ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتجه طبيعته نحو الرأسمالية المنظمة، لأنه يضرب في نفس الوقت روح المبادرة وقيمة العمل ويهمش السوق العضوية والاقتصاد المحلي. وسرعان ما يفقد أي قدرة على تطوير الإنتاج، ويتحول إلى نظام ريعي.

وبالعودة إلى واقعنا الاقتصادي والاجتماعي، تتضح كتلة أصحاب المصلحة في التغيير والانعتاق وتتبين المنظومة بتركيبتها وآلياتها وأدوارها المقسمة. ونقصد بالمنظومة التقاء منوال تنموي مُقيّد بالتبعية ونظام اقتصادي مبني على ريع المواقع ونظام سياسي غير ديمقراطي لا يعبر على حقيقة التركيبة الاجتماعية وموازين القوى السياسية ويعتمد آليات الإخضاع للإرادة الشعبية. وتمثل هذه الثلاثية منظومة واحدة مهيمنة، ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية مترابطة وجب تدميرها، إذ أنها تحول دون انعتاق تونس شعبا ودولة وأفرادًا.

قَبَرَت السنوات الأخيرة وهم الانتقال الديمقراطي وانكشف سراب العدالة الانتقالية وأضحى السلم الاجتماعي مهددا بالانهيار. فأمام عدد الحركات الاجتماعية وأحجامها وأنواعها والقمع الذي تتعرض إليه، لا يسعنا اليوم القول بأن للمصالح الشعبية صوتا في البرلمانات أو أطر التفاوض والتخطيط. ولن تكون لها أي تمثيلية حقيقية طالما لم تتوحّد كل الفئات المسحوقة في مشروع بديل يجمعها ويُغير موازين القوى لصالحها.

المهام المطروحة

إن لجيلنا المخضرم بين عهدين، ما قبل الثورة وما بعدها، مهمة حساسة، تتمثل في تجديد فكر الاقتصاد السياسي اليساري. فالاشتراكية التقليدية لا تمثل أفقا واقعيا لأسباب عدّة، أهمها فشل التجارب الاشتراكية المحلية (التعاضد القسري مثلا) والتجارب العالمية (الاتحاد السوفياتي). وجب علينا إذا إيجاد مرتكزات جديدة من خارج المنظومات الفكرية اليسارية السائدة والبناء من داخل السياق.

في هذا السياق، علينا أن نعي بأن الفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في الثورة وتغيير المنوال التنموي والنظام الاقتصادي هي المعنية بالتنظم. فالتنظم وحده كفيل بخلق موازين قوى كافية بإخضاع المنظومة[1]. وكثيرون هم من يناضلون بصمت من أجل تأمين الطريق لأصحاب الحق وفتح المجال العام لهم والوقوف أمام تجريم حراكهم ومشاركتهم أدوات العمل الميداني والإعلامي والسياسي، دون البحث عن تمثيلهم. فقد استبطن هذا الجيل أن القضية ليست قضية انتخابات بل قضية ديمقراطية، وقضية ميزان قوى اجتماعي يجب بناؤه. وهنا تكمن أهمية تحليل عزيز كريشان الذي يوضح تركيبة كفتي الميزان.

يُمثل منوالنا التنموي المقيّد بالتبعية والتهميش أهم عقبة أمام تحسّن أوضاعنا، لكن تغييره أمر حساس للغاية، سواء كان ذلك على المستوى المحلي أو على الصعيد الديبلوماسي. إنها قضية فك ارتباط مع منظومة قائمة منذ قرابة القرنين ومعركة تحرر حقيقية وجب التأهب لها وتجميع الطاقات حولها. ولحسن الحظ، كل المجموعات المعنية واعية بوجوب تغيير المنوال التنموي الحالي، وجبهتهم عريضة ومجالات نضالها واسعة وتنتشر على أصعدة مختلفة. تبدأ من مساندة تشكّل البدائل العضوية ومساعدتها على التنظّم في أشكال صامدة ومستدامة والتشبيك بينها، مرورا بالحرب على التلوث وبالترويج لثقافة استهلاكية بديلة ولعمران مستدام، وصولا إلى التعبئة من أجل وقف سداد الديون وإلغاء اتفاقيات التبادل الحر، وقد تراكمت منذ انفتاح المجال السياسي تجارب عديدة ومستقلة ومتنوّعة من حيث المنهجيات، يمكن اليوم الاستناد إليها والعمل من أجل إعطائها أفقا مشتركا يجمعها.

أما الخطوة الأخرى فتتمثل في كسر الوفاق بين الدوائر المالية الخارجية والطغمة المحلية المتنفذة والوقوف أمام إعادة تشكل المنظومة. فمن خلال “خطاب الريع” الجديد المنبثق عن بعض الدوائر الليبرالية، يتبين أن بعض جوانب نظام ريع المواقع السياسية أصبحت تقلق المنظومة نفسها، وهي تبحث اليوم عن تجاوزها، فحرب المواقع تفقدها استقرارها وتفضح ممارساتها. وهي تبحث، من خلال شعارات كالشفافية ومحاربة الريع والفساد، عن إعادة تشكيل نفسها للدخول في مرحلة جديدة من الهيمنة الاقتصادية بالمزيد من أساليب تدمير قدرة الدولة على تعديل الاقتصاد وحماية السيادة.

وهي بصدد التخلي عن الحلقة الأضعف من تركيبتها، أي الطغمة المحلية التي تنشط في قطاعات تحت حماية الدولة، بمقابل دعم بقية أنواع ريع المواقع (المالية،الاستخراج، الملكية الفكرية…). لذلك وجب الانتباه إلى الفرق الشاسع بين خطاب الريع الهادف لتقوية المنظومة كما تسوقه مثلا جمعية “آلرت” Alertوخطاب النظام الريعي الذي يعبّر عنه كريشان والذي يمس قلب القضية المتمثل في دور الأوليقارشيا الريعية في تقييدنا بالتبعية وتحطيم أسس السيادة الوطنية.

قد لا نجد اليوم المصطلحات المثالية لتوصيف ما نعيشه من تداخلات في السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الراهن، وكل ما قيل في هذا المقال مطروح للنقاش. لكن فهم السياق وإدراكه يمر عبر محاولات التوصيف والتحليل وتكثيف النقاش حوله مع الفئات المعنية من باحثين ومفكرين ونشطاء وغيرهم. فجيلنا المخضرم مطالب بحوصلة عشر سنوات من الاحتجاج وذلك ببلورة رؤية مستقبلية واقعية تعبّر عن مصالح الفئات المعنية بالثورة وتقديم ملامح مشروع بديل من أجل بناء عملمشترك يقود للانعتاق والتحرر.

لن تتغير المنظومة من تلقاء نفسها لصالح الشعب الكريم، كما لا تمتلك الأحزاب الموجودة القدرة على إزاحتها عبر الانتخابات، مازال المشوار طويلا أمام المجتمع المسحوق ليفرز تمثيلية ديمقراطية قادرة على قلب الموازين وتثبيتها لصالحه. لذا، فإن المسؤولية التاريخية لهذا الجيل المخضرم تتمثل في إنتاج طرح بديل يمثل أفقا واقعيا لتنظم الفئات وتغيير المنوال وفك الارتباط وإسقاط المنظومة.

[1]حراك الكامور خير مثال على ذلك