”تكفل الدولة الحق في الصحة لكل شخص وتعمل على حماية الصحة العمومية وعلى ضمان الخدمات الصحية لكل المواطنين“. بهذه الكلمات ينص الدستور في فصله 38 على حق أساسي يفترض أن يكون حجر الأساس لحياة المواطن، لكن في تونس اليوم تتحول هذه الحقوق إلى شعارات لا مكان لها خارج خطابات الرئيس ومعاونيه، شعارات تتناقلها نشرات أخبار الإعلام الرئاسي منفصلة عن واقع صحي متهالك، تغيب عن سوق أدويته عناوين أدوية أساسية ما يكشف وضعية منظومة صحة عمومية مهينة لكرامة المرضى أو ما تبقى منها، تحت وطأة أزمات مالية ولوجستية متراكمة. هنا تركت السلطة المواطنين دافعي الضرائب لمصيرهم، في سباق البحث المتواصل عن علبة دواء حياتية مفقودة لم تنجح الشعارات الرنانة في تعويضها.
”دواء الغُصّة“
تبدأ ليلى صباحها بخطوات متثاقلة قبل التوجه إلى عملها، تحمل حقيبتها الصغيرة وتفكر في دواء الغدة الدرقية الذي لا يتجاوز سعر العلبة منه خمسة دينارات، دواء حيوي بالنسبة لها لكنه أصبح في تونس اليوم حلما بعيد المنال. عند أول صيدلية تصل إليها يلتقيها الصمت ثم ابتسامة عابرة من الصيدلانية وجملة تكررها لأغلب النساء الباحثات عن هذا الدواء ”انتهى المخزون، ربما يصل لاحقا“ فتغادر بخيبة أمل صارت تلازمها عند الخروج من الصيدليات. تواصل ليلى رحلة بحث تقودها إلى صيدلية أخرى حاملة معها الأمل نفسه، لكنها تجد الاجابة المكررة عند كل عنوان ”هذا الدواء غير متوفر سنبلّغكم عند وصوله“ في حين أن كل دقيقة تمر تزيد من توترها وإحباطها. رحلة ليلى اليومية من صيدلية إلى أخرى تجاوزت البحث عن دواء لتتحول إلى سلسلة من الخيبات والوعود المعلّقة التي تترجم واقعا لا يمكن اخفاؤه بعصى البوليس، كما هو الحال في قطاعات أخرى.
تحدثنا ليلى وهي تحاول كتم ضيقها خلف ابتسامة متعبة ”أقضي أياما طويلة بلا دواء الغدة الدرقيةوأحيانا أضطر للتأجيل أو الانتظار لساعات في صيدليات لا تجد فيها إلا الصمت والوعود الفارغة.. كل يوم أشعر أن جسدي ينهار وأن نفسيتي تتآكل شيئًا فشيئًا“.
رحلات البحث المضني المتكررة، كشفت لليلى عالم مرضى يعوّلون على أنفسهم بعد ان فقدوا الامل في تحرك دولتهم. أدوية تُجلب من الخارج في حقائب المسافرين وأخرى يتقاسمها المرضى فيما بينهم حسب الأولوية والخطورة، تفيد ليلى: ”أعرف نساء يتحصلن على الدواء بطرق غير رسمية عبر أشخاص يأتون به من أوروبا ودول أخرى، لكن أنا لا يحالفني الحظ مثل البقية وأبقى مثل غيري من النساء مضطرات لمواجهة هذا النقص يوميا“. تشير في حديثها إلى أن غياب هذا الدواء لا يمثل مجرد تعقيد يومي، بل تهديدا مباشرا لحياة النساء باعتبارهن الأكثر عرضة لهذا المرض الذي يمكن أن يتحول إلى موت بطيء ورحلة عذاب تفتك بأجسادهن ومعنوياتهن أمام غياب الدواء.
كلمات ليلى وموقفها يتقاطع مع روايات عديدة لنساء يعتبرن ما يحدث جريمة في حقهن وأن الدولة لا تتذكرهن إلا عند دفع الضرائب والفواتير دون أن توفر لهن خدمات صحية تحفظ كرامتهن كمواطنات لا كرعايا، ”أشعر بالخذلان، أشعر أن الدولة تتخلى عن حقنا في البقاء بصحة جيدة ونحن النساءالأكثر حاجة لهذا الدواء، نصبح ضحايا أزمة لا يفهمها الكثيرون إلا حين يواجهونها بأنفسهم“.

يُعتبر ليفوثيروكسين (Levothyroxine) العلاج الأساسي لقصور الغدة الدرقية، الحالة التي لا تنتج فيها الغدة كمية كافية من هرمون الثيروكسين (T4) المسؤول عن تنظيم الأيض، حرارة الجسم، معدل ضربات القلب ووظائف الأعضاء الحيوية. يلعب الدواء دورا محوريا لدى النساء إذ أن نقص هرمون الغدة الدرقية قد يؤثر على الدورة الشهرية، الخصوبة، والحمل، ويزيد من خطر مضاعفات صحية للأم والجنين إذا لم يُعالج بشكل مناسب.
يتوفر ليفوثيروكسين في تونس بعدة جرعات مختلفة لتلبية احتياجات المرضى تشمل على سبيل المثال 25 ميكروغرام، 50 ميكروغرام، 75 ميكروغرام، 100 ميكروغرام، و125 ميكروغرام. تُسوَق هذه الجرعات تحت أسماء تجارية متعددة مثل Levothyrox، Berlthyrox، Euthyrox، Thyroxine ويُسجل لكل منتج رقم تسجيل رسمي لدى الوكالة الوطنية للدواء لضمان التتبع وجودة الإنتاج. وفق معطيات الصيدلية المركزية فإنه وعلى الرغم من تسجيل هذه الأشكال المتنوعة في تونس، فإن ليفوثيروكسين لا يصنع محليا، بل يتم توريده من مختبرات أوروبية موثوقة لضمان الجودة واستمرارية التوفر في الصيدليات.
معاناة ليلى ليست حالة فردية أو معزولة بقدر ماهي صورة مصغّرة لأزمة أوسع تضرب النساء في مختلف أنحاء البلاد. هذا الواقع الصعب قادنا خلال فترة بحثنا، وعلى امتداد بضعة أشهر، إلى مئات التدوينات والنداءات التي نشرتها نساء من ولايات ومناطق متعددة، بحثا عن دواء الغدة الدرقية المعروف في التداول اليومي باسم ”دواء الغُصّة“. في الفضاء الرقمي تتحوّل الصفحات والمجموعات إلى منصات استغاثة جماعية حيث تتكرر العبارات نفسها بصيغ موجعة ”الدواء مقطوع“ ”امرأة في حاجة مستعجلة“ ”الحالة الصحية تتدهور“، نداءات قصيرة ومباشرة لكنها تكشف حجم القلق والخوف الذي يرافق الانقطاع القسري عن علاج حيوي لا يمكن تعويضه فيفضح هذا السيل من الشهادات العفوية واقعا تعيشه النساء أساسا، باعتبارهن الأكثر عرضة لأمراض الغدة الدرقية، ويكشف كيف دفعت الأزمة الدوائية بالمواطنات إلى البحث عن حلول فردية في فضاء عام بدل اللجوء إلى مؤسسات الدولة التي يفترض أن تضمن هذا الحق دون وساطة أو استغاثة، وتزداد المفارقة حدّة إذا ما قورن هذا الواقع بما أعلنته الصيدلية المركزية التونسية في بيان رسمي لها خلال شهر سبتمبر الفارط مؤكدة توفر دواء الغدة الدرقية، هذا البيان بدا في ضوء ما وثقناه شكليا ومنفصلا عن الواقع إذ لم ينعكس على رفوف الصيدليات ولا على يوميات النساء اللواتي واصلن نشر نداءاتهن بحثا عن علبة دواء مفقودة. وبين خطاب رسمي وواقع اجتماعي يعجّ بالاستغاثات والانتظار والقلق تتسع الفجوة بين الدولة ومواطنيها وتتحوّل علبة دواء إلى رمز لأزمة أعمق تتمثل في أزمة منظومة صحية عاجزة عن القيام بدورها.

أزمة دواء أم حدود منظومة متهاوية؟
يتّسع المشهد ويتجاوز حالة بعينها ليتحول نقص الدواء في تونس إلى أزمة عامة لا تعترف بفوارق العمر ولا بالجنس ولا بنوع المرض، أزمة تطال أصحاب الأمراض المزمنة كما الحالات الاستعجالية وتمس الأطفال والشيوخ والنساء والرجال على حدّ سواء حتى بات البحث عن العلاج جزءا من الجهد اليومي للتونسيين، واقع يعكس منظومة منهكة من مسالك التزويد إلى سياسات التوريد والتسعير مرورا بصعوبات التمويل وتعقيدات التغطية الاجتماعية واختلال العلاقة بين المتدخلين في القطاع الصحي، فتتشكل أزمة الدواء كمرض عضال يضرب في العمق حق المرضى في العلاج ويكشف يوما بعد يوم هشاشة الخيارات الرسمية في حوكمة ملف يفترض أن يكون من أولويات الدولة ودورها الاجتماعي تجاه مواطنيها.
في حديثه إلى نواة، يقدّم زبير ڨيڨة رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة قراءة نقدية لأزمة نقص الدواء، معتبرا أن ما تشهده السوق حاليا من توفر نسبي لبعض الأصناف لا يمثّل حلا حقيقيا بقدر ما هو انفراج ظرفي سرعان ما يتلاشى، ويقول في هذا السياق ”نحن تعوّدنا على هذا السيناريو، تنفرج الأزمة قليلا ثم تعود بعد أشهر بنفس الحدة وربما أكثر“ موضحا أن الإشكال لا يكمن في التوريد في حد ذاته، بل في غياب معالجة جذرية للأسباب التي تجعل الأزمة تتكرر بنفس الوتيرة. يشير ڨيڨة إلى أن أحد أخطر مظاهر إدارة هذا الملف هو غياب الاعتراف الرسمي بالمشكلة، معتبرا أن رفض الاعتراف بوجود إشكاليات حقيقية والوقوف عندها لإيجاد حلول هو خطأ جسيم تتحمّل مسؤوليته كل الأطراف وعلى رأسها الدولة التي تحتكر قطاع الأدوية وتسيّره دون رؤية إصلاحية واضحة مكتفية بإدارة الأزمة بدل إنهائها.
فيما يتعلق بتحميل المسؤوليات، ينتقد رئيس النقابة الخطاب الذي يوجّه أصابع الاتهام إلى المخابر الدولية ويتهمها بانعدام البعد الإنساني معتبرا أن هذا الطرح يفتقد للواقعية ويقول صراحة إن المخابر الدولية شركات ربحية تتعامل بمنطق واضح ”تعطي المال فتأخذ الدواء“ مبرزا أن التعامل معها محكوم باحترام الاتفاقيات وتسديد المستحقات في آجالها، بعكس ما يمكن أن يحصل مع المخابر التونسية حيث يمكن إيجاد حلول توافقية عبر التداين أو التعامل الودي. يضيف محدثنا أن الدولة مطالبة بتسهيل عمل المخابر المحلية وتشجيعها على مزيد الاستثمار والتعويل الجدي على التصنيع المحلي، موضحا أن عددا من الأدوية المفقودة أو التي تشهد اضطرابات في التزويد يمكن تصنيعها في تونس لكنه يستدرك بالقول “هذه الأدوية غير مربحة في أغلب الأحيان، لذلك يكون توريدها أسهل وأقل كلفة لأن سعرها في الخارج منخفض“
دعت وزارة الصحة الأطباء والصيادلة إلى ترشيد استعمال الأدوية وذلك ضمن نقاط استراتيجيتها لضمان توفير الأدوية الأساسية. إعلان الوزارة تزامن مع قصة وفاة شاب، هزت شبكات التواصل، جراء عدم تمكنه من الحصول على دواء للسرطان. لتشخيص أسباب فقدان الأدوية والوضع الحقيقي للمخزون، حاورت نواة زبير قيقة رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة.
ويضع ڨيڨة الإصبع على ما يعتبره جوهر الأزمة مؤكدا أن المشكل الحقيقي في تونس ”ليس نقص الدواء عالميا، بل سوء التصرف الإداري وضعف التمويل“ خاصة على مستوى الصيدلية المركزية التي تبيع الأدوية بأسعار أدنى من كلفتها الحقيقية ما يجعلها وفق تعبيره تبيع دون أرباح أو بأقل من السعر الحقيقي وهو ما ينعكس مباشرة على الصيدليات الخاصة التي تجد نفسها مجبرة على تقسيم الأدوية وتوفيرها بكميات أقل من حاجيات المرضى، ويوضح في هذا الصدد ”نحن نقسّم الدواء لأن الدولة نفسها تقسّم علينا الكميات“. كما يحذّر محدثنا من التداعيات الخطيرة لهذا الوضع مشيرا إلى أن عددا متزايدا من التونسيين يلجؤون إلى البحث عن أدويتهم في أسواق دول مجاورة أو إدخالها بطرق موازية، وهي أدوية موجودة فعليا لكنها لا تخضع للرقابة الكافية، واصفا هذا المسار بأنه خطير وكارثي على صحة التونسيين. فبينما تواصل الدولة، بحسب قوله، ترديد الشعارات التي تؤكد ضمان الحق في الصحة وتوفير الدواء فإن هذه الشعارات تبقى دون ترجمة عملية، إذ لا نرى خططًا ولا استراتيجيات واضحة تنهي هذه الأزمة ما يفتح الباب أمام الإحباط واليأس رغم مقاومة عدد من الأطراف ومن بينها نقابة الصيدليات الخاصة التي تؤكد، كما يقول ڨيڨة، أنها ما تزال تناضل من أجل غد أفضل يضمن فيه حق الدواء والصحة والحياة الكريمة للتونسيين.
تكشف أزمة الأدوية في تونس، كما تتقاطع فيها شهادات المرضى ومعطيات المنظمات المهنية والحقوقية عن خلل أعمق من مجرد نقص في التزويد أو اضطراب في السوق إذ تبدو كأحد الأعراض الأكثر فجاجة لإنهاك منظومة صحية تُدار بمنطق الترقيع وتختزل فيها المسؤولية السياسية في شعارات مطمئنة لا تصمد أمام الواقع. منطلق لا يمكن معه فصل أزمة الأدوية عن السياق الأشمل لتدهور المنظومة الصحية في البلاد حيث تتراكم المعاناة ويتحول المرض والبحث عن الدواء في تونس إلى تجربة مريرة من الانتظار والعجز وعدم اليقين.

الصحة العمومية في تونس..إلى أين؟
لم تعد أوضاع المستشفيات العمومية في تونس بحاجة إلى كثير من التوصيف فالصورة يعلمها الجميع ويتفحصونها عند كل زيارة للمستشفى والمرور عبر أبوابه وقاعات انتظاره وممراته الداخلية، ففي المستشفيات الجامعية الكبرى كما في المؤسسات الصحية الجهوية والمحلية تظهر المنشآت متقادمة أنهكها الزمن، أقسام تعمل بأكثر من طاقتها بها تجهيزات طبية إما معطلة أو غير كافية ومساحات لم تعد تستجيب لشروط الاستقبال والعلاج اللائق. داخل هذه المؤسسات الصحية يتحول الاكتظاظ إلى مشهد روتيني يومي حيث تتكدس الحالات في أقسام الاستعجالي وتنقص فترات المكوث في الأجنحة الاستشفائية تحت ضغط الطلب فيما يُطلب من المرضى وأقاربهم التكيّف مع نقص في الأسرة والمعدات وتأخير في المواعيد واضطراب في الخدمات الأساسية، فيكون هذا الوضع قاسما مشتركا بين أغلب المرافق الصحية العمومية على اختلاف مساحتها أو موقعها الجغرافي.
في المقابل، تجد الإطارات الطبية وشبه الطبية نفسها تعمل في ظروف صعبة وسط ضغط مهني ونفسي متواصل وفي فضاءات تفتقر في أغلب الاحيان إلى الحد الأدنى من الإمكانيات اللوجستية والتقنية، ما دفع نقابات ومنظمات مهنية وحقوقية إلى الاجماع بأن المؤسسات الصحية العمومية تعيش انهيارا تدريجيا لمنظومة صحية عمومية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية. المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية اعتبر تعليقا على أزمة الأدوية الأخيرة، أن نقص الأدوية والمعدات لم يعد ظرفيا وإنما انعكاس لفشل السياسات العمومية ”حرمان آلاف المرضى من الأدوية سواء بانقطاعها الكلي أو بتوفيرها بصفة متقطعةلا يمكن اعتباره مجرد أزمة ظرفية، بل يمثل انتهاكًا جسيمًا للحق الدستوري في الصحة، وجريمة يتحمل مسؤوليتها كل من تهاون أو تقاعس أو تلاعب بملف الصحة العمومية“ وهو ما يوضّح مدى الخطورة التي باتت تمس حق العلاج والحياة بعيدا عن الشعارات الفضفاضة. في ذات الاتجاه رأت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن تونس تشهد ”انهيارا متسارعا ومقلقا للمنظومة الصحية العمومية وأن الوضع ليس أزمة ظرفية بل يعكس فشلا ممنهجا في السياسات العمومية تتحمل الدولة مسؤوليتها الكاملة عنه“ وأنه في ظل نقص التمويل وتقادم البنية التحتية وغياب التجهيزات الأساسية والأدوية يحرم آلاف المواطنين من حقهم في العلاج بسبب توقف الصيدليات الخاصة عن صرف الأدوية للمضمونين اجتماعيا ما يشكل انتهاكا صارخا للحق في الصحة والحياة. كما ترى الرابطة أن ”هذا الواقع المتردي يجعل المرضى يتركون في أوضاع إنسانية مهينة تزيد الإحساس بالهشاشة واليأس وتهدد سلامتهم الجسدية دون أي محاسبة للسلطات المعنية“ داعيةً إلى فتح حوار وطني جاد وشفاف حول السياسات الصحية بعيدا عن الخطابات الشعبوية والوعود الزائفة.
كما لم تقتصر صيحات الفزع القادمة من المستشفيات العمومية على المرضى أو منظمات المجتمع المدني بل عبر عنها أيضا مهنيّو القطاع أنفسهم وفي مقدّمتهم منظمة الأطباء الشبان التي حوّلت خلال السنوات الأخيرة مطالبها المهنية إلى تشخيص صريح لواقع الصحة العمومية. فقد كشفت تحركات الأطباء الشبان عبر الإضرابات والاحتجاجات المتتالية عن عمق الاختلالات داخل المستشفيات العمومية من نقص فادح في التجهيزات والأدوية إلى ضغط مهني خانق وظروف عمل توصف بغير الإنسانية داخل بنية تحتية متهالكة تعجز في كثير من الأحيان عن ضمان الحد الأدنى من شروط السلامة للمرضى وللإطار الطبي على حدّ سواء. فلم تكن هذه التحركات الحاشدة للمنظمة مجرد نزاع مهني حول الأجور أو المنح، بل جاءت كإنذار مبكر بانهيار منظومة بأكملها، حيث أكدت المنظمة مرارا أن استمرار العمل في هذا المناخ لا يهدد فقط مستقبل الأطباء الشبان، بل ينعكس مباشرة على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين والمواطنات ويسرّع نزيف الكفاءات نحو القطاع الخاص أو الهجرة.
على خلفية ما اعتبر تهميشًا ممنهجًا وتهديدًا صريحًا، نفذت جمعية الأطباء الشبان وقفة احتجاجية حاشدة، مساء الثلاثاء 1جويلية 2025، أمام المسرح البلدي بالعاصمة. المحتجات والمحتجون عبروا عن رفضهم لما جاء في الجلسة التفاوضية مع وزارة الشؤون الاجتماعية من لهجة تهديدية، بلغت حد التلويح بتتبعات قضائية ضد من يواصل التحركات، فضلًا عن تصريحات وُصفت بالصادمة بخصوص ملف هجرة الأطباء. كما تمسك شباب وشابات الطب بالدفاع عن حق المواطنين في صحة عمومية تحفظ كرامتهم محذرين من الانعكاسات الكارثية للسياسات الحكومية المتبعة على واقع الصحة العمومية وعلى مستقبل آلاف الأطباء الشبان في تونس.
في هذا السياق يقدم بهاء الدين رابعي، نائب رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان، في حديثه لنواة توصيفا لوضع المستشفيات العمومية منطلقا من المعايشة اليومية داخل الأقسام قائلا ”نضطر في أغلب الأحيان إلى الطلب من المرضى أن يشتروا الأدوية من الخارجوهو ما لا يقتصرعلى الأقسام العادية، بل يطال حتى أقسام الاستعجالي ويصل أحيانا إلى غياب أدوية أساسية ومسكنات آلام وهذا أمر غير مقبول“. لا يفصل رابعي هذه المشاهد اليومية عن سياقها الأوسع مؤكدا أن قطاع الصحة يعاني منذ قرابة عشرين سنة أزمة جوهرية تتعمق يوما بعد آخر في ظل غياب حلول جذرية، معتبرا أن الخروج من هذا المأزق يفرض على وزارة الصحة أن تنخرط في مسار تشاركي حقيقي مع مختلف الأطراف المعنية. ويحمّل رابعي الوزارة مسؤولية ما آل إليه الوضع مفيدا بأن وزارة الصحة تتحمل مسؤولية التدهور المتواصل منذ سنوات سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية المهترئة أو بظروف العمل الصعبة التي يشتغل في ظلها الإطار الطبي وشبه الطبي داخل المستشفيات العمومية. يختم محدثنا بالإشارة إلى البعد المالي للأزمة مذكّرا بأن ”خمسة بالمائة فقط من ميزانية الدولة تخصص لقطاع الصحةوهي نسبة ضعيفة جدا ولا تمكّن لا من إصلاح المنظومة الصحية ولا من النهوض بها“ ما يجعل الأزمة في نظره مرشحة لمزيد التعمق في غياب خيارات واضحة تعيد للصحة العمومية مكانتها ودورها.

الصناديق الاجتماعية معاناة اضافية
على امتداد عقود مثّلت الصناديق الاجتماعية أحد أهم عناوين التزام الدولة بواجبها الاجتماعي تجاه المواطنين، إلا أنها تعكس اليوم إخفاق حوكمة تسيير الموارد وضمان استمرارية الخدمات الصحية حتى باتت على شفير الانهيار الحقيقي. فهذه الصناديق التي يفترض أن تكون الركيزة الأساسية لتأمين العلاج للمواطنين وجدت نفسها تواجه مشاكل مالية هيكلية ما أدّى إلى خلق فجوات كبيرة في التمويل وانقطاع الخدمات الأساسية للمضمونين ما انعكس على أبسط مستلزماتهم الدوائية، فتحول ما يفترض أن يكون ضمانا اجتماعيا إلى عامل إضافي يعقد الوصول إلى العلاج ويزيد من هشاشة المواطنين أمام منظومة صحية عمومية منهارة ومحدودة الإمكانيات.

الصحة في تونس لمن استطاع إليها سبيلا
19/04/2024
في هذا السياق كشف هشام البوغانمي عضو الجامعة العامة للصحة وكاتب عام نقابة أعوان الصيدليات، في حديثه مع نواة، أن الأزمة الصحية والدوائية في تونس تتجاوز مجرد نقص بعض الأدوية أو توقف الصيدليات عن التزويد لتصبح جزءا من انهيار أوسع لمنظومة الصحة العمومية. فالواقع في الصيدليات العمومية بالمستشفيات والمستوصفات يروي مأساة يومية للمواطنين حيث يحصل المريض على دواء واحد مقابل خمسة أدوية ضرورية لعلاجه أحيانا من هذه الصيدليات ما يعكس أن الأزمة أكبر بكثير من الصيدليات الخاصة التي تدار وفق قواعد ربحية واضحة. وأوضح البوغانمي أن ما يفاقم الوضع هو اعتماد الدولة على حلول ترقيعية مؤقتة بدل وضع خطة شاملة ونهائية رغم توفر الإمكانيات والكفاءات اللازمة، قائلا إن ”غياب الإرادة يحول دون ترجمة هذه الحلول إلى واقع ملموس وأن الأزمة الأعمق تكمن في الصناديق الاجتماعية التي تواجه مشاكل مالية جسيمة بسبب تراكم الديون وتغير الهرم السكاني“، فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يعاني من تهرب الشركات والأفراد من دفع مستحقاتهم في القطاعات غير المنظمة فيما يعاني الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية من مشاكل ديون مع القطاع العام والوظيفة العمومية نتيجة العجز المالي للمؤسسات العمومية نفسها وهو واقع غير معلن رسميا بأرقام صريحة ودقيقة لكن آثاره واضحة على تأمين الأدوية والخدمات الصحية الأساسية. وأكد البوغانمي أن حل الأزمة على المدى الطويل يتطلّب معالجة الاختلال المالي للصناديق، لكن هذا الأمر غير عملي حاليا لان المرضى لا يمكنهم الانتظار طويلا معتبرا أن ”التدابير العاجلة تشمل رقمنة مسالك التوزيع في الصيدليات المركزية ووضع جداول واضحة تحدد كميات الأدوية والفترات الزمنية لتوزيعهاوضمان مطابقة العرض مع احتياجات السوق وهي تجربة أثبتت نجاحها في عدد من المستشفيات“. وخلص إلى أن استمرار سياسة انتظار الأزمات والجدل حول دواء معين بعد نفاده يفاقم معاناة المواطنين ويهدد استقرار النظام الصحي، داعيا إلى ضرورة إعادة النظر في السياسات الإدارية والمالية للصيدليات العمومية والصناديق الاجتماعية وتوفير إرادة سياسية حقيقية لإنقاذ الصحة العمومية قبل فوات الأوان وإلا فإن ما يُقدم على أنه حق في الصحة سيبقى دوما شعارات مفرغة من مضمونها.
تتجلى مأساة الحق في الصحة في تونس بأبسط صورها وأكثرها قسوة، فالوصول إلى بعض الأدوية الحياتية تحول إلى كابوس مؤرق لآلاف العائلات التي تتجند للبحث والمساعدة بعد ان تركتهم الدولة في مواجهة مصيرهم. ومنظومة صحة عمومية تحتاج الدخول إلى غرفة الإنعاش بشهادة أهل القطاع، مقابل إصرار رسمي على تجاهل الأصوات الشابة التي كثفت احتجاجاتها رفضا لتدمير مرفق الصحة العمومية.


iThere are no comments
Add yours