marche-central-tunisie

تتوارى الأيام لتعيد إنتاج محطّاتها السنوية من أعياد ومناسبات وذكرى حوادث حفرت في نفس التواريخ. وليس بغريب أن تتطرّق الأغلبية، أو تركّز الأقليّة، لنفس المواضيع. فيتجدّد طرح نفس الأسئلة وصياغة نفس المواقف ونقد نفس الظواهر كدليل على أنّ ”لا جديد يذكر“ وما هو إلاّ ”قديم يعاد“.

”ظاهرة“ شهر رمضان هي خبزنا اليومي خلال هذه الفترة. خبز لا يكلّفنا شيئا عدى قراء نفس التعاليق على شبكات التواصل الاجتماعي وإعادة طرح نفس الأسئلة على المارّة من قبل صحفيّي نشرات الأخبار وحتّى ”المهتمين“ بالمجال الاجتماعي في الصحافة المكتوبة.

التاريخ يعيد نفسه في شكل موسيقى ركيكة

قفّة رمضان… تراجع مردود العمل في رمضان… الصيام والإفطار… حريّة المعتقد… فم الصّائم الأبخر… الازدحام في المحلاّت التجاريّة… البيع المشروط في المقاهي الليليّة… حشيشة رمضان…

يمكن بكلّ بساطة البحث في أرشيف أوّل أسبوع من كلّ رمضان لأيّ سنة خلت لنرصد نفس المعجم اللغويّ المتعلّق بما أسمّيه ”فتنة رمضان“. ومادامت هذه التساؤلات السنوية تتكرّر بنفس النسق، فذلك دليل على وجود مشكل كبير في عمقها لم نتمكّن من الكشف عنه بعد.

أسئلة قد تكون حقيقيّة

سأحاول حوصلة بعض الأسئلة البسيطة، والتي أراها بديهية، في ما يتعلّق بهذا الموضوع:

  • ما بال الأقليّة (النخبة) المثقفة والواعية، على اختلاف أعمارها و مكاناتها الاجتماعيّة، ما انفكّت تنقد ثقافة الاستهلاك في شهر رمضان وتسخر من الكائن المسمّى ”المواطن التونسي“ باعتباره فصاميّا يبكي فقره وقلّة موارده من جهة، ويثقل كاهله بمصاريف لا طائل لها ليعدّ المأدبة الرمضانية على شرف قطط الشوارع والحشرات في مصبّات النفايات؟
  • ما بال هذا ”المواطن التونسي“ ينتقد بنفسه حاله ولا يقبل نقد النخبة، معتبرا نفسه مسيّرا في ما يفعل متحاشيا من يعقلنه محتميا بأشباهه في مآتم البكاء على الرواتب في مجالس ترتّل فيها ”الشيشة“ غرغرتها قبيل بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟
  • ترى أيّ منهما (وأقصد النخبة والمواطن التونسي) على حقّ؟ وهل من سبيل إلى تجاوز هذا الإشكال في السنوات المقبلة والانتباه إلى مشاكل أخرى قد تكون أهمّ وأعمق؟

حتّى نتمكّن من الإجابة على هذه الأسئلة، يجب البحث في موقف الإطار الحاضن لكلا الطرفين. وبما أنّ الإشكال الحاليّ هو اجتماعي، ثقافي واقتصادي بالأساس، فما الإطار سوى النظام التونسي الجاري به العمل والمسيّر، علنًا، بإشراف الحكومة. فما هو موقفها؟

الفعل و ردّة الفعل… سيّان

لا غريب في أن يتكرّر موقف النظام من سنة إلى أخرى دون تجديد أو تغيير. وإلاّ فما كنّا نعود لنفس الإشكاليات:

  • إغراق السوق بالمنتجات القابلة للاستهلاك بصفة مكثّفة ومتنوّعة حرصا على عدم حرمان المواطن من الشراء والتكديس.
  • غضّ البصر عن الأسواق الموازية كي يغضّ المواطن بصره عن عجزها في الإنتاج والتزويد.
  • الإيمان بتدنّي مردوديّة المواطن خلال هذا الشهر وارتفاع حاجياته في المقابل وبالتالي تأجيل الديون المتخلّدة بالذمّة لاستردادها في شكل الترفيع في الأسعار على المواد الأساسية في الفترة المقبلة.
  • تبنّي موقف النخبة المثقّفة والمناداة بأهميّة الترشيد في الاستهلاك في المنابر الإعلامية والدينية ولم لا، رصد ميزانيّة مخصّصة للتوعية في شكل معلّقات ولافتات و ومضات إشهاريّة.

وعلى غرابة هذا الموقف وسلبيّته في التعامل مع الواقع، إلاّ أنّ ما يميّزه هو تمثيله الكليّ لمختلف فئات المجتمع. تمثيل يمنحها، عن استحقاق وجدارة، تسميتها المنشودة: حكومة وحدة وطنيّة.

لكنّ نظاما يمثّل الجميع وينتقده الجميع بنفس الطريقة وفي نفس المحطّات هو نظام فاشل. وهذا الفشل ليس مناسباتيا بالضرورة، بل دائم وثابت على نسقه. لكن، يتجلّى في بعض المناسبات ليكشف سَوْءاته علنا.

كارل ماركس يدافع عن رمضان !

حتّى نتعمّق في البحث، سنتناول المسألة من زاوية نظر إقتصادية مبسّطة للعموم تقوم على القاعدة الأساسيّة التالية: ”كلّ منظومة إنتاجية مطالبة بتجديد طرقها الإنتاجيّة حتى تحافظ على بقاءها. وبما أنّ القوى الإنتاجيّة (أي العمّال) تلعب دورا أساسيّا في عمليّة الإنتاج، فعلى المنظومة أن توفّر لها ما يمكّنها من الالتحاق بمراكز الإنتاج في اليوم الموالي. وكلّما تعدّدت أشكال تقديم هذا المقابل الضامن للبقاء، كلّما ضمنت المنظومة ديمومتها (على سبيل المثال لا الحصر، الاستثمار في التعليم والتكوين يمكّن المنظومة الإنتاجية من الحصول على قوى إنتاجيّة نوعيّة ومتنوّعة في المستقبل). ويبقى الشكل الأساسي والضروري لهذا المقابل هو الأجر المادّي الذي يغطّي، على الأقلّ، الحاجيات الأساسيّة للقوى الإنتاجيّة من مأكل ومشرب وسكن ولباس وتنقّل…“. وهذا ما نسمّيه الأجر الأدنى (S.M.I.G)

هنا يضيف كارل ماركس: ”العامل الإنجليزي يحتاج إلى البيرة، وكذلك العامل الفرنسي يحتاج إلى النبيذ“. ويقصد بذلك أنّ ذلك الأجر الأدنى لا يقتصر عن تغطية نفقات الحاجيات البيولوجيّة، بل وكذلك الحاجيات التاريخيّة (حسب تسميته). حاجيات تختلف باختلاف الشعوب وباختلاف التراكم التاريخي والحضاري من فترة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر. قفّة شهر رمضان ”بزلابيّتها ومخارقها“، دجاجة رأس السنة الميلاديّة، خروف عيد الإضحى، مصاريف الزّواج… وغيرها ممّا لم أذكره، هي كلّها حاجيات تاريخيّة من حقّنا التمتّع بها كمقابل لإنتاجنا.

الكائن التونسي والنخبة: كلاهما على حقّ

في تونس، في القرن الواحد والعشرين، لا شكّ أنّ الأغلبيّة الساحقة غير قادرة على توفير حاجياتها التاريخيّة المتنوّعة بفضل ثراء مخزوننا الحضاري والثقافي. حاجيات تحمل أبعادا ثقافيّة واجتماعيّة أكثر من انحصارها في الجانب الدينيّ والعقائديّ الضيّق. حاجيات لا يمكن نقدها أو تغييرها أو حتّى البحث فيها مادمنا غير قادرين على توفيرها. حاجيات تتزايد يوما بعد يوم لتكشف عجزنا. النظام هو المسؤول عن هذا العجز، لكنّه يتملّص من مسؤوليّته بتوجيه إصبع الاتهام نحونا.

في مثل هذه الوضعيّة، لا يمكن الحديث عن إعمال العقل وترشيد الإستهلاك. سيبقى المواطن منهكا من ”قفّته“ باكيا على ”شهريّته“، وستبقى النخبة سعيدة بنجاتها من هذا ”المرض الاجتماعي“ ساخرة من ”عقليّة القطيع“ حزينة لغربتها وسط هذه الرّجعيّة الجماعية. وستبقى الحكومات المتعاقبة، على اختلاف تشكيلاتها وكوادرها، حكومات ”وحدة وطنيّة“.

ختاما

أرجو أن يعود رمضان بعاداته الثقافية وسهراته العائليّة، ليجمع النخبة والمواطنين في جوّ احتفاليّ بهيج. أرجو أن لا تتكرّر نفس الإشكاليات المرافقة لهذا الشهر فتتحوّل إلى حاجة تاريخيّة. أرجو يتوفّر ”الأدنى“ للجميع بما يمكّنهم من إعمال العقل واختيار منهج ترشيد الاستهلاك كحاجة ثقافيّة، لا كشعار “سياسي” تتبنّاه الحكومة. واختصارا للرّجاء، أرجو أن لا تسيّر أمورنا ”حكومة وحدة وطنيّة“.