راشد الغنوشي الذي تمكن من جلب النداء إلى أرضيّة النهضة، رغم كونه الحزب الفائز في الانتخابات وقتها، إضافة إلى احتواء مكوني الترويكا الآخرين قبله، ثم كانت له اليد الطولى في إشعال فتيل النزاع في النداء الذي ذهبت ريحه، كان أيضا وراء دعم يوسف الشاهد في معركته أمام حافظ قايد السبسي الذي أخرجه من النداء، وأمام الباجي قايد السبسي نفسه الذي أراد إقالته من رئاسة الحكومة.

الدور السياسي الذي لعبه راشد الغنوشي بعد الثورة ثبّت في المخيال التونسي أنّ الأمور لا تدار من قرطاج أو القصبة، بل تدار من مونبليزير ثم من مجلس نوّاب الشعب الذي يرأسه الغنوشي حاليا. رئاسة دفعت 73 نائب لتمرير عريضة سحب ثقة منه بدعوى سوء التسيير والممارسات اللاديمقراطية في مكتب المجلس التي يقوم بها الشيخ التكتاك رفقة ديوانه، مع عديد التجاوزات والاخلالات التي لا يتوانى رئيس المجلس و ديوانه على إتيانها خدمة لمصالح الغنوشي والكتل النيابية الحليفة.

عودة الاستقطاب الثنائي الزائف

عمد حزب الدستوري الحر قبل الانتخابات و خلالها إلى التموقع في جهة معارضي ”الإخوان“ في تونس من أجل التحشيد الانتخابي. معركة الاستقطاب الثنائي خسرتها عبير موسي نظرا لتوجه راشد الغنوشي وحركة النهضة إلى استقطاب نبيل القروي و حزبه المعارض بدوره ”لإخوان تونس“. خطوة أدت إلى صنع اصطفاف للناخبين وراء قلب تونس وحركة النهضة ليظفرا معا بداية على 42% من مقاعد المجلس.

خمود فتيل الصراع المفتعل بين هذين المكونين السياسيين إثر التحالف البرلماني بينهما حيث صوّت الطرفان على انتخاب الغنوشي لرئاسة المجلس وسميرة الشواشي نائبة له، أعاد عبير موسي للواجهة مجددا. وبالرغم من حديث الشيخ التكتاك عن فصل المسار البرلماني عن المسار الحكومي من أجل إرضاء مكونات الحكومة و ائتلاف الكرامة، إلا أن حركته شرعت منذ الأسابيع الأولى لتشكيل الحكومة في الدعاية لتوسيع الحزام السياسي و عدم الإقصاء، و ذلك في محاولة منها لإدماج قلب تونس في التحالف الحكومي. قلب تونس بالنسبة للنهضة حليف طيّع أكثر من ائتلاف الكرامة و حركة الشعب و التيار، كما أن التوتر بين النهضة و بقية مكونات الحكومة و تنامي عزلتها داخلها جعلها تبحث عن حليف قوي برلمانيا و ضعيف سياسيا مثل قلب تونس، الحزب الذي لا يمارس السياسة بل يهتم بمحاربة الفقر، على حد قول القياديين فيه.

هذا المناخ السياسي أعاد عبير موسي و حزبها للواجهة، عبير التي قامت بكل ما تستطيع من أجل لفت النظر لمشروعها القائم على معاداة الإخوان كسبت سياسيا من تحالف الشيخ التكتاك و قلب تونس لتفرض استقطابا ثنائيا جعل حزبها يتصدر نوايا التصويت في التشريعية قبل حركة النهضة. لكن هذا المكسب للحزب الدستوري رافقه مكسب آخر للشيخ الذي استعمل صعود نجم ”التجمعيين“ (ممن لم ينخرطوا و يدعموا حزبه) ليفرض الانضباط داخل الحركة و يعيد توحيدها أمام العدو القوي، كما استعمله لتشويه صورة المعارضين له من مكونات الائتلاف الحكومي الذي عمدت صفحات حركة النهضة لربطهم مباشرة بحزب عبير و بكونها وراء لائحة سحب الثقة من الغنوشي.

وعلى الرغم أن ال73 نائب و المكونات السياسية التي تنتمي إليه حرصوا على عزل الدستوري الحر و نوابه عن هذه العريضة، إلا أن مكتب المجلس قام بإرفاق توقيعات نواب كتلة الدستوري الحر رغم إرادة نواب الكتلة الديمقراطية. هذه الحركة مهدت لإطلاق العنان للصفحات الفايسبوكية و المنابر الإعلامية للانطلاق في تشويه الخصوم السياسيين بربطهم بالتجمع ومعاداة الثورة.

هذه الحملة الإعلامية، رافقتها شائعات أخرى عن دخول الأموال الإماراتية على الخط و شراء ذمم النواب.

بيان ائتلاف الكرامة الصادر يوم الثلاثاء 28 جويلية أعلن فيه نواب كتلتهم عن مقاطعتهم للجلسة التي سيصوت فيها على سحب الثقة حفاظا على نقاوتهم السياسية نظرا لأن التصويت سيكون سرّيا، ولوجود شبهات بيع وشراء من الخارج. وهو بيان يؤكد فيه ائتلاف الكرامة على ولائه لحركة النهضة رغم ”خيبات الأمل“ المتمثلة في تحالف الشيخ مع قلب تونس.

مسار ما بعد الجلسة العامة ليوم الخميس سيكون مهما، وأيا كانت السيناريوهات فإنها ستعكس مدى هشاشة موقع الغنوشي كرئيس للمجلس، سواء أكان بتنحيته أو بخلق تكتلات داخل المجلس قد تساهم في كسر شوكة الغنوشي و ردعه عن التصرف في المجلس كأنه ملكية خاصة.