في 12 نوفمبر 2017 قامت السلطات التونسية بالتمديد في حالة الطوارئ إلى غاية 12 فيفري 2018. ومنذ ثورة 2011، تحولت حالة الطوارئ من نظام استثنائي إلى حالة شبه دائمة، حيث عاشت تونس ما يقارب الخمس سنوات تحت وقع هذا الإجراء، ومنذ سنتين أصبح ساري المفعول على نحو مستمر تقريبا. في فرنسا وإثر عامين من التطبيق المتواصل، ومن تمديد إلى آخر، خرجت البلاد من حالة الطوارئ الاستثنائية عبر إدامتها بقانون جعلها تندرج ضمن القانون العام، ذلك الذي أطلِق عليه في 03 أكتوبر 2017 “تعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب”.

Crédit photo : Adriana Vidano

شهد البلدان خلال سنتي 2015 و2016 أعوامهما الكارثية، في مارس 2016 قام مسلحون بقتل 22 شخصا أمام متحف باردو بتونس العاصمة. في جوان من نفس السنة لقي 39 شخصا حتفهم على شاطئ سوسة، وفي جويلية صرّح الرئيس الباجي قايد السبسي-قبل إعلان حالة الطوارئ ثم تعليقها “إذا وقع تنفيذ هجمات إرهابية مماثلة لتلك التي عرفتها سوسة وباردو فإن الدولة ستنتهي”. في نوفمبر من نفس السنة أودى تفجير انتحاري بحياة 12 عنصرا من الحرس الرئاسي. في مارس 2016، نفذت عناصر مسلحة تنسب نفسها إلى تنظيم الدولة الإسلامية هجوما على قاعدة عسكرية ومركز أمن بمنطقة بن قردان، مخلفة بذلك 20 قتيلا.

ينضاف إلى هذه الهجمات توتر أمني مستنزِف يتغذى من سهولة التسلل عبر الحدود: في الغرب تشن الجزائر حربا ضد تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وفي الجنوب يمتلئ الفراغ الصحراوي بالاتجار غير المشروع وبمختلف الجماعات الجهادية. ولكن خصوصا في الشرق، تتشارك تونس حُدودا مساحتها 500 كلم مع ليبيا التي ترزخ تحت قبضة الحروب الأهلية. وفي نهاية المطاف تم تجنيد العديد من التونسيين من قبل المنظمات الإرهابية، مما أهّل تونس لأن تكون الدولة التي لديها أكبر عدد من المجندين لدى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

أطر قانونية تعسفية

في فرنسا، من الهجوم الإرهابي على “شارلي إيبدو” وعلى “إيبار كاشير” في جانفي 2015 مرورا بذلك الذي شهدته مدينة نيس في جويلية 2015، لقي 238 شخصا حتفهم خلال تلك الهجمات. وفي الأثناء أجابت الدولة بإعادة تفعيل قانون 3 أفريل 1955، وهو نظام استثنائي قد سبق تركيزه في الجزائر ضد التمرد المناهض للاستعمار، وقد تم اعتماده أيضا خلال حقبة الثمانينات في كاليدونيا الجديدة، ثم في نوفمبر 2005 خلال الانتفاضات الشعبية التي عرفتها الضواحي الفرنسية.

أعلِنت حالة الطوارئ في تونس استنادا إلى الأمر المؤرخ في 26 جانفي 1978، الذي أصدره الرئيس الحبيب بورقيبة خلال ما يعرف بأحداث “الخميس الأسود” في جانفي 1978، تاريخ الإضراب العام الذي رافقه قمعٌ واسع النطاق. وحسب هذا النص ” يمكن إعلان حالة الطوارئ بكامل تراب الجمهورية أو ببعضه إما في حالة خطر داهم ناتج عن نيل خطير من النظام العام، وإما أثناء حصول أحداث تكتسي بخطورتها صبغة كارثة عامة”، وهو ما يمنح الولاة ووزير الداخلية وقوات النظام سلطات استثنائية، من شأنها أن تعطّل حرية الصحافة والاجتماع والرأي والتعبير والتنقل والحق في الإضراب.

وصم اعتباطي

بعد العمل طيلة سنتين بقانون 1955 معززا بقانون 20 نوفمبر 2015، وبعد النظر في إقرار حالة الطوارئ ضمن الدستور، اعتمدت فرنسا على قانون 03 أكتوبر 2017. لقد أدرجت في القانون العام أربعة مقاييس رئيسية لحالة الطوارئ؛ إنشاء محيط أمني، إغلاق دور العبادة، الإقامة الجبرية، بحث إداري بقرار من وزير الداخلية، وهذا الإجراء يتم اتخاذه ضد أي شخص تعلق به “ثبوت أسباب جدية تحيل على أن سلوكه يشكل تهديدا للأمن والنظام العام”، وبصفة خاصة يُجبر على تسجيل حضوره لدى مصالح الشرطة، ثلاث مرات في اليوم بشكل عام، وأن يمكث في محل إقامته من الثامنة ليلا إلى السادسة صباحا تحت ضغط المراقبة المستمرة وتحت طائلة الإدانة.

تمنح حالة الطوارئ صلاحيات استثنائية للسلطات الإدارية، دون أن تكون للقاضي العدلي مشاركة قبلية فيها، ورغم أنه يُخوّل لهذا الأخير السماح بأي إجراء يحد من الحريات العامة وبالتالي مراقبته، ولكن يتم تجاوزه من طرف القاضي الإداري، ولا يكون الاستئناف ممكنا إلا بعد تطبيق الإجراء. إجمالا وحسب وزارة الداخلية فإنه في الفترة الممتدة بين 14 نوفمبر 2015 وغرة نوفمبر 2017، أدت حالة الطوارئ إلى تركيز 75 منطقة حماية وتأمين وإغلاق 19 دار عبادة و4469 بحثا إداريا و754 تحت وضع الإقامة الجبرية. وفي الأثناء، ُفتح فقط 23 تحقيقا قضائيا بمقتضى قانون الإرهاب. هذه القيود كافية لأن يتم تطبيقها على عدد غير مُحدّد ومحتمل من الحالات، وذلك وفقا لمعايير ذاتية قابلة للتأويل الحر من طرف السلطات بخصوص ما يشكل “فوضى” أو خطرا على “الأمن والنظام العام”. ويعد هذا تعديلا بالمقارنة مع نص 1955: “ليس من الممكن اتخاذ هذه الإجراءات سوى ضد الأشخاص الذين ليدهم نشاط الذي اتضح أنه خطير”.

يكشف تقرير لنقابة القضاء الفرنسي الصادر في 26 جانفي 2016 عن الجانب اللاّمُجدي لحالة الطوارئ، حيث ورد فيه “إن الوصم التعسفي للمئات من الأشخاص الملاحقين أو تحت الإقامة الجبرية –أين يصبح وجودهم الشخصي والعائلي والمهني مضطربا- فقط بسبب انتمائهم الحقيقي أو المفترض لتيار إسلامي أو إلى منشئه، لا يمكن له سوى أن يغذي شعورا عميقا بانعدام العدالة والوصم. هذا الشعور لا يتجذر فقط لدى هؤلاء الأشخاص وإنما في محيطهم…وفي صفوف كل أولئك الذين يعتقدون أنهم أعضاء في الجماعة الموصومة. كيف لا نلمح أن مثل هذا القمع التعسفي وغير المسيطر عليه يشكل عاملا قويا لتطرف الشباب المغترب الذي يعد هدفا جوهريا للمنظمات الإرهابية؟ بعيدا عن الإسهام في الحد من الجريمة الإرهابية، فإن حالة الطوارئ تنزع إلى عكس ذلك لتقلص بشكل كبير من الفعالية”.

ضمن دراسة حول حالة الطوارئ، حلّل مركز الأبحاث والدراسات حول الحقوق الأساسية كل قرارات العدالة منذ بداية تطبيق حالة الطوارئ، ليستنتج “إن الشخصية النموذجية للذين استهدفتهم الإجراءات الاستثنائية ليست مستغربة؛ وهي تجسد رجلا مسلما تشتبه الإدارة في انتمائه لتيار الإسلام المتطرف”. وبالنسبة لمركز الأبحاث والدراسات حول الحقوق الأساسية “من الملفت للإنتباه الإشارة إلى المرجعية السلفية أو إلى التطرف من أجل تحفيز الإجراء، دون مزيد من التوضيح من قبل الإدارة حول التيار السلفي أو الممارسة المعنية”.

الدولة، الضامن والمهدد للحقوق والحريات

هكذا وأكثر من أي وضع آخر، فإنه تحت حالة الطوارئ تضمن الدولة الحقوق والحريات وتهددها في نفس الوقت. وحسب تقرير نُشِر في فيفري 2017 حول انتهاكات حقوق الإنسان في حالة الطوارئ استجوبت منظمة العفو الدولية 73 ضحية بين 2015 و2016، 23 من بينهم صرحوا أنهم تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة. يذكر التقرير أيضا إيقاف “الآلاف من الأشخاص” وتتالي التتبعات “في غياب إذن قضائي”، وعلى الأقل وُضع 138 شخص تحت الإقامة الجبرية”. والأكثر من ذلك استُخدم هذا الإجراء لغايات مخالفة لمكافحة الإرهاب، من أجل التضييق على الحركات الاجتماعية أو إيقاف مناضلين في المجتمع المدني على سبيل المثال. إن الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يساند الحكومة، انتقدها بشدة وطالب بالرجوع عن قانون المالية الذي أجج الغضب الاجتماعي. تعددت الاحتجاجات أول جانفي 2018 ضد غلاء الأسعار وضد قانون المالية، وحسب هيومن رايتس واتش فإنه سُجّل أكثر من 900 حالة إيقاف من بينهم 773 بين 08 و11 جانفي. تواجه تونس إلزامات متناقضة، تتراوح بين ضمان أمن الدولة والإجابة على متطلبات المانحين الدوليين من بينهم صندوق الدولي والمحافظة –على سبيل المثال- على المكاسب الديمقراطية لمرحلة مابعد الدكتاتورية، في حين أن حالة الطوارئ تحمل معها التوترات التي تدفع نحو هذا الإلزام. وبالنسبة لمجموعة الأزمات الدولية فإن “التدهور الكبير في الحاجيات الاقتصادية يزيد من احتمال حدوث انتفاضات لا يمكن السيطرة عليها”. في السابق وُظّفت حالة الطوارئ لقمع الإضراب العام الذي أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل في 1978، وفي انتفاضة الخبز سنة 1984 وفي ثورة 2011، وحسب تعليق لمنظمة العفو الدولية هي “تذكير سيء بنظام بن علي”.

أعطى الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي تنقل إلى البلد في 31 جانفي 2018، صكا على بياض للسلطات التونسية، منوّها أن “الاعتقالات تم القيام بها في حالة قانونية”، ثم أضاف “هذه الجمعية نفسها أدانت في بعض الأحيان ما يحدث في فرنسا. ليس لدي شعور بأننا البلد العدو لحقوق الإنسان”. لكن في فرنسا انتقدت المنظمات غير الحكومية بشدة حالة الطوارئ التي تم استخدامها خلال قمة المناخ 21 وخلال المظاهرات المناهضة لقانون العمل وقانون 03 أكتوبر 2017، هذا وقد تم انتهاك عدة ضمانات واردة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان من ضمنها؛ الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية والحق في الحرية والحق في الأمن والحق في حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات وحرية التنقل…كما سمحت حالة الطوارئ بعدم تناول المسائل الاجتماعية والمجتمعية والمواضيع متعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية خصوصا تلك التي أثارتها الهجمات الإرهابية.

من البيّن أن هذا الإجراء الاستثنائي لم ينجح فقط في إنجاز مهمته الأمنية بل كان أيضا فرصة للحكومتين الفرنسية والتونسية لتقويض حقوق المواطنين. منذ سنة 2011 تحول المفهوم الفضفاض للإرهاب إلى براديغم يسمح بتحليل العالم وكل الأزمات، فالعدو صعب المنال والإرهاب مفهوما وليس كيانا بشريا، وهكذا يمكن خلق إمكانية حرب خارجية وأخرى داخلية أيضا. إن حالة الطوارئ، سواءا استخدمت في فرنسا أو تونس، فهي تحمل بصمة هذا البراديغم “الحرب على الإرهاب”.


من السجن إلى داعش: أي بدائل في تونس وفرنسا لمجابهة هذه الظاهرة؟

في فرنسا كما في تونس، مثّلت السجون أحد الفضاءات التّي يتمّ فيها استقطاب أو تكوين الإرهابيين المستقبليين. بعد أن أيقنت السلطات محدوديّة سياساتها وأمام إكتظاظ السجون، تحاول الحكومات في البلدين تكييف منظومتها التشريعية وأساليبها في التعامل مع هذه الظاهرة.



بين فرنسا وتونس: سردية الجهاد تتغذى من التهميش الاجتماعي

من تونس إلى فرنسا، تَرك المئات من الشبان -على امتداد السنوات الفارطة- بلديهما للالتحاق بجبهة القتال السورية. هذه الهجرة التطوعية التي تحضنها فكرة "الجهاد تحت راية الخلافة الإسلامية" جعلت فرنسا وتونس تتصدران المراتب الأولى في تزويد التنظيمات الجهادية المسلحة بالعناصر البشرية. وقد ساهمت أيضا في قلب المسارات المعيشية للمئات من الشبان، الذين اندفعوا بحماسة إلى مغادرة حدودهم الجغرافية والركض وراء سراب الأمة المُتخيلة. بين فرنسا وتونس يُطرح السؤال دائما حول العوامل التي ألقت بكل هؤلاء إلى مثل هذا الخيار، هل أن سردية الجهاد كافية لوحدها أن تمارس جاذبيتها الخاصة عليهم أم أن الواقع بمستوياته المتشابكة ساهم في صناعة هذه التجربة؟



تونس-فرنسا: تعبئة مواطنية ضد القمع بإسم مكافحة الإرهاب

منذ سلسلة الهجمات التي ضربت فرنسا سنة 2015 وحالة الطوارئ التي تلتها، يرى الكثير من الفرنسيين أن حقوقهم قد انتُهِكت. وهكذا فإن بعض الجمعيات الفرنسية والتونسية، وكذلك الأفراد، يتجندون يوميا من أجل الدفاع عنها وإدانة التجاوزات المرتكبة.



الإرهاب: من أين يُستمد هذا الإسم؟

ماهو الإرهاب؟ التشريعات الفرنسية والتونسية والدولية ليست واضحة، والأمم المتحدة لديها صعوبات جمة في تحديد مفهوم يتغير معناه وفقا لمستخدميه. من هذا المنطلق كيف نحارب شيئا ليس واضح التعريف؟



تونس-فرنسا: الإرهاب، تحدّ مشترك لضفّتي المتوسط

منذ سنة 2015، وخلال النقاشات الدورية التي جمعتنا بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لفت انتباهنا تقارب الأوضاع بين فرنسا وتونس بخصوص مسألة الإرهاب، من ضمنها؛ إقرار حالة الطوارئ كإجراء طبيعي، والجدل حول سحب الجنسية وحول الشباب المهمش أو الذي أضاع بوصلته، والرابط بين السياسات السجنية والتطرف... من خلال مسألة الإرهاب، وخلف الروابط التاريخية التي تجمع الدولتان، لاح لنا أن المجتمعين الفرنسي والتونسي، كمجتمعين شقيقين، يمران بصعوبات مشتركة. وقد تبعتها نقاشات بين CCFD-Terre solidaire و"أورينت XXI"، وهكذا وُلدت فكرة القيام بتحليل مقارن بين فرنسا وتونس بخصوص مسألة الإرهاب.