اختلف مسار تشكيل حكومة المشيشي عن مسار حكومة الفخفاخ رغم أنهما نالا الثقة من الجهة نفسها أي رئيس الجمهورية قيس سعيد حسب ما نص عليه دستور 2014 بعد فشل حكومة الحبيب الجملي المكلف من قبل حزب النهضة الفائز الأول بالانتخابات في الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب.

هيمن الطابع السياسي على مسار تشكيل حكومة إلياس الفخفاخ الذي استثنى بداية المشاورات كتلتين بارزتين في البرلمان هما كتلتي قلب تونس و الدستوري الحر ليلتقي بنبيل القروي رئيس حزب قلب تحت ضغط النهضة التي نادت بتشريك الفائز الثاني بانتخابات 2019 تحت عنوان الوحدة الوطنية إلا أنها لم تجد عند الفخفاخ الذي استند على شرعية ناخبي قيس سعيد ودعم حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب ما تريد. فيما رفضت عبير موسي رئيس الحزب الدستوري الحر  المشاركة في مشاورات الحكومة متعللة بأنها ستظم وزراء عن حركة النهضة التي تعتبرها فرعا لتنظيم الإخوان في تونس ولم تفوت أي فرصة لعرقلة طموحاتهم والتصدي لما تعتبره مشروعا للسطو على الحكم في تونس وتغيير “النمط المجتمعي البورقيبي” الذي تدعي حمل ارثه.

أما مسار تشكيل حكومة هشام المشيشي الذي شغل منصب وزير داخلية في حكومة الفخفاخ وأجمع كل الفاعلين السياسيين على استقلاليته عن كافة الأحزاب خصوصا وأنه ابن الإدارة التونسية وخريج المدرسة الوطنية للإدارة، فقد تميز بالطابع التجميعي والتوفيقي لتشمل لقاءاته كل الأطراف الممثلة في البرلمان من أحزاب بما فيها عبير موسي وحزبها الدستوري الحر خصوصا بعد إعلان المشيشي نيته تشكيل حكومة كفاءات مستقلة أي استثناء النهضة من تركيبتها كما اشترطت هي  ونواب مستقلين ومن غير المنتمين.

كما شملت لقاءات المشيشي رؤساء حكومات تونس السابقين وهم حمادي الجبالي وعلي العريض والحبيب الصيد ويوسف الشاهد  للإطلاع عن تجربتهم والاستفادة منها خلال قيادتهم للبلاد في رسالة سياسية مفادها استمرارية الدولة رغم تغير الأشخاص ومعرفة العراقيل التي حالت دون نجاح عهداتهم في القصبة.

ووجه المشيشي رسائل طمأنة واضحة في نقطته الإعلامية المقتضبة الأولى منذ تكليفه إلى الشريكين الأساسيين الاجتماعي والاقتصادي في البلاد من خلال تأكيده على أن برنامج حكومته سيقوم على المحافظة على مكاسب القطاع العام والمؤسسات العمومية وتطوير نظم الحوكمة بها وهو ما ينادي به اتحاد الشغل وتعزيز مناخ الإستثمار واسترجاع الثقة بين الدولة والمستمثرين وهي أبرز مطالب منظمة الأعراف.

إعلان هشام المشيشي توجهه نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة لم يعجب الطرفين الأولين الفائزين بالانتخابات واعتبرا الأمر سحبا للبساط من تحت أقدامهم لفائدة رئيس الجمهورية قيس سعيد واصفين حكومته المرتقبة بحكومة الرئيس 2 وتساءل رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي في تصريحات إعلامية عن “المغزى من تنظيم الانتخابات أصلا إذا كان الأمر سيقتصر على حكومة غير متحزبة ولا تحظى بموافقة الأحزاب السياسية”.

كما اعتبر ممثلا الكتلة الديمقراطية في لقاءات المشيشي، أمين عام حركة الشعب زهير المغزاوي والقيادي بالتيار الديمقراطي هشام العجبوني، أن فكرة حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب “ليست قابلة للتطبيق على أرض الواقع”، محذرين من التوجه نحو إلغاء دور الأحزاب وتعميم فكرة ترذيل الحياة السياسية.

لكن تبقى هذه الدعوات والتحذيرات من الفاعلين السياسيين بمثابة “رقصة الديك المذبوح” أمام مضي المشيشي في توجهه بإقصاء الأحزاب من تركيبة حكومته أمام ما اعتبره “الاختلاف الكبير بين السياسيين، الذي يحول دون تشكيل حكومة من جميع التيارات، ما يحتم تشكيل حكومة كفاءات مستقلة تماما”. فعدم منح حكومته المرتقبة الثقة يساوي الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهو السيناريو الذي تتهرب منه أغلب الأحزاب خشية فقدان مكاسبها الحالية في البرلمان خصوصا في ظل نتائج عمليات سبر الأراء بخصوص الصعود الصاروخي وتصدرها لنوايا التصويت للقوى المحسوبة على النظام القديم وهو ما استهجنته حركة النهضة في بيان مكتبها التنفيذي الذي أعلن كذلك دعوته مجلس شورى الحركة  للانعقاد “لموافاته بتقرير حول فحوى الاتصالات التي تمّت مع  رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي، واتخاذ القرار المناسب إزاء مشروع حكومته”.

كما أن الوضع الاقتصادي الكارثي في البلاد والمتسم بوجود نسبة نمو سلبية -6.5 بالمائة ومديونية تصل إلى 86 بالمائة من الناتج القومي الخام وإمكانية تجاوز نسبة البطالة 19 بالمائة إلى موفى 2020، يتطلب استقرارا وهدنة سياسية على الأقل خلال هذه الفترة في بلادنا التي تواجه موجة ثانية من فيروس كورونا وما ستعرفه بلادنا من تبعات اقتصادية واجتماعية جراءها خصوصا بعد إقالة وزير الصحة عبد اللطيف المكي الذي أثبتت إدارته للموجة الأولى من تفشي الفيروس رفقة عدد من إطارات الوزارة كفاءة عالية.