لا يمثل خرق النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب سابقة، بل من العادات السيئة الموروثة عن المجلس السابق: عدم الإعلان عن عقد اجتماعات بعض اللجان، الجمع بين طريقتين في التصويت، عدم نشر محاضر الجلسات في الآجال، عقد اجتماعات لجان بالتوازي مع الجلسة العامة، نشر متأخر لنتائج التصويت، عقد اجتماعات سرية دون احترام الإجراءات، اجتماعات “لجنة التوافقات”…الخ، كلها إخلالات رصدتها ونشرتها منظمة البوصلة خلال العهدة النيابية السابقة. وعلى تعددها، فإن المقارنة لا تستقيم مع الخروقات التي أتاها مكتب المجلس مؤخرا لعدة أسباب.

خروقات نوعية بوتيرة متسارعة

مردّ أولها مصدر الخرق في حد ذاته وهو مكتب مجلس نواب الشعب. فبالرجوع الى النظام الداخلي التي تمّ خرقه، نجد أن الفصل 56 منه عدّد صلاحيات المكتب العشر، منها ما هو تنظيمي كالإشراف على شؤون المجلس الإدارية والمالية وبحث الوسائل المتعلقة بتأمين نشاط الكتل، ومنها ما هو متعلق بالمضمون كوضع برنامج العمل التشريعي والنيابي عموما وإقرار جدول أعمال الجلسات العامة ووضع رزنامة عمل المجلس. فالمطّة الأولى من الفصل التي تنص على مهمة المكتب في الإشراف على حسن سير مختلف أعمال المجلس ودواليبه واتخاذ الإجراءات المناسبة في الغرض تعكس الاختصاص العام لهذا الهيكل المحوري الذي يمثل الركيزة الأساسية لمجلس نواب الشعب محتكما في ذلك الى جميع حواسه: يراقب ما يجري تحت قبة البرمان، يشتمّ ما يدور في أروقته -وما أكثرها-، يستمع الى مقترحات وطلبات الكتل واللجان والسلطة التنفيذية، يأخذ بيده النظام الداخلي لينطق، على أساسه، بالحقيقة القانونية، أو هكذا يُفترض.

يتمثل السبب الثاني في طبيعة الخروقات. فإذا كانت التجاوزات المرصودة خلال العهدة البرلمانية الأولى ذات طبيعة في أغلبها اجرائية، فان ما وقع رصده من “انتهاكات” من قبل مكتب المجلس يمثل اخلالات كبيرة تمس من جوهر ومضامين النظام الداخلي :

  • في علاقة بلجنة التحقيق البرلمانية حول تضارب المصالح وشبهة الفساد المتعلّقة برئيس الحكومة:
    تنصيب اللجنة قبل الاعلان عن تكوينها من قبل الجلسة العامة ونشر تركيبتها في الموقع الرسمي للمجلس واعتماد بداية الدورة البرلمانية وليس الفترة الحالية كتاريخ مرجعي لتوزيع المقاعد ما يعني عمليا عدم تمثيلية الكتلة الوطنية. لكن، بعد معاينة شغور مقعدي كتلة الحزب الحر الدستوري تم التراجع عن ذلك وإسنادها أحد المقعدين.
  • رفض مكتب المجلس في قراره عدد 45 اللائحة المقدمة من قبل رئيسة كتلة الحزب الدستوري الحر حول تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة ومطالبة الحكومة بإعلان هذا التصنيف رسميا واعتبار كل شخص طبيعي أو معنوي تونسي له ارتباطات معها مرتكبا لجريمة إرهابية على معنى قانون مكافحة الإرهاب. وقد قرر عدم عرض اللائحة على الجلسة العامة على اعتبار أنّها لا تدخل في مجال التشريع بل لا بد من تقديم مبادرة تشريعية عوض استعمال آلية اللوائح. في هذه الحالة، أسند مكتب المجلس لنفسه صلاحية قبول اللوائح من عدمه في خرق واضح للفصل 141 من النظام الداخلي.
  • حرمان النائبة مريم اللغماني (الكتلة الوطنية) من عضويتها في لجنة الحقوق والحريات، التي ناقشت وصوتت على القانون المنقح للهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري HAICA ،وتعويضها بنائبة عن كتلة قلب تونس بتعلة اعتماد، مرة أخرى، بداية الدورة البرلمانية كتاريخ مرجعي لتوزيع المقاعد، في حين أن الكتلة ممثلة في لجان أخرى ( !). حتى وإن تم على سبيل الافتراض قبول هذا التأويل، فان النائبة المذكورة انضمت الى لجنة الحقوق والحريات على إثر تكوين الكتلة الوطنية ولم تكن تنتمي الى اللجنة باسم كتلة قلب تونس.

ما يلفت الانتباه، إضافة الى مصدر الخروقات وطبيعتها، هو تسارع نسقها في المدة الأخيرة، فالإخلالات التي تم ذكرها، على خطورتها، امتدت على مدى أسبوع فقط. حيث تداول مكتب المجلس في تركيبة لجنة التحقيق يوم 30 جوان، ورفض اللائحة المقدمة من كتلة الحزب الدستوري الحر بعد 3 أيام، أي يوم 03 جويلية. كما راسل مكتب المجلس مكتب لجنة الحقوق والحريات وسط الأسبوع المنقضي لإعلامه بفقدان النائبة مريم اللغماني عضويتها في نفس الوقت الذي صادقت فيه اللجنة على مقترح القانون المعدل لقانون الهايكا يومي 08 جويلية (!)

خروقات قانونية لأسباب سياسية

لماذا يخرق مكتب المجلس النظام الداخلي بهذه الكيفية ؟
تجاوزا للبعد القانوني الظاهر، يبدو أن مكتب المجلس يسعى عن طريق قراراته المذكورة الى تحقيق أهداف لا تدخل، جليا، في أي مجال من مجالات صلاحياته، على امتدادها، وهو ما يمكن معاينته في مختلف الحالات التي تم التطرق اليها.

في ما يخص لجنة التحقيق، فإن السرعة التي شهدت تكوينها والانطلاق في أعمالها، على الرغم من عدم الإعلان عن ذلك ونشر تركيبيها، واختيار بداية الدورة البرلمانية كمعيار لتوزيع المقاعد، كلها إجراءات تعكس رغبة مكتب المجلس، ومن ورائه كتل المعارضة البرلمانية ممثلة في حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، التعجيل بالتحقيق في شبهة تضارب المصالح المتهم بها رئيس الحكومة.
لا شك أن التسريع في أعمال اللجان عموما ولجان التحقيق خصوصا يعتبر أمرا محمودا، غير أن هذا السعي يجب أن يتم في إطار احترام العقد القانوني الذي يربط مختلف مكونات مجلس نواب الشعب. ولا يمكن أن يمثل إقصاء الكتلة الوطنية من تركيبة اللجنة وتمتع المعارضة البرلمانية – تبعا لذلك – بالأغلبية المطلقة (12/21) القادرة على السيطرة على مسار أعمال اللجنة وخلاصاتها إلا غايات سياسية طغت على تطبيق أحكام النظام الداخلي تطبيقا سليما.

كما يُبرز بصفة أوضح رغبة هذه الكتل المؤكدة في إعلاء الأهداف السياسية في مثال لجنة الحقوق والحريات. فبسحب عضوية النائبة مريم اللغماني (الكتلة الوطنية) من اللجنة بدون وجه حق، أصبحت كتل المعارضة تمتلك، مرة أخرى، الأغلبية المطلوبة (12/22 عضوا) يمكن الاعتماد عليها لتمرير مقترح القانون المقدم من قبل كتلة ائتلاف الكرامة المتعلق بتنقيح مرسوم الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وهو ما تم فعليا بسرعة لافتة هدفها قطع الطريق أمام مشروع قانون الهيئة الدستورية للاتصال السمعي البصري الذي صادقت عليه الحكومة. يمكن فهم هذا التوجه الخاطئ بالنظر الى مضمون مقترح القانون الذي ينص في أهم فصوله على حذف شرط الترخيص لإحداث القنوات الفضائية والاذاعية وجعل الأمر مندرجا في إطار السماء المفتوحة. يمثل ذلك أمرا هاما بالنسبة الى القنوات والإذاعات التي تنشط خارج القانون (قناة نسمة، قناة الزيتونة..) والتي ينتمي أو يرتبط بها نواب كتلتي قلب تونس وائتلاف الكرامة. لذلك، فإن هذا المقترح يخفي شبهة وجود تضارب مصالح لدى جهة المبادرة (ائتلاف الكرامة) وأعضاء مكتب لجنة الحقوق والحريات المتعهدة بالنظر فيه (تنتمي رئيسة اللجنة الى كتلة قلب تونس ونائب الرئيس ومقرر اللجنة الى كتلة ائتلاف الكرامة).

في نفس الإطار السياسي الموجه، يمثل رفض مكتب المجلس لللائحة المقدمة من قبل كتلة الحزب الدستوري الحر، بقطع النظر عن فحواها، عملا لا شرعيا يُراد به منع كتلة برلمانية من ممارسة إحدى حقوقها. قد نتفق أو لا مع اللجوء المكثف الى آلية اللوائح، ذلك يدخل في إطار التقييم السياسي، لكن المنطق القانوني والسياسي والأخلاقي يفرض عدم استعمال النظام الداخلي لتصفية حسابات سياسية من خلال الحد من مجال تحرك أي لاعب سياسي داخل قبة البرلمان، خاصة عندما يكون يصنف في خانة المنافسين.

في أبعاد الخروقات

تكشف هذه الخروقات على بعض ملامح الأسس التي يتعامل بها محور مجلس نواب الشعب الذي تدور في فلكه مختلف الهياكل والمكونات البرلمانية : منطق الأغلبية وتطويع القاعدة القانونية وتوظيفها L’instrumentalisation لتحقيق أهداف معينة.

يكتسي هذا المنطق خطورة بالغة لأنه يجعل من تسجيل النقاط السياسية الظرفية الهدف الوحيد والدائم بدل السهر على حسن تطبيق مختلف القواعد القانونية والعمل على فرض احترامها، لا خرقها، من الجميع. يؤدي هذا المنهج الى إعلاء صوت من لديه الأغلبية في لحظة تصويت ما، وخفوت الصوت المعارض للخرق حتى وإن كان على حق. وقد عبر أحد النواب الفرنسيين عن هذه الحالة بقوله تحت قبة البرلمان:

Taisez-vous ! Vous avez juridiquement tort parce que vous êtes politiquement minoritaires »

ولأن التحالفات والأغلبيات متغيرة حسب الوضع السياسي، فإن اعتماد هذه الفلسفة في ادارة الشأن البرلماني سيؤدي حتما الى إمكانية تغيير قواعد اللعبة عن طريق تواصل خرق النظام الداخلي للمجلس مع تغير صاحب الخرق في كل مرة، وما ينتج عن ذلك من صورة سلبية للمؤسسة البرلمانية داخليا بين مختلف اللاعبين البرلمانيين وخارجيا لدى عموم المواطنات والمواطنين، الناخبات والناخبين.

يمكن ملاحظة التداعيات السلبية التي كان مكتب المجلس مساهما فيها بصفة مباشرة أو غير مباشرة ; تدني الثقة بين النواب، التشكيك والاحتجاج على قرارات المجلس، تصاعد منسوب العنف بمختلف أشكاله، ضعف نسق العمل البرلماني…الخ. كلها سلوكيات وظواهر من المفترض أن يعمل المجلس على الحد منها لا المساهمة فيها.

ما الحل ؟

إزاء هذا التوجه الذي ينتهجه مكتب المجلس، يمكن أن يكون القضاء أحد السبل التي من شأنها التصدي لهذه الخروقات، وهو ما قامت به كتلة الحزب الدستوري الحر بتوجهها الى القضاء وما أعلنت عن نيتها القيام به النائبة عن الكتلة الوطنية. يبقى التساؤل في هذا المجال عن مدى تجاوب القضاء مع الطعون المقدمة ضد قرارات مكتب المجلس ومدى تكييفها ضمن نظرية أعمال السيادة (أو الحكومة) Actes de souveraineté (de gouvernement) . فهل ستمتد ولاية السلطة القضائية لتشمل قرارات مكتب المجلس أم أن هذه الأخيرة ستُحصن ضد المتابعة القضائية ؟
في كلتا الحالتين، لا يمكن للحل القضائي أن يكون حلا جذريا نظرا لكونه ينظر لكل حالة على حدة، إضافة الى بطء الفصل في النزاعات وطغيان الحسابات السياسية لدى الفاعلين البرلمانيين وما ينجر عنه من تفضيل للمساومات السياسية.

إذا أردنا معالجة اشكالية خرق النظام الداخلي، سواء من قبل مكتب المجلس أو من أي طرف آخر، لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بتوفر قناعة سياسية لدى الجميع بأنه لا يمكن تغيير قواعد اللعبة أثناء اللعب، وأن القواعد القانونية يُحتكم إليها لفض الإشكاليات لا لتوظيفها على المقاس. تلك هي إحدى الإشكاليات الكلاسيكية للقانون البرلماني: من يضع القاعدة القانونية هو نفسه من يُطبقها. لا شك أن مثل هذا القول يبدو أفلاطونيا ينتمي الى المدينة الفاضلة، غير أن أبجديات الديمقراطية تقتضي أن تكون للممارسة البرلمانية – والسياسية عموما – أطر قانونية وأخلاقية مُعترف بقوتها الالزامية ومُتفق على تطبيقها.