من بين القضايا التي عرفت انحرافات في مسارها العدلي والإداري تطفو قضيّة الأملاك المصادرة لرجل الأعمال وصهر الرئيس المخلوع مروان مبروك. العديد من الملابسات المريبة على مختلف مسارات التقاضي خدمت الأحكام سواء تلك التي جاءت في صالح مبروك بإيقاف تنفيذ قرارات المصادرة ورفع الائتمان على شركاته أو الأحكام التي أقرّت بتنفيذ قرارات المصادرة لكن لم تجد طريقا للتنفيذ بسبب التلاعب الذي حصل في ملفه على مستوى تلخيص الإحكام ومراسلات لجنة المصادرة وقرارات السلطة التنفيذية المتعلقة بالمكلف بنزاعات الدولة.

شبكة واسعة من سياسيين وقضاة ورئيس لجنة ومحامين وكتابة محكمة جميعهم لعبوا أدوارا متكاملة لتصب قرارات القضاء العدلي والقضاء الإداري سواء بالسلب أو بالإيجاب في صالح مبروك ولا تعطل استفادته من أملاكه وأمواله التي كسبها بحكم مصاهرته لعائلة الرئيس السابق بن علي.

مروان مبروك هورجل أعمال تونسي وصهر الرئيس السابق زين العابدين بن علي. ورث عن والده علي مبروك شركات صناعية في قطاع المنتوجات الغذائية (البسكويت والشكلاطة) إضافة إلى شركة عقارية صغيرة صحبة أخويه إسماعيل ومحمد علي. زواجه من سيرين بن علي عام 1996غيّر حجم نشاط المجموعة العائلية، فاشترت مجموعة المبروك أسهم مونوبري تونس سنة 2000 ثم شركة المحرك) الشركة التونسية لتوزيع السيارات والمورد الحصري لسيارات المرسيدس وموزع سيارات فيات وميتسوبيشي)، كما فاز بمناقصة اسناد رخصة الهاتف الجوال الثالثة مع أورانج تونس سنة 2010 وأحدث مركب جيان قرب العاصمة بالشراكة مع مجموعة كازينو الفرنسية سنة 2005. كما شملت نشاطات مجموعة مبروك القطاع البنكي من خلال بنك تونس العربي الدولي وذلك منذ سنة 1976.

الأملاك المصادرة: أطوار مسار التقاضي

عرفت قضيّة مصادرة جزء من أملاك وشركات مجموعة مبروك عدة أطوار في مسار التقاضي منذ أن قررت لجنة المصادرة التي أحدثت بمقتضى مرسوم عدد 13 سنة 2011 مصادرة أملاكه التي حاز عليها جرّاء قرابته من عائلة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عبر المصاهرة. وهذه الأملاك تتمثل خصوصا في شركة انفيستاكInvestec المالكة لشركة أورانج تونس (51 % من أسهم الشركة) والمغرب للمساهمات (MPH) وشركة غات للتأمين GAT إضافة إلى أملاك عقارية منقولة وما ثبت فيه استفادة غير مشروعة من قرب مبروك لقصر قرطاج.

وبالرغم من صدور قرارات مصادرة عن اللجنة الوطنية للتصرف في الأملاك المصادرة في 24 ماي 2012 والتي تمتلك بحكم صلاحيتها حق التصرف بتلك الأملاك بعد القرار الأولي للجنة المصادرة في 2011 إلا أن مبروك استغل قرار رفع التصرف القضائي في مارس 2012 بموجب الأحكام الاستعجالية الصادرة في ذلك التاريخ التي قضت باسترجاع التسيير في هذه الشركات حسب مبدأ الائتمان القضائي.

  • 2015 الحكم بإيقاف تنفيذ قرارات المصادرة إلى حين الحكم في القضية الأصلية في القضاء الإداري.
  • 2016 حكم القضاء العدلي برفع الائتمان والحراسة عن أموال مروان مبروك إلا أن رفع الائتمان لا يعني عودة الأملاك المصادرة لمروان مبروك والتمتع بحرية التصرف فيها (سنأتي لاحقا بالتفاصيل حول هذه المسالة والإفراط القضائي في التعامل معها لتكون نتائجها في صالح مبروك).
  • 2018 الحكومة التونسية برئاسة يوسف الشاهد تتقدم بطلب لدى الاتحاد الأوروبي لرفع التجميد عن أموال مبروك في أوروبا.
  • جويلية 2018 حكم قضائي ابتدائي بات عن إحدى الدوائر الابتدائيّة للمحكمة الإدارية برئاسة القاضية سهام بوعجيلة يقضي برفض الدعوى أصلا ويقرّ بشرعية قرارات المصادرة وينهي بالتالي مفعول قرارات إيقاف تنفيذ قرارات المصادرة ليعود التصرف فيها للدولة التونسية.

هذا القرار انجرت عنه سلسلة من الجدالات القانونية والقضائية والإعلامية وتدخل قوي للسلطة التنفيذية لم نعهده من قبل سيكشف انحرافات قضائية ومحاولات لتغيير مسار الحكم لصالح مروان مبروك.

السهم الذهبي لم يخطئ هدفه

السهم الذهبي هو أولا السهم الذي اشتراه مروان المبروك في إحدى شركاته المصادرة، وفي مرحلة ثانية شراء سهم آخر تمتلكه نفس الشركة الأولى في رأس مال شركة أخرى من شركاته المصادرة، ليقوم في النهاية بتسجيل هذه العملية في بورصة الأوراق المالية ويعود له التصرف على كلتا الشركتين.

هذا وقد تبيّن من تسريب لمسودة تقرير هيئة الرقابة العامة للمصالح العموميّة التي كلفها وزير الدولة لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد بموجب الإذنين بمأمورية عدد 01 و 30 لسنة 2020 أنّ رجل الأعمال مروان المبروك، على إثر تحصّله على الحكم الاستعجالي النهائي الصادر بتاريخ 5 مارس 2012 الذي قضى برفع التصرف القضائي عن شركاته المصادرة، قام بشراء سهم على ملك شركة المحرك في رأس مال شركة الاستثمار والتنمية الميكانيكية IDM ثم اقتنى سهما تملكه هذه الأخيرة في رأس مال شركة المغرب للاستثمار .MPH وقام بتسجيل هذه العملية ببورصة الأوراق المالية في 14 نوفمبر 2012. وتمكّن بذلك من استرجاع صفته كرئيس مدير عام لشركةIDM  واستعاد تسييره للشركة في 6 مارس 2012 بمحضر جلسة مجلس الإدارة في 22 ماي 2012. وذلك بدون إعلام الدولة المساهمة فيها ولا استدعائها في المداولات وبدون أن تقوم اللجنة الوطنية للتصرف في الممتلكات المصادرة التي يرأسها وزير المالية بمعارضة ذلك طبق ما يتوجّب عليها بمقتضى المرسوم عدد 68 المؤرخ في 14 جويلية 2011. ثم اعتمد مروان المبروك نفس التمشي لإعادة تواجده في شركة أنفستاك. إذ اقتنى سهما تملكه  MPH في رأس مال هذه الشركة وتسجيل عملية الاحالة بالبورصة في 14 نوفمبر 2012 وهي الشركة التي تملك بدورها أسهما في شركة أورونج تونس (التقرير ص 8). وكان متعينا في هذه الحالة على لجنة التصرف رفع قضايا في إبطال الأسهم التي اقتناها المبروك منذ بداية سنة 2012، علما وأنّ لجنة المصادرة تتحمل المسؤولية كاملة عن استرجاع رجل الأعمال لتواجده بأورونج لأنها لم تقم بنقل ملكية السهم المصادر من مروان المبروك في الآجال ولم يتم التسجيل إلا يوم 7 جانفي 2013 (التقرير ص 10). كما قام رجل الأعمال أيضا بإعادة هيكلة رأس مال أورونج تونس بالجلسة العامة الخارقة للعادة المنعقدة بتاريخ 25 جوان 2014. الأمر الذي مكّنه من الاستيلاء على 6 أسهم استقرت لفائدته عوضا عن الدولة (التقرير ص 12)، وبالرغم من ذلك فإن لجنة التصرف لم تقم بمصادرة هذه الأسهم الفرعية كما رفضت رفع قضايا في إبطال عملية اقتنائه لها على أساس الفصل 9 من مرسوم المصادرة الذي ينص على أنّ هذه العملية باطلة ولا يمكن مواجهة الدولة بها (التقرير ص 8). لما تفطن وزير المالية للأمر قام في 25 جانفي 2019 ، بصفته رئيس هذه اللجنة، بتوجيه مراسلة إلى المكلف العام بنزاعات الدولة طالبا منه رفع قضايا جزائية ومدنية.

⬇︎ PDF

وهكذا يكون تواصل إدارة مروان المبروك للشركات المصادرة وتسييره لها لا بناء على الأسهم التي صدرت بخصوصها قرارات المصادرة ولكن بناء على الأسهم الجديدة التي اقتناها والتي مكّنته من الرجوع إلى شركاته السابقة والتصرف فيها بشكل مخالف لمرسوم المصادرة وبفضل الحكم القضائي الاستعجالي الصادر لفائدته في 5 مارس 2012 المتعلق برفع التصرف القضائي.كما تولى مروان مبروك يوم 15 مارس 2017 إيداع ملف في إدراج قرار توقيف التنفيذ عدد 418048 الصادر عن المحكمة الادارية بتاريخ 30 مارس 2015 في محاولة منه لاستعادة تسميته رئيسا مديرا عاما للشركة (التقرير ص 8)، إلا أنه لم يتوصل إلى ذلك.

وأمام عدم التوصّل إلى إدراج القرار الصادر عن المحكمة الإداريّة، توجّه مروان المبروك إلى حلّ آخر في 17 ماي 2017 تمثّل في إدراج القرار الاستئنافي البات الصادر عن قاضي السجل التجاري بتاريخ 6 جويلية 2015 والمذيل بقرار تدارك السهو المؤرخ في 3 فيفري 2017 الذي قضى بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه قبل الائتمان والمصادرة مع الابقاء على القيد الاحتياطي (أي القيد المترتب عن قرار المصادرة) وتمكن بذلك من استرجاع التصرف في شركة انفستاك ومن ورائها أورونج وبقية الشركات بصورة كاملة.