يمثّل شهر رمضان مناسبة لعرض الإنتاج الدرامي بامتياز وفرصة كبيرة لانتعاش نسبي في موازنات القنوات والإذاعات عن طريق الإشهار، وهو أيضا شهر اعتادت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري المعروفة بالهايكا، منذ تأسيسها، أن تشدد فيه مراقبتها للمضامين التي تبثها وسائل الاتصال السمعي والبصري استنادا إلى القواعد القانونية التي حددها المرسوم 116 وكراس شروط إسناد التراخيص للإذاعات والقنوات التلفزية، مسلطة خطايا على القنوات التي تتجاوز القانون. ولأول مرة، منذ قرابة العشر سنوات، سُحبت من الهيئة سلطة تسليط العقوبات على المخالفين للقانون، وذلك بعد تجميد مجلسها، في المقابل، لم يكن من العسير على أي متابع للمضامين التي تبثها القنوات التلفزية ملاحظة كثافة المساحات الإشهارية التي تتخلل خاصة المسلسلات الرمضانية هذا العام.

ومضات تطغى على المضمون

ينص الفصل الثاني والعشرين من قرار الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري المتعلق بكراس شروط الحصول على رخص الإذاعات والقنوات التلفزية أنه ”يجب ألا تتجاوز مدة بث للإشهار في القناة ثماني دقائق في الستين دقيقة وترفع هذه المدة استثنائيا إلى اثنتي عشرة دقيقة خلال شهر رمضان“، ونص القرار ذاته أيضا على أنه يجب التمييز بوضوح بين المادة الاشهارية وبقية البرامج وأنه يجب الاعلان عن بداية للإشهار ونهايته. في المقابل، ورغم القواعد التي وُضعت منذ أكثر من عشر سنوات، لتنظيم الإعلانات التجارية، تستغل القنوات التلفزية شهر رمضان لحصد أكبر عدد من ساعات الإشهار. وحسب تقرير رصد الأسبوع الأول من شهر رمضان نشرته الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، لست قنوات تلفزية بين ساعة الإفطار إلى غاية منتصف الليل، استأثرت قناة الحوار التونسي بنسبة 29.5 بالمائة من الحيز الزمني الإجمالي لبث الإعلانات التجارية، تلتها قناة تلفزة تي في.


يشهد سوق الإشهار ذروته في تونس تزامنا مع موسم الإنتاج التلفزي الرمضاني، لتمثل مداخيله أولى الموارد المادية التي تعتمدها التلفزات الخاصة. واقع أدى إلى عمليات هيمنة واحتكار اشهاري تنعكس سلبياته على قيمة الانتاج الاعلامي والفني. للتعرف على خفايا هذه السوق وأهم لاعبيها حاورت نواة حسام سعد عضو منظمة آلرت


وحسب التقرير ذاته استأثرت قناة الحوار التونسي كامل الأسبوع الأول من شهر رمضان بمدة زمنية عالية تراوحت بين 27 و36 دقيقة يوميا لبث الومضات الإشهارية بداية من توقيت الإفطار إلى منتصف الليل، وتتجاوز القناة المذكورة يوميا المدة الزمنية المسموح بها لبث الومضات الإشهارية في القنوات التلفزية والإذاعية والمقدرة ب12 دقيقة في الساعة، حيث رصدت الهايكا خلال الثلاثة أيام الأولى من شهر رمضان ومضات إشهارية مسترسلة خلال مسلسل الفلوجة 2، الذي تبثه الحوار التونسي، تراوحت بين 11 و13 دقيقة للفاصل الإشهاري الواحد، ويقطع المسلسل المذكور الذي لا يتجاوز مضمونه دون إشهار الساعة، ومضتان بنفس الطول، مما يعني أن الحيز الزمني المخصص للإشهار في ذلك المسلسل تتجاوز 24 دقيقة، خاصة في الحلقات الثلاثة الأولى، وهو ما يعد تجاوزا للفصل 22 من القرار الخاص كراس الشروط المتعلق بإجازات بث القنوات التلفزية والإذاعية، والفصل الرابع  من القرار ذاته الذي ينص على ألا تتجاوز مدة الومضة الإشهارية خمس دقائق للومضة الواحدة.

عرض الموسم الثاني من مسلسل فلوجة تضمن ومضات اشهارية تجاوزت ما تنص عليه القوانين المنظمة – الحوار التونسي

من جهة أخرى، تبث قناة نسمة الجديدة مسلسل ”راقوج“ للمخرج عبد الحميد بوشناق الذي اعتمد فيه المخرج أساسا على نوع من الإشهار يعرف اصطلاحا ب ”وضع المنتج“ والذي يعني ظهور علامات إشهارية في المسلسل. ويخضع هذا الصنف من الإشهار إلى ضوابط حددها قرار الهايكا والتي تلزم القناة عند اعتماد ذلك الصنف من الإعلانات التجارية على ”عدم الحث بأي شكل كان على شراء أو كراء المنتج أو الخدمة أو إعطاء معلومات إضافية حولها“ وعلى ”الإشارة إلى أن البرنامج  يتضمن وضع منتوجات أو علامات أو خدمات ستظهر في إطار عقد إشهاري“، على ألا تتجاوز اللقطة التي يظهر فيها المنتج الإشهاري 5 ثواني، وهو ما لم تحترمه القناة عند بثها للمسلسل المذكور، حيث ظهر الممثلون في مشاهد مسقطة تروج صراحة لعلامات تجارية وتشكرها و تثني على حسها الإنساني العالي في أكثر من مشهد على امتداد حلقات المسلسل، الأمر ذاته حصل في سيتكوم ”سوبر تونسي“ الذي اعتمد نفس الصنف من الإشهار، وظهر فيه أحد الممثلين وهو يعدد ميزات إحدى شركات الاتصالات.

مسلسل راقوج تضمن كتابة للإشهار داخل السيناريو على امتداد حلقاته، تجلت بشكل مزعج خلال حلقته الأخيرة – قناة نسمة

تقول الممثلة نورهان بوزيان الكاتبة العامة للنقابة الأساسية لمهن الفنون الدرامية في تصريح لنواة إن نموذج وضع المنتج في الأفلام، بما في ذلك سينما المؤلف، أو المسلسلات معمول به في كل العالم، وتضيف بوزيان ”يتطلب أي إنتاج فني دعما ماليا، واستعمال الإشهار في الإنتاج الفني ليس بدعة، حيث نجد لقطات إشهارية في أرقى الأفلام، لكن الشرط هو ألا تكون اللقطة التي يظهر فيها أي منتوج موظّفة وغير مسقطة على السيناريو، بما يتطلبه ذلك من سلاسة وجمالية تجعلها غير مؤثرة في تسلسل الفيلم أو المسلسل. في تونس هناك اعتماد لذلك النمط من الإشهار حتى يتمكن المنتج من تغطية نفقات عمله، غير أنه في بعض الأحيان، تكون اللقطات الإشهارية لمنتوجات غذائية بالأساس مسقطة على سيناريو العمل، وأعتقد أن المخرج الذي يتمتع بدرجة من الذكاء والحرفية، هو من يمكنه تجاوز ذلك الإسقاط“.

شلل قانوني

يسيّر الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري منذ ثلاثة أشهر تقريبا، كاتبها العام بعد تجميد مجلسها، ولا يتمتع مسيّر الهيئة بأية صلاحية قانونية من الصلاحيات التي نص عليها المرسوم عدد 116.

يقول هشام السنوسي، العضو السابق في مجلس الهيئة في تصريح لنواة إن الهيئة كانت تتخذ في السابق قرارات حينية فيما يتعلق بالتجاوزات للقانون التي تقوم بها القنوات التلفزية والإذاعات، وبعد الشغور الحاصل في مجلسها الآن لا يحق للهايكا قانونا اتخاذ قرارات ضد من يتجاوزون القانون المنظم للقطاع السمعي والبصري، لأن العقوبات يسلطها مجلس الهيئة، وهو ما ينص عليه المرسوم 116. ويضيف السنوسي ”إذا اتخذت الهيئة بوضعها الحالي أي قرار بتسليط عقوبة على قناة أو إذاعة بسبب تجاوزها القانون، فإن ذلك القرار سيسقط حتما في المحكمة الإدارية، لأن الجهة التي اتخذت العقوبة لا يحق لها ذلك بسبب عدم وجود مجلس لها. هناك عدم مسؤولية من قبل رئيس الحكومة الذي اتخذ إجراءات لا تدخل في اختصاصه، مثل قرار تجميد أجور أعضاء مجلس الهيئة العليا للاتصال السمعي والبصري مما يعني تجميد مجلسها، ولأنه لم يحسب حسابا لما يمكن أن ينجر عن ذلك القرار“.

في ظل أزمة مالية واضحة، تعتمد القنوات التلفزية الخاصة بالأساس على نماذج إنتاج مختلفة خلال شهر رمضان، الأول هو الإنتاج الخاص وهو منوال تعتمده قناة الحوار التونسي خاصة، أما النموذج الأكثر تداولا فهو لجوء المنتجين إلى إنجاز مسلسل وعرض بثه على إحدى القنوات التلفزية بعد ضمان توفير إعلانات تجارية، ليتم تقاسم عائدات الإشهار بين المنتج والقناة التلفزية، وهو النموذج الذي اعتمده بالأساس مسلسل ”راقوج“ وسيتكوم ”سوبر تونسي“ الذين تبثهما قناة نسمة الجديدة.

يقول هشام السنوسي لنواة ”الأصل أنه في كل بلدان العالم، هناك قواعد تحدد المدة الزمنية للإشهار. فالإشهار هو بالأساس لتمويل القناة وهو من المفترض أن يكون أنظف وسيلة للتمويل، في المقابل، فإن تحديد مدة الإشهار يقوم على قاعدة أن الإشهار يساعد على تقديم مضمون سمعي بصري يحترم القواعد المهنية، وبالتالي فإن الأولوية هي لإنتاج المضامين، وهذا الإنتاج هو الذي يبرر وجود الإشهار في القنوات التلفزية والإذاعية وليس العكس. مع الأسف في تونس أصبح هناك مضامين لخدمة الإشهار. وانقلبت الصورة، هذا ما شاهدناه في بعض المسلسلات“. ويضيف السنوسي إنه يجب الاعتراف، قبل تحميل المسؤوليات، بأنه هناك مشكل في تمويل القنوات التلفزية والإذاعية في تونس، وهو ما خلف نوعا من التكالب على الإشهار من أجل سد الفجوات الموجودة في الميزانية لكن تم تجاوز هذا الهدف بوضوح وأصبح نوعا من التقليد غير المحمود لدى القنوات، حسب قوله. سبق أن طرحت الهيئة العليا منذ أكثر من ثلاث سنوات مشروعا لدعم جودة الإعلام والذي يعتمد على اقتطاع من مداخيل الإشهار يخصص لصناعة المضامين التي تتوفر فيها شروط مهنية وفق ما تقتضيه مهنة الصحفيين من أجل إيجاد حل للأزمة المالية التي تواجهها القنوات التلفزية والإذاعية الخاصة، لكن لم تستجب السلطة لهذا المقترح.

لا تلوح أية مبادرة من السلطة من أجل حل أزمة الفراغ الذي تعيشه الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري وهي الهيكل التعديلي الوحيد الذي يراقب تطبيق القنوات التلفزية والإذاعية للقانون المنظم للاتصال السمعي والبصري. ورغم النجاح الجماهيري لعدد من الأعمال الرمضانية فإن الزج بومضات اشهارية غير معلنة داخل العمل الفني، بعد تيقن المنتجين إلى غياب سلطة رقابية تعديلية، تعاظم من حلقة إلى أخرى إلى درجة الحط من فن كتابة السيناريو بتوجيهه لخدمة علامات تجارية قبل خدمة العمل الفني، ليبقى المشاهدون عرضة خلال شهر رمضان لقصف اشهاري متواصل دون حسيب أو رقيب تجاوز الدقائق الفاصلة بين عمل وآخر ليتسرب إلى الأعمال الدرامية ويؤثر على قيمتها وجدية الرسائل القيمية المجتمعية التي ترسخ في أذهان المتفرجين بعد نهاية العمل الفني.


شهر رمضان هو الشهر الي يكثر فيه الانتاج والمسلسلات. الشهر الي يرجع التونسي يستهلك فيه المنتوج المحلي. في حلقة اليوم في التركينة، باش نحكيو على المسلسلات والانتاج في التلافز وخصوصيتو في رمضان. باش نفركو الرمانة ونتغلغو في موضوع الاشهار. امازادة باش نشوفو كيفاه المسلسلات والاعمال الرمضانية تأثر عالمتفرج والمجتمع يا اما بالباهي ولا بالخايب زادا.