاد.

زيف رواية السقوط الناعم

حصار مدينة صفاقس

حصار مدينة صفاقس

معاهدة باردو التي وقّعها الصادق باي يوم 12 ماي 1881 لم تكن تمثّل سوى الاعتراف الرسمي بالاستعمار الفرنسي كأمر واقع. بعيدا عن قصر الباي ورجالاته، كان للتونسيّين رأيا مخالفا رفض التسليم بصفقة باردو وفتح أبواب مدنهم للمستعمر. إذ استعصت المدن التونسيّة على المحتّل، لتخضع صفاقس وطبرقة لحصار لم ينتهي إلاّ بقصف المدينتين بالمدافع وسقوط العشرات من الشهداء.

أما قفصة، قابس، القيروان، جندوبة، وسكّان جبال خمير في الشمال الغربي للبلاد، فقد قاوموا منفردين جحافل الفرنسيّين، بعد أن تخلّى عنهم الباي الذّي سلّم البلاد مقابل عرش من قشّ.

احتلال القيروان في 26 أكتوبر 1881

احتلال القيروان في 26 أكتوبر 1881

نصف قرن من الانتفاضات والشهداء

منطقة تالة والقصرين شهدت في بداية القرن العشرين وبالتحديد في أفريل 1906، أولى الانتفاضات الكبرى ضدّ المستعمر الفرنسيّ. ”ثورة الفراشيش“، كما اصطلح على تسميتها جاءت كردّ فعل من الفلاّحين إزاء سياسة مصادرة الأراضي والترفيع في الضرائب وتسارع نسق توطين الفرنسيّين وتمكينهم من الضيعات الفلاحيّة بعد افتكاكها من أصحابها الأصليّين.

انتفاضة فلاّحي تالة، التي استهدفت ملاّك الأراضي المُصادرة واسترجاع حقّ المزارعين في أرضهم، استمرّت طيلة يومين وسط بهتة فرنسيّة، وانتهت بمعركة تالة التي سقط على إثرها 12 شهيدا و7 جرحى، إضافة على اعتقال واعدام قائدي هذا التحرّك الاحتجاجيّ عمر بن عثمان وعلي بن محمد بن صالح.

اعتقال قائدي انتفاضة الفلاحين سنة 1906 عمر بن عثمان وعلي بن محمد بن صالح

اعتقال قائدي انتفاضة الفلاحين سنة 1906 عمر بن عثمان وعلي بن محمد بن صالح

مذبحة تالة، لم تثني التونسيّين على إعادة الانتفاض ضدّ سياسات المستعمر ومحاولته تكريس سيطرته على الأرض، إذ شهد يوم 7 نوفمبر 1911 انتفاضة شعبيّة عارمة وصدامات مع القوات الفرنسيّة عقب قرار ترسيم أرض مقبرة الجلاّز. استوعب سكّان تونس العاصمة مغزى هذه الخطوة التي لم تكن سوى مقدّمة للاستلاء على أرض المقبرة وإعادة تقسيمها ونهبها في مرحلة لاحقة.

دافع التونسيّون عن أرضهم بشراسة وبصدور عارية، لتقمع هذه الانتفاضة بعد استشهاد 14 تونسيا برصاص الجيش الفرنسيّ وجرح المئات منهم، ومحاكمة 35 من المحتجيّن، والحكم على سبعة بالإعدام. وسيسجّل هذا التاريخ نصب المقصلة في تونس وتنفيذ حكم الإعدام بقطع رأس كلّ من المنّوبي بن علي الخضراوي (الجرجار) والشاذلي بن عمر القطاري سنة 1912.

المنّوبي بن علي الخضراوي (الجرجار) والشاذلي بن عمر القطاري

المنّوبي بن علي الخضراوي (الجرجار) والشاذلي بن عمر القطاري

جنوبا، شهدت الفترة الممتدّة بين 1915 و1920، مقاومة مسلّحة شرسة ضدّ المستعمر الفرنسيّ. قبائل الجنوب بقيادة محمد بن صالح الزغباني الخريجي من بني يزيد المعروف بالدغباجي، خاضت خلال تلك السنوات معارك حقيقيّة ضدّ قوات الاحتلال الفرنسيّ على غرار واقعة المحفورة سنة 1919 في قفصة، واقعة الزلوزة في غرّة جانفي 1920 قرب الحامة، واقعة المغذية في أفريل 1920 ومعركة الجلبانية 12 أفريل 1920 والتي انتهت بجرح الدغباجي أثناء محاولة عبوره إلى ليبيا ليتمّ القبض عليه هناك بعد سنين وإعدامه في غرّة مارس 1924.

محمد الدغباجي أحد أبرز انتفاضة الجنوب بين 1915 و1920

محمد الدغباجي أحد أبرز انتفاضة الجنوب بين 1915 و1920

حصيلة انتفاضة الجنوب، التي امتدت لأكثر من 5 سنوات أدّت إلى استشهاد 127 من المقاومين والمدنيّين وجرح 115 آخرين. لكنّ هؤلاء في المقابل كبّدوا الفرنسيّين 1181 قتيلا و356 جريحا. قوافل الشهداء التونسيّين لم تتوقّف حتّى نيل الاستقلال في 20 مارس 1956، مرورا بأحداث 5 سبتمبر 1934 في المنستير التي انتفض خلالها الأهالي ضدّ السياسات الاستعمارية القمعيّة تجاه قادة الحركة الوطنيّة وإهانة كاهية المنستير للأهالي. لتتطوّر الأحداث إلى مواجهات مع قوات المستعمر الفرنسي وتسفر عن استشهاد 16 تونسيا بالرصاص وبالتعذيب في المعتقلات الفرنسيّة.

كما شهدت المناطق المنجميّة في المتلوّي والمتلين والجريصة بين شهري مارس وأوت 1937 مواجهات مع العملة احتجاجا على ظروف العمل غير الانسانيّة، والتي أدّت بدورها إلى عدد من الشهداء والجرحى. لتنتقل الإضرابات والمواجهات سنة 1947 إلى الجنوب الغربيّ مع تطوّر العمل النقابيّ واشتداد قوّة المنظّمات النقابيّة خصوصا في منطقة الحوض المنجمي. لتندلع على إثرها مرحلة الكفاح المسلّح في جانفي 1952، بعد انسداد أفق الحلّ السياسيّ والتنكيل بقيادات الحزب الحرّ الدستوري.

الدم المنسيّ

لم يبخل التونسيّون بدمائهم منذ اللحظة الأولى لدخول الاستعمار الفرنسيّ، وحتّى خروج القوات الفرنسيّة من تونس في 1956 في مرحلة أولى والجلاء عن بنزرت سنة 1961. هذا التاريخ الطويل من التضحيّة تعرّض للكثير من المظالم بعد أن ألقى المعطى السياسيّ بظلّه على صفحات التاريخ لتحجب حسابات الزعامة وخلافات ما بعد الاستقلال قائمة طويلة من الشهداء الذّين لم ينخرطوا في النضال الدستوريّ، ولم يكونوا من معاصريه.

الاستشهاد في سبيل الوطن لا يخضع لمنطق الرايات الحزبيّة أو العقديّة، فضريبة الدم التي دفعها كلّ الذين سقطوا خلال معارك التحرير تجعلهم سواسيّة أمام التاريخ. ولكن المزايدة بدمائهم والاحتفاء بفئة منهم دون أخرى، تتحوّل إلى أبشع أنواع الجحود والنكران. ولعلّ الفرصة متاحة اليوم بفضل دماء شهداء انتفاضة 17 ديسمبر لإعادة الاعتبار للشهداء الصامتين.

المصادر المعتمدة

  • منشورات وزارة الدفاع التونسيّة حول فترة الكفاح المسلّح ضد الاستعمار
  • كتاب انتفاضات الفلاحين في تاريخ تونس المعاصر للهادي التيمومي
  • كتاب تاريخ تونس: أهم التواريخ من عصور ما قبل التاريخ حتّى الثورة للحبيب بولعراس
  • كتاب الحامة تاريخ و حضارة للهادي بن وناس زريبي