تواجه جمعية القضاة التونسيين هجمة منظمة تستهدف نشاطها المناهض لمساعي السلطة لإسكات القضاة المستقلين وترهيبهم، هجمة بدأت منذ إعفاء عشرات القضاة قبل ثلاث سنوات وتجميد المجلس الأعلى للقضاء وتنصيب مجلس مؤقت مكانه، سرعان ما عطّلته الشغورات، إضافة إلى النقل التعسفية للقضاة من قبل وزارة العدل والتدخل في مساراتهم المهنية. وصولا إلى فتح أبحاث في حق رئيس الجمعية أنس الحمادي تبعتها محاولات لإبطال أشغال المؤتمر الانتخابي للجمعية الذي انعقد يومي 07 و 08 فيفري. 

مسار طويل من الهرسلة والتضييق

رسالة القضاة التونسيين في المؤتمر الانتخابي لجمعيتهم كانت واضحة: تمسك بالاستقلالية وتجديد الثقة في قيادة الجمعية التي اختارت عدم الرضوخ لسياسات التركيع والهرسلة والنقل التعسفية التي تمارسها وزارة العدل في حق القضاة، مع التمسك بالمطالبة باستقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وضرورة انتخاب مجلس أعلى للقضاء يضمن للقضاة حدا أدنى من الاستقلالية ويمنع وزارة العدل من التدخل السافر في المسارات المهنية للقضاة. رسالة قطعت مع كل محاولات السلطة تدجين جمعية القضاة، التي عاشت محنة مشابهة سنة 2005 انتهت بالانقلاب على مكتبها الشرعي زمن الاستبداد الماضي.

قبل اسابيع قليلة من انعقاد مؤتمر جمعية القضاة التونسيين، تلقت هذه الأخيرة جملة من التنبيهات الصادرة عن الكتابة العامة للحكومة تتضمن اتهامات بوجود اخلالات فيما يخص تسيير الجمعية اداريا وماليا، لم تستقبل إدارة الجمعية هذا التنبيه عن طريق عدل تنفيذ كما ينص على ذلك القانون لإثبات تسلم التنبيه، واعتبرت جمعية القضاة التونسيين في بيان لها أن هذه الممارسات تعد ”تلاعبا بالآجال القانونية المنصوص عليها في المرسوم 88 بهدف استصدار قرار إداري بإيقاف نشاط الجمعية قبل انعقاد مؤتمرها الانتخابي الخامس عقابا لها على مواقفها المدافعة عن استقلال القضاء“. ووصفت الجمعية هذه الإجراءات بأنها ”ضرب لحق القضاة في الاجتماع والتعبير دفاعاً عن استقلال القضاء“، وذلك بالتزامن مع إثارة تتبعات جزائية ضد رئيس الجمعية أنس الحمادي.

وأوضح بيان جمعية القضاة أنها تلقت بتاريخ 7 جانفي 2026، وهو نفس تاريخ فتح باب الترشحات للمؤتمر، تنبيهاً آخر من رئاسة الحكومة حول إخلالات مزعومة، وأن أجل الجواب عن هذا التنبيه ينتهي بالتزامن مع تاريخ انطلاق المؤتمر الانتخابي، معتبرة أن ”تواتر التنابيه الصّادرة عن رئاسة الحكومة بما تضمّنته من اتهامات بإخلالات لا أساس لها من الصحة، وأن إثارة التتبعات الجزائية ضد رئيس الجمعية بالتزامن مع إعلان عقد الجمعية لمؤتمرها الانتخابي قد تكشف الغاية منه وهي عرقلة عقد المؤتمر وصولا لإيقاف النشاط ومنع عقد مؤتمرها“.

أكتوبر 2024 كاب تاون جنوب افريقيا – مشاركة ممثلي جمعية القضاة التونسيين في الاجتماع السنوي للاتحاد الدولي للقضاة – صفحة جمعية القضاة.

هذه المحاولات لم تحل دون انعقاد مؤتمر الجمعية في آجاله المحددة، ليجدد المؤتمر الثقة في قيادة الجمعية ونهجها. يقول القاضي وعضو جمعية القضاة عمر الوسلاتي:

باعتباري منخرطًا بجمعية القضاة التونسيين منذ سنة 2001، وعضوًا بهيئتها الإدارية سنة 2005، أعتبر أن إعادة انتخاب الرئيس أنس الحمادي لعهدة جديدة على رأس الجمعية تمثّل اعترافًا واضحًا بجهوده المتواصلة في الدفاع عن القضاء المستقل، وتأكيدًا على الدور التاريخي للجمعية باعتبارها الحاضنة الأساسية لتحركات القضاة قبل الثورة وبعدها.

خيار يعتبر الوسلاتي أن اجماع القضاة عليه في مؤتمرهم الخامس عشر قدّم رسالة تضامن ومصادقة جماعية على مسيرة الجمعية، وعلى دورها كشريك أساسي في كل إصلاح جدي ينهض بالقضاء ويكرّس استقلاله وفق المعايير الدولية ومقتضيات الدستور. موضحا ان السياق يتسم بتزايد الضغوطات على القضاة وجمعيتهم وفي غياب مجلس أعلى للقضاء حقيقي يضمن استقلاليتهم ويشرف على مسارهم المهني دون تدخل من السلطة التنفيذية.

هذا السياق وهذه السياسات الهادفة إلى عرقلة نشاط جمعية القضاة التونسيين كان مسبوقا بفتح أبحاث ضد رئيسها أنس الحمادي بهدف ”زيادة الضغوط عليه عقابا له على اضطلاعه بمسؤولياته كاملة في هذا الظرف العصيب وعدم سكوته على كل ما يُرتكب من انتهاكات في علاقة باستقلال القضاء والقضاة وما ينتج عن ذلك من مساس بمبادئ المحاكمة العادلة وبالحقوق والحريات“ حسب بيان لجمعية القضاة.

يعتبر الاتحاد الدولي للقضاة أن الأفعال التي يُتهم بها القاضي أنس الحمادي تتعلق بمواقف وتصريحات أدلى بها في إطار ممارسته لمهامه كرئيس لنقابة مهنية للقضاة، تهدف إلى الدفاع عن استقلال القضاء وسيادة القانون حسب بيان للاتحاد، مضيفا أن ”الشروع في إجراءات جنائية استنادًا إلى هذه المواقف والتصريحات النقابية من شأنه أن يُقوّض بشكلٍ خطير ليس فقط حق القضاة في حرية تكوين الجمعيات، بل أيضًا الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء“.

تونس دون مجلس أعلى للقضاء

إن سياسة التضييق على أنشطة جمعية القضاة التونسيين، من خلال التنبيهات وفتح التحقيق في حق رئيسها ومحاولة ترهيب القضاة، تعبر عن رؤية السلطة للقضاء الذي يجب أن ”ينخرط في معركة التحرير الوطني“ وأن يكون يد السلطة لضرب الأصوات المخالفة في المجتمع. هذا التصور لا يختلف كثيرا عن التنكيل الذي تعرض له القضاة المستقلون في عهد بن علي، فبعد عزل 57 قضايا وتعويض المجلس الأعلى للقضاء بآخر معين من قبل السلطة، نفذت وزارة العدل حملة نُقل تعسفية في حق عدد من القضاة بقرارات انفرادية من الوزيرة دون العودة إلى المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما وصفته جمعية القضاة بأنه ”تواصل التدخل التسلطي والمباشر دون حدود لوزيرة العدل في شبه حركات جزئية متواصلة بتنحية رؤساء محاكم ونقلتهم تعسفًا وتعيين آخرين خارج كل ضمانات التقييم الموضوعي والمستقل للأداء القضائي والتنافس النزيه والشفاف على المسؤوليات القضائية“.

وتوضح الجمعية أن هذا التمشي الذي انتهجته السلطة منذ اتخاذ التدابير الاستثنائية لا يتعلق مطلقًا بإصلاح القضاء مثلما وقع الترويج له، بل اندرج ضمن مشروع سلطوي يهدف لإرساء القضاء الوظيفة التابع كليًا للسلطة السياسية وذلك عبر هدر كل ضمانات الاستقلالية الشخصية للقضاة وإلغاء كل ضمانات الاستقلالية الهيكلية والمؤسسية عبر تنصيب مجلس تابع وخاضع للسلطة، حسب بيان صادر عن الجمعية.

 يعتبر رئيس جمعية القضاة أنس الحمادي أن ”الوضع القضائي في تونس يشهد حالة من الاحتقان والأزمة القضائية متواصلة منذ أكثر من ثلاث سنوات، في ظل غياب المجلس الأعلى للقضاء بعد حل مجلس القضاء الشرعي وتعويضه بهيكل مؤقت بقرار من قيس سعيّد، قبل أن يتم لاحقًا تجميد أعمال هذا المجلس المؤقت بسبب شغور المناصب داخله“.

أكتوبر 2025 باكو أذربيجان – نائبة رئيس جمعية القضاة خلال مشاركتها في الاجتماع السنوي للاتحاد الدولي للقضاة – الصفحة الرسمية لجمعية القضاة.

هذه الوضعية غير المسبوقة في تاريخ تونس فسحت المجال أمام وزارة العدل لتعويض المجلس المؤقت للقضاء العدلي والانفراد بالإشراف على المسارات المهنية للقضاة والتحكم فيهم عبر آليات النقل ومذكرات العمل والترقيات وإسناد المسؤوليات القضائية على الولاء والتبعية بدلًا من الكفاءة والنزاهة والحياد والاستقلالية، حسب ما أكده الحمادي في كلمته الافتتاحية للمؤتمر. مشددا على أن تونس تعيش لأول مرة دون مؤسسة تمثل السلطة القضائية التي تمثل حتمية يفرضها منطق دولة القانون والدولة الديمقراطية والنظام الجمهوري ومنطق السير العادي لمرفق القضاء حسب قوله.

القضاة هدف آخر في مرمى نيران السلطة

مسار التضييق الذي تواجهه جمعية القضاة يعيدنا إلى ما تعرضت له جمعيات تونسية، على غرار النساء الديمقراطيات منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وجمعية نواة وأصوات نساء وغيرها، من إجراءات تعسفية وهرسلة قضائية أدت إلى عرقلة نشاطهم عبر استصدار قرارات بتعليق النشاط بشكل تعسفي دون تفسير لأوجه الاخلالات المزعومة التي تم بمقتضاها اتخاذ قرار تعليق النشاط لمدة شهر في حق هذه الجمعيات. هذه القرارات أكدت توجها عاما لدى السلطة في التضييق على عمل المجتمع المدني الذي اضطلع بدور الرقابة وكشف الممارسات التعسفية ومناهضة سياسة الانغلاق التي تعتمدها السلطة في كافة المجالات.


حوار مع عايشة بلحسن، نائبة رئيس جمعية القضاة التونسيين
– 29 أوت 2022 –

رفضت وزارة العدل تنفيذ حكم المحكمة الإدارية بوقف تنفيذ قرار الرئيس قيس سعيد بإعفاء 57 قاضيا وقاضية، بحجة ان القضاة المشمولين بالاعفاء لديهم تتبعات جزائية لم يبت فيها القضاء. هذا الرفض آثار جدلا واسعا لدى الرأي العام خاصة مع أقدام الوزارة على تغيير اقفال مكاتب القضاة المعزولين. قرار القضاء الإداري القاضي بتوقيف تنفيذ قرارات الإعفاء في عدد من المطالب المرفوعة بشأنها، مع رفض مطالب أخرى، يعني آليا عودة القضاة إلى عملهم لكن السلطة التنفيذية لم تنفذ الحكم ومارست التصعيد ضد الهياكل القضائية التي تستعد بدورها لمواصلة تحركاتها ضد قرار العزل.


لا تنفصل الهجمة على جمعية القضاة عن السياق العام الذي تعرضت فيه عشرات المنظمات والجمعيات، في العاصمة وفي الجهات، إلى هرسلة وتتبعات قضائية وقرارات بتعليق النشاط لفترات محددة، وغالبا ما تعتمد هذه السياسة على تتبع المسؤولين عن هذه الجمعيات المستهدفة ثم تفتتح مسارا طويلا من التدقيق المالي والإداري لتصل حد التنبيه بوجود تجاوزات وخروقات، قبل أن تصدر قرارات بتعليق النشاط، وهذا ما تعرضت له مختلف الجمعيات بشكل يكاد يكون متطابقا.

هذا التوجه التعسفي الذي اعتمدته الحكومة يتطابق مع ما اقترحه قيس سعيد منذ 2012 حين طُرحت مسألة حل روابط حماية الثورة بعد الهجوم الذي استهدف مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، قيس سعيد بصفته استاذا في القانون اقترح آنذاك أن يكون التعامل مع الجمعيات عبر القضاء وليس عبر قرارات حكومية. وما اقترحه الأستاذ حينها يتطابق مع ما تقوم به حكومته اليوم بعد أن أصبح رئيسا يمسك بيده صلاحيات مطلقة، تنبيه فتعليق نشاط ثم قضية في الحل النهائي. وهذا ما تواجهه الجمعيات اليوم، فمسلسل التضييق وتعليق النشاط لم ينته بعد، بل هناك مسارات، تتبناها السلطة أو تُؤمر بتبنيها، تبدأ بالشيطنة فجس النبض فتسليط عقوبات خفيفة قبل الحل النهائي، وكأن محاولة تغليف خوف الاستبداد من الجمعيات المستقلة بقرارات قضائية وإدارية سينطلي على المتابعين بهذه السهولة، بل صار أمرا مفضوحا لا ينطلي على أحد.

فيفري 2022 قصر العدالة تونس – أنس الحمادي يقود واحدا من آخر التحركات الميدانية لجمعية القضاة قبل ان تدفع تضييقات السلطة جمعية القضاة إلى الاكتفاء بإصدار البلاغات من حين إلى آخر – صور نواة.

رغم كل محاولات التضييق والتعسف واسكات كل من يخرج عن جوقة التطبيل للسلطة، لا تزال ارادة التحدي والنضال حاضرة ولو بدرجات متفاوتة لدى مختلف الأجسام الوسيطة من جمعيات واعلام مستقل وقوى سياسية وشبابية في مواجهة ارادة واضحة بتصفيتها. فبعضها يقاوم الرداءة في كل الساحات والمنابر بوجه مكشوف، في حين تختار أخرى الحذر المبالغ فيه فتحجم عن الكلام خارج بياناتها.

أما السلطة فتعتمد بوضوح في سياسة التضييق اعتمادا كليا على أجهزة الدولة المفروض عليها الحياد، وتوظف في ذلك قوانين ومراسيم وُضعت أساسا لضمان الحد الأدنى من الحقوق والحريات ولمنع التعسف بهدف ضرب المخالفين في الرأي. وبذلك نصل إلى المشهد التعيس الذي نعيشه اليوم: قضاء وبوليس في خدمة السلطة ونشطاء العمل المدني والسياسي والصحفيين في السجون أو يواجهون محاكمات سياسية، جمعيات مهددة بإيقاف نشاطها، وعودة الخوف من التعبير عن الرأي خشية بطش الدولة.. كل هذا التعسف الذي حاولت من خلاله السلطة ترهيب المجتمع واسكاته، تحول إلى عامل تضامن وتجميع حول ارادة واضحة في مقاومة الرداءة والعبث والاستبداد.