في المناطق السكنية القريبة من المجمع الكيميائي، كحي شط السلام بڨابس، لا يكاد يخلو منزل من الأمراض التنفسية وأمراض العظام وغيرها من الأمراض التي تصل إلى الأورام السرطانية، التي تنجم عن الانبعاثات التي ينفثها المجمع الكيميائي في هواء المنطقة أو النفايات الكيميائية السائلة التي تسمم أرض المنطقة وبحرها. تواجه النساء هنا واقعا مريرا معقّدا، فتجد غالبيتهن مسؤولات عن رعاية أحد أفراد العائلة من المرضى بالإضافة إلى معاناة المرض الخاص بكل منهن.
في مشهد غير مسبوق، شهدت ولاية ڨابس يوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2025 تحرّكًا تاريخيًا لبّى فيه الڨوابسية نداء الاتحاد الجهوي للشغل، بالتزام مواطني عالي في إضراب عام شلّ كل المرافق بنسبة نجاح بلغت 100%. أعقب الإضراب مسيرة شعبية ضخمة فاق عدد المشاركين فيها 110 ألف شخص، جابت شوارع المدينة مطالبة بوقف الجريمة الكيميائية المستمرّة ضد الإنسان والطبيعة في ڨابس.
مقاومة التلوث والأمراض الناجمة عنه
راضية، ثلاثينية متزوجة تقطن حيّ شطّ السلام بولاية ڨابس، بدأت حملها وهي تدرك منذ أشهره الأولى أنّه ليس حملًا عاديًا، حيث تقول إنّ الفحوصات كشفت مؤشرات على تشوّهات في نمو الجنين، لكنّها، ككثير من الأمهات، اختارت الإنكار والأمل بدل الاستسلام للخوف، ”كنت أعرف أنّ هناك شيئًا غير طبيعي، لكنني تمسّكت بفكرة أنّ الأمور قد تتحسّن، ربما كانت غريزة الأمومة أقوى من كل المخاوف“.
واصلت راضية حملها رغم القلق المتصاعد، متشبثة بأمل بقاء جنينها على قيد الحياة، إلى أن جاء الشهر الثامن حاسمًا. عندها أكّد الأطباء توقّف النمو وتفاقم التشوّهات، ما استوجب إنهاء الحمل بعملية قيصرية. أنجبت طفلة لم تعش سوى ستة أيام، قبل أن تفارق الحياة متأثرة بالمضاعفات الخلقية. بعد وفاة فلذة كبدها، أخبرها الطبيب أنّ هذه التشوّهات تعود، وفق التقييم الطبي، إلى التعرّض المزمن لتسرّبات التلوّث في محيط سكنها القريب من الوحدات الصناعية بشطّ السلام، موضحًا أنّ تأثير الملوّثات على الجنين يبدأ منذ الأسابيع الأولى للحمل، حتى وإن لم تكن نتائجه ظاهرة بوضوح في البداية.
تشير البحوث العلمية إلى أن التعرّض المزمن لملوثات الهواء الصناعية، مثل الجسيمات الدقيقة PM2.5 والغازات السامة (مثل ثاني أكسيد الكبريت)، يرتبط بنتائج سلبية في الحمل وتطور الجنين، بما في ذلك انخفاض الوزن عند الولادة، الولادة المبكرة، تأخر النمو داخل الرحم والمضاعفات الصحية للأم. إضافة إلى أن تلوث الهواء يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم الحملي، الإجهاض ومشكلات في نمو الجنين بسبب تأثير هذه الملوثات على وظائف المشيمة وتدفق الأكسجين والعناصر الغذائية إلى الجنين[1].
في ڨابس، تُنتج الوحدات الصناعية التابعة للمجمع الكيميائي ملوثات هوائية مستمرة تشمل غازات سامة وجسيمات دقيقة، ما يعرّض السكان، وخصوصًا النساء الحوامل، لمخاطر صحية جسيمة. توثق البيانات المحلية والدراسات العلمية هذه المخاطر، في ظل تجاهل السلطات المتواصل لمطالب الأهالي بتفكيك الوحدات الملوثة، ما يعكس فشل السلطة في حماية المواطنين، ويترك جهة بأكملها تحت تهديد الموت وتأبيد الأزمة.
أما جميلة، 35 سنة تُقيم في حي شطّ السلام بولاية ڨابس، تقيس مزاج يومها برائحة الهواء كل صباح، إذا استيقظت متعبة ومريضة، تُدرك أن ”البخّارة“ قد نفثت سموماً كثيفة تاركة طبقة من الغبار الرمادي على النوافذ، حيث تستيقظ يوميا على سعال ابنتها الصغرى الذي يشقّ سكون المنزل.
قبل سنوات، كانت جميلة تدير شؤون بيتها دون عناء. لكن إصابتها بالربو الحاد غيّرت كل شيء؛ حيث أصبح صعود درج منزلها مهمة صعبة تتوقف خلالها أكثر من مرة لتستجمع أنفاسها. مع كل نفخة دخان تتصاعد من المجمع الكيميائي القريب، يشتدّ ثقل الحركة على جسدها، يزداد إحساسها بأن الهواء الذي يُفترض أن يكون مصدر حياة، تحوّل إلى عبء وعناء يومي.

هذه هي المشاهد المتكررة في الحزام السكني المحيط بالمجمع الكيميائي، سلسلة من الأحياء التي أنهكها التلوث وحوّلها إلى بؤر تختنق بالدخان والغبار، بالتزامن مع تصاعد التحركات الاحتجاجية لوقف نزيف المرض والموت. غضب شعبي عارم يرفع مطلبا واحدا؛ تفكيك وحدات مجمع القتل الكيميائي التي خرج فيها أهالي ڨابس يوم 31 أكتوبر2025، والتي ميّزها الحضور النسائي اللافت.
تتقدّم النساء الصفوف الأمامية في كل مسيرة احتجاجية، يحملن لافتات ويرددن شعارات تطالب بتفكيك الوحدات، يتواجدن بكثافة في الاعتصامات التي تنظمها حركة Stop Pollution. هذا الحضور النسوي ليس تفصيلاً رمزيًا، بل هو فعل مقاومة يومي في مواجهة واقع بيئي قاتل يهدد حياتهن وحياة أسرهن. فالنساء اللواتي يعانين من أمراض مزمنة تتفاقم بفعل التلوث، يشاركن في قيادة الحراك، ويضفن إليه بُعدًا إنسانيًا وجندريًا، مؤكّدات أنّ الدفاع عن الصحة والبيئة ليس ترفا أو خيارًا، بل ضرورة وجودية تُمارَس كل يوم.
خلال المسيرة، بدت جميلة وسط الحشود، بطرحتها الخضراء التي تغطي نصف وجهها، تُمسك عبوتي دواء للتنفّس كمن يحمل شهادة على الألم، تروي لنا معاناتها مع الهواء المسموم الذي يحيط بحيّ شطّ السلام ويصيبها وعائلتها بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة: ”كل عائلتي تتضرّر كلّما فُتحت البخّارة (مداخن التفريغ الكيميائي) ابنتي، زوجي، حماتي—كلّنا مصابون بالربو وضيق التنفّس، نصل أحيانًا إلى حدّ الاختناق“ وتتابع ”ابني يُنقَل إلى المستشفى ثلاث مرات كل سنة ونحن النساء أكثر من ندفع الثمن… في كلّ أكتوبر نخضع لفحوصات التقصي من سرطان الثدّي لأننا نعيش في خوف دائم، نعيش بصداع مستمر يُثقل رؤوسنا. ابني وُلد مصابًا بالربو لأنني مرضتُ أثناء حملي به، ومنذ ذلك الحين امتلأ منزلنا بأجهزة التنفّس.“
في المناطق السكنية القريبة من المجمع الكيميائي، كحي شط السلام بڨابس، لا يكاد يخلو منزل من الأمراض التنفسية وأمراض العظام وغيرها من الأمراض التي تصل إلى الأورام السرطانية، التي تنجم عن الانبعاثات التي ينفثها المجمع الكيميائي. تواجه النساء هنا واقعا مريرا معقّدا، فغالبيتهن مسؤولات عن رعاية أحد أفراد العائلة من المرضى بالإضافة إلى معاناة المرض الخاص بكل منهن.
التقت نواة فاطمة أيضا والتي تروي لنا معاناتها بقولها:
أشارك في التحرك رغم أنّ زوجي يعمل في المجمع الكيميائي وهو مريض ووالدي توفي بالسرطان، وأنا أيضًا كنت أعاني من السرطان سنة 2010، والآن لازالت لدي آثار على الصدر والرحم والرأس كذلك خمسة من أفراد عائلتي أصيبوا بالسرطان، ولا نريد أي تعويضات، نريد فقط أن نعيش.
تتذكر فاطمة، وهي امرأة في بداية عقدها الخامس من حيّ شطّ السلام، كيف كانت ڨابس ”جنة، واحة وبحرا وجبالا“ قبل أن تتحوّل إلى ما تصفه بالـ”كابوس البيئي“. وتشدّد على مطلبها العاجل: ”نريد هواءً نظيفًا وحياةً كريمة، لا مزيدًا من التلوث، ولا بد من تفكيك هذه الوحدات فورًا.“
تشهد المنطقة تلوثا شاملا تتسبب فيه الوحدات الصناعية، بما في ذلك الفسفوجيبس، المخلف الصناعي الناتج عن معالجة الفسفاط لإنتاج حامض الفوسفوريك، الذي يُلقى بكميات ضخمة في البحر محمّلًا بشوائب كيميائية ومعادن سامة. هذه النفايات لا تؤثر على البيئة البحرية فحسب، بل تمتد آثارها لتشمل الهواء والماء المحيطين بالأحياء السكنية، مسببة أمراضًا تنفسية ومزمنة، ومخاطر كبيرة على الخصوبة وصحة الأجنة، لتجعل ڨابس واحدة من أكثر المناطق تضررًا بالتلوث الصناعي المركّب في البلاد.

الفوسفوجيبس الوحل الذي يقتل قابس
23/07/2025
ومع تراكم الأضرار الصحية، من أمراض تنفّسية مزمنة، واضطرابات هرمونية، وارتفاع لافت في سرطانات النساء، لم يبقَ الأهالي مكتوفي الأيدي. فمنذ سنوات، تقود حركة ”Stop Pollution“ تحركات متواصلة جمعت الآلاف من سكان المدينة، نساءً ورجالًا، مطالبين بتفكيك الوحدات الملوّثة وإيقاف النزيف البيئي الذي يهدّد حياتهم. ورغم تغيّر الحكومات وتعاقب الوعود، ظلّ الشارع الڨابسي حاضرًا، يرفع صوته في كل مرة ليذكّر بأنّ الهواء الذي يتنفّسه أطفاله ليس ترفًا، بل حقًا أساسيًا تُناضل المدينة للحفاظ عليه.
الحمل تحت التهديد: تشوه الأجنة كابوس يؤرق النساء
في مختلف الشهادات، تعيش نساء ڨابس تحت وطأة خوف مستمر على صحتهن الإنجابية، إذ يشكّل التلوث الصناعي خطرًا مباشرًا على استقرار الحمل وسلامة الأجنة. تؤكد الطبيبة وردة محضاوي أن هذه المخاطر تُنجم عن التعرض المزمن للملوثات والمعادن الثقيلة المنتشرة في الهواء والماء، قائلة:
يؤثر التلوث مباشرة على خصوبة النساء، فالمواد الكيميائية المنتشرة في ڨابس، وخصوصًا المعادن الثقيلة، تؤثر على صحة المبيض، انتظام الإباضة، واستقرار الحمل، والتعرض لهذه الملوثات قد يؤدي إلى تشوّهات الأجنة، انخفاض وزن الجنين، واضطرابات الخلايا، وقد ينتهي بالإجهاض المبكر.
وتضيف الطبيبة في لقائها مع نواة: ”أمراض الغدة الدرقية لدى النساء تمثّل أحد أبرز المؤشرات الصحية المقلقة في ڨابس، وتحديدًا القصور الدرقي الذي سجّل ارتفاعًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة فضلا على أن النساء يعانين أيضًا من مشاكل في الجهاز التنفسي، وآلام روماتيزمية، وهشاشة العظام، وهي أمراض يتصدّر التلوث قائمة أسبابها المحتملة“.
تؤكد محضاوي أن ”الإشكاليات الصحية المرتبطة بالتلوث انتشرت بكثافة في الجهة، غير أن غياب إحصاءات دقيقة وحديثة يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت نسبها أعلى من باقي الولايات. لكن تراكم الحالات والشكاوى النسائية حول هذه الأمراض يحوّل الظاهرة إلى مسألة لا يمكن تجاهلها.“
وتشير محدثتنا إلى أنّ ”سرطان الثدي وسرطان الغدة الدرقية هما الأكثر شيوعًا بين نساء الجهة، مرجّحة ارتباطهما المباشر بـ”الوضع البيئي الخانق“، إذ تحتوي الانبعاثات والملوثات على معادن ثقيلة بينها الكادميوم الذي يُعتقد أنه يتجاوز الحدود العالمية المسموح بها بشكل كبير وكذلك اليورانيوم وهي عناصر معروفة بتسبّبها في هذه السرطانات وغيرها من الأمراض الخطيرة.“

ڨابس تنتفض في وجه سرطان المجمع الكيميائي
12/10/2025
حول نقص الدراسات والإحصاءات الدقيقة عن الوضع الصحي في ڨابس، تشير الدكتورة وردة محضاوي إلى أنها شاركت عام 2020 في دراسة تناولت العلاقة بين تلوث ڨابس وأمراض القلب والشرايين، مع التركيز على المخاطر الخاصة بالنساء. ومع ذلك، لا توجد حتى اليوم دراسات وطنية كافية تتناول تأثير التلوث على صحة المرأة بشكل متخصص.
تؤكد مراجعة” كونار 2025“ أنّ التعرّض المستمر لملوثات الهواء، بما في ذلك الجزيئات الدقيقة (PM2.5) والمركبات العضوية المتطايرة والمعادن الثقيلة، يؤدي إلى اضطرابات عميقة في الصحة الإنجابية للنساء، تشمل الالتهاب المزمن، الضغط التأكسدي، والاختلال الهرموني في محور الغدد التناسلية. وتبين المراجعة أن النساء في مناطق ملوّثة يعانين معدلات أعلى من الإجهاض التلقائي، الولادة المبكرة، قصور نمو الجنين، واضطرابات دورة الطمث، كما يمكن حتى لمستويات منخفضة إلى متوسطة من التلوث التأثير في نوعية البويضة والزرع الجنيني ومستقبل الخصوبة.[2]
تشير بيانات سجل السرطان للجنوب التونسي (2010–2014) رغم محدوديتها الزمنية إلى ارتفاع معدلات سرطانات النساء، خاصة الثدي والغدة الدرقية وعنق الرحم، دون الإشارة إلى رابط بيئي محتمل لكنه يُعد مرجعًا لمقارنة ڨابس بمعدل الجنوب الوطني وصياغة فرضيات حول تأثير التلوث على صحة النساء. [3]
دراسات حديثة أيضًا، مثل دراسة قسم الأمراض الصدرية بمستشفى ڨابس (2024)، تؤكد ارتباط تلوث الهواء بمضاعفات التنفس، حيث ارتبط ارتفاع ثاني أكسيد الكبريت بزيادة حالات استعمال التهوية غير الغازية، بينما كانت الجسيمات الدقيقة (PM₁₀) مرتبطة بتكوّن خُراجات رئوية ومضاعفات مثل انصباب الجنب، فيما أثرت الحرارة والرطوبة على شدة هذه الحالات.[4]

وفي ظل هذه المخاطر الصحية المتراكمة، سعت نواة أكثر من ثلاث مرات إلى التواصل مع وزارة الصحة طلبًا لتوضيحات وإحصائيات حول انعكاسات التلوث على صحة السكان، دون أن تتلقّى أي ردّ، وعدم إجابة وزارة الصحة هي إجابة في حد ذاتها.. مع غياب الشفافية، تظل صحة المواطنين والمواطنات رهينة سياسة إنكار، تختزل الأزمة في خطاب الاتهام بالتآمر واللجوء إلى ملاحقة الناشطين واعتقالهم بدل اتخاذ إجراءات جذرية، على رأسها تفكيك الوحدات، ما يكرّس واقعًا صحيًا خطيرًا تدفع الجهة كلفته البشرية يومًا بعد يوم.
نساء في قلب الاحتجاج البيئي: امتداد تاريخي محفوف بالتحديات
في الاحتجاجات البيئية في ڨابس، لا تكتفي النساء بالمشاركة في المسيرات والاعتصامات وحمل الشعارات واللافتات، بل يمتد دورهن إلى حملات توعوية على مواقع التواصل الاجتماعي وتنظيم لقاءات مجتمعية لرفع الوعي مما يُظهر حضورهن ضمن معادلة جندرية فارقة فهن يحوّلن معاناتهن اليومية من التلوث إلى قوة جماعية فاعلة.
مشاركة النساء في الاحتجاجات الاجتماعية في تونس ليست ظاهرة مستحدثة، بل هي ممارسة متجذّرة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للبلاد. فمنذ الفترة الاستعمارية، وصولًا إلى ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011، مرورًا بانتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008، كانت النساء في قلب الحراك الشعبي، لا كعنصر تابع، بل كفاعل أساسي، شاركن وقُدن المسيرات وراكمْن إرثًا مهمًا في المشاركة في الحياة العامة.
تفسر الأستاذة في علم الاجتماع بالجامعة التونسية والناشطة النسوية فتحية السعيدي في مقابلة لـنواة أن:
ما يميّز الحراك الاحتجاجي البيئي في ڨابس اليوم، هو تنامي الوعي البيئي وارتفاع منسوب المطالبة بتنمية مستدامة تحترم حقوق الأجيال في بيئة سليمة، وهو وعي يشمل النساء والرجال على حد سواء. بحيث يعكس هذا التحوّل نقلة نوعية في طبيعة المطالب الاجتماعية، خاصة مع تحوّل خطر الغازات السامة إلى واقع ملموس، مقارنة بسنوات التركيز الأولى للمجمع الكيميائي سبعينات القرن الماضي. كما أن تسجيل حالات اختناق، خاصة في صفوف تلاميذ المدارس القريبة من المجمع، لعب دورًا أساسيًا في تنمية هذا الوعي وفي إشعال شرارة الاحتجاج.
تستحضر السعيدي مشهد تقدّم النساء لمسيرات ڨابس بما يشبه ما حدث في الرديف سنة 2008 (انتفاضة الحوض المنجمي)، وتفسّر ذلك بعدة عوامل، من بينها الاستجابات الانفعالية السريعة للنساء كلما تعلق الأمر بصحتهن أو بصحة عائلاتهن، إضافة إلى قدراتهن القيادية وامتلاكهن لخصائص الجسارة والصمود. فالنساء، أكثر قدرة على خلق المشهدية الاجتماعية وأكثر جرأة على المواجهة، وهو ما يرتبط بعملية التنشئة الاجتماعية وبثقل المسؤولية التي تُلقى على عاتقهن في الحفاظ على التماسك العائلي والاجتماعي.

وتخلص محدثتنا إلى إن الاحتجاجات البيئية تمثل حالة خاصة في تاريخ الحركات الاجتماعية في تونس، لأنها تجاوزت المطالب التقليدية المرتبطة بالتشغيل ومكافحة الفقر، لتطرح مطلبًا تنمويًا قائمًا على مقاربة حقوقية شاملة، تضع الحق في الصحة والبيئة السليمة في صدارة الأولويات.
يُظهر النضال المستمر للنساء في ڨابس أنّ الحراك النسوي ليس حضورًا رمزيًا، بل مقاومة فعلية للواقع البيئي القاتل الذي يهدد أجسادهن وأسرهن. فهن يتعرضن كباقي التونسيات إلى التمييز الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى تعرضهن لمخاطر التلوث البيئي الكيميائي الخاص بجهة ڨابس، وما ينتج عنه من أمراض خطيرة، وعلى رأسها السرطان. وكما قدمت ڨابس درسا للعالم بأسره في الانتفاض في وجه رأس المال الجشع الملوث، تقدم نساء ڨابس من خلال القيادة والمشاركة الفعالة في المسيرات، درسا في الارتباط الوثيق بين العدالة البيئية والعدالة الاجتماعية والعدالة الجندرية.
[1] دراسة Air Pollution and Pregnancy – PMC).
[2] كونار، هـ. (2025). التلوث البيئي والصحة الإنجابية. باب ميد.
[3] سجل السرطان الجنوب التونسي (2010–2014. وزارة الصحة، تونس:
[4] ساحلي، س. وآخرون. (2024). الالتهاب الرئوي المكتسب من المجتمع والتعرض لتلوث الهواء: دراسة في مستشفى قابس، تونس. باب ميد.


iThere are no comments
Add yours