تكمن خطورة هذا المشروع، الذي قدمته إلى رئاسة مجلس النواب، في شهر ماي الماضي، كتلة برلمانية متطرفة موالية لحركة النهضة، تسمي نفسها “ائتلاف الكرامة”، في نسف ما يحتوي عليه المرسوم 116 لسنة 2011 من ضمانات وقواعد لتطوير وسائل الإعلام السمعي البصري وتحسين جودة برامجها، في إطار الالتزام بشروط البث، التي تضعها هيئة تعديلية مستقلة، ومحصنة ضد تأثيرات مراكز النفوذ السياسي والمالي، مثلما يحدث في جل الدول الديمقراطية.

يتكون المشروع من ثلاث فصول تتعلق خاصة بتركيبة مجلس الهايكا الحالي وتجديده، وإلغاء صلاحيات إسناد الإجازات لإحداث المنشآت التلفزية، وتعويضها بمبدأ التصريح، مما يفتح باب الفوضى، والفساد، والتضليل في المشهد السمعي البصري على مصراعيه، بشكل لم يسبق له مثيل منذ استقلال تونس.

كما ينتهك “روح الدستور والتزامات الدولة التونسية في مجال حرية التعبير والإعلام”، حسب ما يؤكده باحثون وأساتذة تونسيون راسخون في العلوم القانونية، ومطلعون على تجارب حوكمة وتعديل المشهد الاعلامي السمعي البصري في مختلف الدول الديمقراطية، ولا تربطهم أية علاقة بمراكز النفوذ السياسي والمالي المهيمنة على المشهد السمعي البصري التونسي منذ 2011. علما أن بعض هؤلاء الباحثين والأساتذة يحظون بثقة كبيرة في الأوساط الحقوقية الدولية، من بينها منظمة المادة 19، التي تحذر اليوم، الى جانب العديد من المنظمات الحقوقية والمهنية التونسية والدولية، من خطورة هذا المشروع، مثلما حذرت، في الماضي، من أضرار القوانين السالبة للحرية وتضامنت مع ضحاياها.

لا يشك أي ملاحظ حصيف للشأن الإعلامي في أن قيادتي حركة النهضة وقلب تونس تقفان وراء هذا المشروع، المنذر بمزيد الفساد والفوضى في المشهد السمعي البصري، والتحريض على التباغض، والخروج على القانون، والاستهتار بقواعد المهنة الصحفية وأخلاقياتها. والمهدد أيضا لسلامة تونس، وخطواتها المتعثرة واليتيمة على طريق الديمقراطية، في محيط عربي ما انفك يزداد خرابا وتناحرا واستبدادا، وإذكاءا لأطماع قوى أجنبية واقليمية، مهددة لأمن تونس واستقرارها، وحق مواطنيها في العيش في كنف الطمأنينة، في ظل دولة مدنية أساسها الحرية والعدل والمساواة.

ليست هذه المرة الأولى التي تتعاضد فيها قيادة حركة النهضة، مع عدد من المستثمرين في المشهد السمعي البصري، ممن تحوم حولهم شبهات فساد، ويستعملون قنواتهم للتطاول على القانون والابتزاز، وإضعاف مؤسسات الدولة، وبث الأكاذيب، وفي مقدمتهم باعث قناة نسمة ومؤسس حزب قلب تونس نبيل القروي، من أجل إلغاء المرسوم 116، أو حذف أهم فصوله. وذلك لأنه يضمن حق التونسيات والتونسيين في إعلام متعدد ومتحرر من قبضة السلطة والأحزاب السياسية والتكتلات المصلحية، وملتزم بشروط البث المطابقة للمعايير الدولية، ويضع خاصة المصلحة العامة فوق أطماع هؤلاء المستثمرين وداعميهم.

ولم تلق هذه الهيئة التعديلية المستقلة، التي يتعين على الباحثين الراسخين في البحث العلمي تقييم أدائها وتجربتها الفريدة من نوعها في العالم العربي، ما تستحقه من دعم من السلطتين التنفيذية والتشريعية. كما تعرضت منذ تأسيسها لحملات تضليل وتشويه لصلاحيتها وقراراتها، أطلقتها قنوات تلفزية خارجة على القانون أو متمردة على كراسات الشروط، خاصة قناة نسمة وقناة الزيتونة.

يردد العديد من أعضاء مجلس نواب الشعب إلى اليوم، ما روجته هذه الحملات المضللة والظالمة، مدة سبع سنوات من ادعاءات باطلة، دون أي إدراك لأهمية التعديل المستقل للإعلام السمعي البصري في الدول الديمقراطية، أو لخطورة التسرع في تعويض الهايكا بهيئة صورية، وما قد ينجر عن ذلك من فوضى وترسيخ لقانون الغاب وعدوان وحشي على عقول التونسيين، عوض التحرك الجاد لتطبيق ما ينص عليه الدستور، من ضرورة إنشاء هيئة للاتصال السمعي البصري، لتحل محل الهايكا.

إن التصويت لفائدة مشروع القانون المتعلق بتنقيح المرسوم 116 لسنة 2011 لفرض قانون الغاب في المشهد السمعي البصري، وتعويض الاهيكا بهيئة صورية، خاضعة لممثلي مراكز النفوذ السياسي والمالي، من شأنه أن يدفع أية مواطنة، أو أي مواطن حريص على حق تونس في مزيد الارتقاء بالإطار القانوني للإعلام أن يتساءل: هل يستحق صفة “نائب الشعب” من يشرع لقانون الغاب في المشهد السمعي البصري؟